حوار حول الأوضاع السورية واللبنانية –

15 novembre 2013
By
نصّ الحوار الذي أجراه معي الزميل أحمد صلال حول عدد من القضايا السياسية المتّصلة بالقضية السورية. الحوار منشور في موقع أورينت.نت وفيه تطرّق الى المواقف الدولية والى جنيف 2 كما الى الأوضاع في لبنان وأحوال اللاجئين السوريين فيه.

 

1- قارب الشهر الواحد والثلاثون من عمر الثورة في سوريا على الانقضاء. كيف يمكن تقييم الأوضاع السوريّة اليوم؟
تتعقّد الأوضاع في سوريا كما في المقاربات المعتمدة تجاهها. ذلك أن المراوحة السياسية والعسكرية التي تكرّس تمزّقاً جغرافياً وإجتماعياً يرافق استمرار القتل والقصف والحصار وسياسة الأرض المحروقة التي يعتمدها النظام تجعل الأوضاع عرضة للاهتراء وللتطبيع القسري مع الواقع الجديد.  كما أن توسّع الحضور الجهادي في شمال شرق البلاد يدخل عاملاً جديداً الى المعادلة الرئيسية في الصراع وليس الى هامشه. لذلك، يبدو المشهد السوري اليوم مشهد صدام بين النظام وحلفائه من جهة، الثورة بفصائلها المختلفة المتحالفة والمتناحرة في ما بينها أحياناً من جهة ثانية، والجهاديين – الأجانب منهم بخاصة – من جهة ثالثة. وهؤلاء يقاتلون فصائل الثورة أكثر من قتالهم قوى النظام، ويهتمّون بفرض هيمنتهم على المناطق المحرّرة أكثر من اهتمامهم بالتقدّم نحو مناطق ما زالت في قبضة النظام. وفي هكذا أوضاع ميدانية، ومع دعم روسي وإيراني متواصل لجيش الأسد وأجهزته مقابل تخبّط غربي في ما خصّ دعم المعارضة، ومع استمرار القتل والتهجير والسعي الحثيث من قبل النظام لخنق مناطق وتجويعها، تبدو الأمور متّجهة الى مرحلة جديدة وطويلة من الصراع يرافقها حكماً المزيد من التصدّع وسقوط الضحايا.
2-  كيف يمكن تفسير الاتفاق حول السلاح الكيماوي السوري، وهل حصل النظام برأيك على مشروعية دولية على الأقل حتى العام 2014؟
يفيد التذكير بداية أن الحكي عن استحصال النظام على شرعية دولية غير دقيق لأننا لم نكن قد وصلنا بعد الى إسقاط تام للشرعية عن هذا النظام. فسفيره في الأمم المتحدة كان ما زال الممثل لسوريا رسمياً، واللجان الدولية تتعامل مع الحكومة السورية في دمشق بانتظام، ومقاطعة الأسد ورفض التعامل معه كانت قرارات فرنسية وخليجية وتركية بشكل خاص. كما أن الشروط الموضوعية (الميدانية) من دون تغيير في المقاربات الدولية ومن دون تسليح جدّي للمعارضة لم تكن في أي حال لتُسقط النظام قبل ال2014. بهذا المعنى لم يحصّل النظام المزيد من الأمور على صعيد شرعيّته أو مشروعيّته. كما أن انكشافه أمام لجنة دولية تعرّضه لضغط دائم، ونزع سلاح استراتيجي من يديه (إذا تمّ) يُفقده ميزة تفاضلية كان يبتزّ بها وكان يمكنه كذلك الاستمرار بالابتزاز بها.
في المقابل، لا شك أن النظام كسب وقتاً وأفلت من عقاب عسكري كان رغم محدوديّته المفترضة سيضعفه ويوجّه رسائل الى حلفائه الخارجيّين بأن “الغرب” حاسم تجاه رفض استمرار الأمور على ما هي عليه مما كان ليدفعهم لتعديل سياساتهم. ولهذا أسرعوا – الروس تحديداً – لعرض صفقة وتجنّب احتمال الضربة ولو المحدودة.
على أن المشكلة الفعلية في ما جرى تكمن برأيي في مكان آخر. تكمن في أن الاهتمام الدولي بسوريا انحصر اليوم بالمسألة الكيماوية وغيّب قضايا مهمّة عديدة، فيما النظام يستمر بالقتل غير الكيماوي. وهذا يجعل إعادة تسليط الأضواء على باقي الأمور صعبةً كما يدفع بعض المعارضين للأسد وأصدقائهم الى الإحباط.
3- كيف يمكن تفسير ضعف الدعم الدولي للثورة السورية، ليس من جهة الحكومات فقط ولكن أيضاً من جهة الرأي العام، في أوروبا وأميركا مثلاً، والنقاش الماضي حول الضربة العسكرية للنظام كان خير مثال؟
أظنّ علينا التمييز بين الرأي العام العالمي، الغربي تحديداً، تجاه الثورة والرأي العام نفسه تجاه التدخّل عسكرياً من قبل حكوماته لدعم الثورة. فبالنسبة للرأي بالثورة، الجمهور منقسم ومعظم خصوم الثورة يقدّمون حججاً تلتقي يساراً ويميناً حول موضوع موقع سوريا الإقليمي وما يسمّى بالمؤامرات عليها من ناحية، والخوف من الإسلاميين من ناحية ثانية. في المقابل، ثمة قطاعات من الرأي العام متعاطفة مع الثورة ومع الشعب السوري، لكنها لا تذهب بالضرورة الى حدّ التعاطف مع التدخل العسكري في سوريا. لذلك، فإن الموقف الشعبي الرافض في فرنسا وبريطانيا واميركا لكل تدخّل عسكري مباشر من قبل الحكومات الغربية لا يعني في الأساس تفضيلاً للنظام على الثورة ولو أن مؤدّاه في السياسة يصبّ في النهاية في هذا المنحى.
ولعلّ من أسباب العزوف عن تأييد التدخّل الميل “الانعزالي” المتصاعد للمجتمعات الغربية نتيجة الازمات الاقتصادية والخوف من “الآخر” والملل من الحروب والتدخّلات العسكرية، وعدم الشعور بالمسؤولية عمّا يجري خارج الحدود الوطنية. يضاف الى ذلك مشاكل داخلية في الدول المعنية وقلّة ثقة أحياناً بخيارات طبقتها السياسية والتشكيك بجدوى سياساتها الخارجية (خاصة في الشرق الأوسط بعد حرب العراق). دون أن ننسى العنصرية والإسلاموفوبيا في بعض الأوساط وما يسمّى “معاداة الإمبريالية” في أوساط أخرى التي ينشط معتنقوها للوقوف في وجه أي تدخّل لبلادهم في سوريا.
الأهمّ ربما أن الموقف الأميركي الرسمي المتردّد والخجول والممتنع عن وضع سوريا في قائمة الأولويات السياسية يزيد الإرباك الأوروبي إرباكاً، وقد تسبّب أخيراً في خيبة أمل كبيرة لدى الحكومة الفرنسية التي كانت متحمّسة لتوجيه ضربة للنظام بعد مجزرة الكيماوي…
ويجب القول ختاماً إن المشهد السوري المعارض غير المنظّم، كما المشهد الجهادي المتفاقم، يؤثّران سلباً على خيارات صانعي القرار وعلى بعض الدوائر السياسية والبحثية.

