أفتونا في أمرنا! – محمد أبو رمان

Article  •  Publié sur Souria Houria le 24 octobre 2014

بدا واضحاً خلال مؤتمر « من ثورات الشعوب إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي.. » (الذي عقده المركز العربي للدراسات في الدوحة، خلال الأيام الماضية)، أنّه بالرغم من توافق أغلب المشاركين، من الخبراء والباحثين، على رفض أيديولوجيا تنظيم « الدولة الإسلامية » (داعش) وسلوكه، إلاّ أنّ هناك تساؤلات جوهرية، طرحها العديد منهم، عن أهداف التحالف الراهن ومعاييره، وتناقضاته الصارخة.
بعيداً عن مناقشة سيناريوهات هذه الحرب وتداعياتها، فإنّ سؤالاً أساسياً طغى على أغلب المداخلات؛ وصفه البعض بالأخلاقي، وآخرون بالسياسي، وتباينت التحليلات في الإجابة عنه، ويتمثل في هذا التجاهل المريب والمعيب، الغربي والعالمي، وحتى العربي، للمآسي التي تعيشها المجتمعات السُنّية العربية في كل من العراق وسورية، مقابل الخوف الشديد على الأزيديين والأكراد، وغيرهم من أقليات في المنطقة!
لو راقبنا عمليات « داعش » نفسه في الفترة السابقة، فسنجد أنّ المجتمعات السُنّية هي التي اكتوت بناره قبل غيرها؛ إذ كانت جلّ عملياته موجهة ضد خصومه من السُنّة، ولم تسلم حتى النساء من التنظيم. وهناك باحثون يعملون على إحصاءات وأرقام لعمليات « داعش »، فتظهر المؤشرات الأولية أنّ أغلبها كان خلال الفترة الماضية ضد المجتمع السُنّي. وهذا ليس غريباً؛ فاستراتيجية التنظيم تقوم على قاعدة « 9 رصاصات للمرتدين وواحدة للصليبيين »؛ أي إنّ العدو الأخطر عليه، وفق أدبياته، هم الفصائل السُنّية الأخرى التي لا تقبل الدخول تحت طاعته.
إذا قلنا بأنّ هذا التنظيم سنّي، وعلى السُنّة أن يتعاملوا معه، فإنّ هذه المفارقة الأخلاقية، التي سيكون لها تبعاتها، تبدو واضحة اليوم عند الحديث عن الأكراد في كوباني؛ إذ يحظون باهتمام شديد من دول العالم، ويتم إرسال المساعدات العسكرية لهم بكل الوسائل، ويحذّر الإعلام من الخطر عليهم، والكل خائف من سقوط الإقليم، وقتل من تبقى فيه. لكن في المقابل، لا نجد أي اكتراث، لا عالمي ولا عربي ولا إقليمي، بقرابة مليون مواطن سوري محاصرين منذ أشهر طويلة في الغوطة، أغلبهم مدنيون، يصبحون على قصف الطائرات ويمسون على البراميل المتفجرة، ولا يجدون طعاماً ولا ماءً صالحاً للشرب، وكأنّهم غير موجودين!
في حمص، ما يزال هناك حيّ كامل محاصر منذ أشهر طويلة؛ وفي دمشق هناك قصف عشوائي؛ وفي حلب ما تزال البراميل المتفجرة تمطر المواطنين السوريين، بلا أي اهتمام عالمي أو عربي يذكر!
ربما استطاع « داعش » إثارة اشمئزاز العالم وقلقه وغضبه من تصويره لمشاهد الذبح وقطع الرؤوس؛ وهو بالفعل مشهد مؤذٍ ومخجل في القرن العشرين. لكن لماذا لم يتحرّك العالم ولم تصبه هذه الوعكة النفسية بواحد بالمائة من الحالة نفسها، عندما قام جنود النظام السوري بذبح الأطفال الصغار في الحولة، وعندما كشف شهود عيان منشقون بالوثائق صوراً ومعلومات عن عشرات الآلاف ممن قضوا تحت التعذيب في سجون النظام السوري، كما عن المجازر التي ارتكبها نوري المالكي وجرائم الحرب والاغتصابات التي وقعت بحق النساء العراقيات قبل أحداث الموصل التي قلبت المعادلات الإقليمية؟!
لا أظن أنّ السُنّة في العراق وسورية يرحبون بأن يكونوا تحت رحمة هذا التنظيم، ولا أن يكون خيارهم في أيّ لحظة من اللحظات، فهم أكثر من عانى منه، ودخلت فصائلهم في صدام معه في العراق وسورية، وانتقم بصورة بشعة من العشائر السُنّية هناك. لكنّ ما يحدث اليوم مستفز تماماً، ومقلق لملايين العرب السنة. إذ كما وصف أحد الباحثين المشهد السوري اليوم: النظام يقصف الناس في الجنوب، وقوات التحالف تضرب التنظيم في الشمال، بينما يقف المجتمع بين فكي الكمّاشة!
هل هو قصور في الاستراتيجية السياسية أم في الأخلاق، أم هي المصالح وموازين القوى؟ أفتونا في أمرنا!



Abonnez-vous à notre newsletter