 

4- ماذا عن جنيف 2 وما شروط انعقاد ونجاح هكذا مؤتمر؟ وهل يوفّر فعلاً فرصة لتسوية سياسية ما؟
يصعب الجزم اليوم في ما إذا كان مؤتمر جنيف 2 سينعقد. ولا معنى لانعقاده أصلاً من دون وضوح في ما خصّ رحيل الأسد وشروط ذلك، وشكل المرحلة الانتقالية التي يفترض أن تلي وقف إطلاق النار والمباشرة بتحرير عشرات ألوف المعتقلين والفكّ الفوري للحصار عن المناطق والأحياء المجوّعة كالغوطة والمعضمية ومخيّم اليرموك وحمص القديمة. كما أنه لا جدوى من التفاوض إن لم يكن هناك تعهّدات أميركية واضحة تتتضمّن البنود المشار إليها، والتفاوض مع الروس أو سواهم عليها. فإن كان كل ذلك متعذّراً، وجب على المعارضة تركيز جهودها مرحلياً للضغط على حكومات الدول الصديقة وعلى الأمم المتّحدة من أجل تنفيذ خطط إنسانية وإغاثية عاجلة للمناطق المنكوبة المذكورة وفرضها على النظام في دمشق. وعليها كذلك السعي بكل الوسائل المتاحة الى ترتيب أوضاعها العسكرية على الأرض والتحضّر لمراحل صعبة قادمة قد تضطرّ فيها للقتال على أكثر من جبهة تشمل النظام طبعاً وقد تشمل الجهاديين أيضاً.
5- كيف ترى تطوّر الأوضاع في لبنان. هل سيتسبب النزيف السوري المتواصل بتوتّرات إضافية في لبنان؟ ولماذا أسميت أحدى مقالاتك عن الشأن اللبناني “عبوة ناسفة”؟
أظن الوضع في لبنان مستقر على اللا-إستقرار. أي أنه سيراوح على هذه الحال من التوتر المنخفض والمتركّز بين الحين والآخر في طرابلس لفترة مديدة مقبلة. فلا الحلول والتسويات ممكنة في ظل الانقسام العامودي والسياسي الحاد وشلل المؤسسات الدستورية وفي ظلّ انخراط حزب الله في القتال في سوريا الى جانب النظام. ولا الانفجار المعمّم أو الحرب ممكنين لأن لا توازن قوى يسمح بذلك – فحزب الله أقوى بكثير من خصومه، وبناء قدرات لهؤلاء يتطلّب وقتاً وتجهيزاً ليس من اليسير توفيرهما اليوم. كما أن السعودية وإيران كطرفين وحيدين قادرين على تمويل المتقاتلين المحتملين ورعايتهم تبدوان في تفضيل للتصارع في سوريا والعراق وتجنيب لبنان صدامهما. فللسعودية مصالح وعلاقات تخشى من انفراطها إن انفجر الوضع اللبناني، ولإيران تفضيل لترك سلاح حزب الله للحرب في سوريا ولاحتمالات الحرب في الجنوب على الحدود مع إسرائيل. ويضاف الى كل ذلك خوف اللبنانيين من الاقدام على التقاتل إذ ما زالت ذاكرة جيلين منهم حافلة بصور من مصائب الحرب الأهلية.
لذلك كله لا أرى تغييراً جذرياً في الوضع على المدى القصير. لكن من الضروري القول إن الصراعات الأهلية اليوم لم تعد بالضرورة قائمة على خطوط تماس وميليشيات كبرى تتواجه وتتنازع السيطرة على الأرض والموارد. إصبحت اليوم مرتبطة باضطرابات متنقّلة، باغتيالات، بصراعات في أحياء محتقنة وبتفجيرات. وهنا تأتي فكرة “العبوة الناسفة” التي ذكرتها في مقالتي المشار إليها في سؤالك، إذ في “العبوة” إختزال وتكثيف لفلسفة القتل أو الإعدام وفيها كذلك تعميم للخوف الدائم من انفجار قد يحصل وقد لا يحصل…
6-  يتعرّض اللاجئون السوريون في لبنان لممارسات وتصريحات عنصرية. كيف يمكن قراءة هكذا ممارسات وتصريحات، وكيف السبيل الى التعامل معها خاصة أن أزمة اللجوء السوري قد تطول؟
ينبغي القول بداية إن بعض مظاهر العنصرية اللبنانية تجاه السوريين سابقة على الاحتلال المخابراتي للنظام السوري للبنان بين العامين 1976 و2005. وهي كانت تصيبهم وتصيب الفلسطينيين الفقراء بوصفهم أقل شأناً طبقياً. وأظنّ في الأمر عنصرية إجتماعية كانت تطال كثرة من الفقراء اللبنانيين أيضاً، لا سيما فقراء الأطراف.
وخلال الاحتلال المخابراتي السوري للبلاد، صارت مظاهر العنصرية مركّبة، فيها عناصر سياسية وفيها خوف وريبة وتعميم. ثم صار فيها الكثير من مواضع الملامة نتيجة أوضاع إقتصادية ونتيجة تدفّق يد عاملة سورية بشروط تنافس غير متكافئة مع العمالة اللبنانية (بسبب تدنّي أجرها وقبولها بشروط عمل قاسية، إلخ..). وفي نهاية الحقبة السورية في لبنان عام 2005، أضيفت مسألة الاغتيالات التي اتّهم أكثر اللبنانيين النظام السوري بالوقوف خلفها لتخلق المزيد من التشنّج وتستعيد ماضي الحرب وتجد من يستخدمها عن بلاهة أو عن قصد لتعميم الكراهية تجاه السوريين.
ومع اندلاع الثورة في سوريا، تراجعت مظاهر العنصرية في بعض الأوساط التي اكتشفت أخيراً سوريا وشعبها، في حين تصاعدت هذه العنصرية نفسها في أوساط أخرى قسم منها موالٍ للنظام السوري أصلاً، مزج كراهيته وكراهية النظام الذي يُوالي للسوريّين بمركّب نقص وانبهار أراد إخفاءه تجاه الشجاعة التي جسّدها السوريون إياهم…
وبالطبع، لا ينبغي التقليل من حجم “المشكلة السورية” في لبنان اليوم المتمثّلة بوجود أكثر من مليون لاجئ يعيش معظمهم في ظروف صعبة ويعانون معاناة شديدة، لكنّ وجودهم الكثيف يخيف بعض اللبنانيين لأسباب طائفية، ويخيف آخرين لأسباب مفادها أنهم قد لا يعودون الى بلادهم قريباً وأن البلد لا تحتمل بناه التحتية والخدماتية ولا إقتصاده حضورهم بأعداد قد تتصاعد إن جرت موجات نزوح جديد، وقد تصل الى مستوى الثلث من تعداد السكان المقيمين…

 

لكن اسمح لي أن أقول لك أيضاً إن بعض الردود السورية على سفهاء العنصرية اللبنانية حملت الكثير من التعميم والإنفعالات التي لا تتيح النظر بهدوء الى واقع مأزوم وشديد التشنّج وتُسقط أحياناً من الاعتبار الجهود التي بذلها وما زال آلاف اللبنانيين لاحتضان اللاجئين السوريين والفلسطينيين والدفاع عنهم. كما أنها تتناسى أن آفة العنصرية آفة موجودة في كل المجتمعات، تماماً كما أن في كل هذه المجتمعات من يواجهها ويتصدّى لها، والأمل هو في هؤلاء. فبهم يمكن النظر بتفاؤل الى المستقبل، وبهم سيُعاد البحث يوماً ما في شكل جديد و”صحّي” للعلاقات بين لبنان وسوريا….
source : http://ziadmajed.blogspot.fr/2013/11/blog-post_2.html#more
date : 02/11/2013

Les commentaires sont fermés.

Pensez à partager nos articles sur vos réseaux sociaux - Merci