أمريكا والتعذيب: على مَنْ تُتلى المزامير؟- صبحي حديدي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 3 novembre 2014

أمريكا والتعذيب: على مَنْ تُتلى المزامير؟- صبحي حديدي

12 حائزاً على جائزة نوبل للسلام، ينتمون إلى أربع رياح الأرض، وسنوات فوزهم تمتد من 1976 وحتى 2011؛ وجهوا رسالة مفتوحة إلى زميلهم في الجائزة، الرئيس الأمريكي باراك أوباما، يسألونه فيها إطلاع الرأي العام، الأمريكي والعالمي، على محتوى تقرير أعده مجلس الشيوخ، حول لجوء أجهزة الاستخبارات إلى تقنيات تعذيب مختلفة أثناء التحقيقات مع معتقلين بتهمة الإرهاب، بعد 11/9/2001. البيت الأبيض، منحازاً حتى الساعة إلى صفّ الاستخبارات في معركة حامية الوطيس ضدّ هيئات حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة، يوافق على نشر 500 صفحة فقط، من أصل 6000؛ الأمر الذي يعني أنّ الأمريكي، والمواطن العالمي، مخوّل بالاطلاع على 1/12 من الحقائق، لا أكثر!
ورغم نبرة التهذيب والكياسة التي تطبع الرسالة، فإنّ الموقعين لم يترددوا في تسجيل إحالات قصوى، في مستوى ممارسة التعذيب على الأقلّ، إلى دول وأنظمة مثل اليابان الإمبريالية، وألمانيا النازية، وفرنسا في الجزائر؛ مستذكرين أنّ: «المسائل التي تكتنف استخدام التعذيب ليست على بساطة التفكير في كيفية معاملة مشتبه بالإرهاب، أو الزعم بالغ التضليل بأنّ التعذيب ينتج معلومات ‘أفضل’ من التحقيق النموذجي، بحيث يُبرر استخدامه. التعذيب كان على الدوام، وسوف يظلّ، مبرراً في أذهان الآمرين بممارسته وحدهم». وتابعت الرسالة: «لكنّ التعذيب الواقع على كائن آدمي لا يمكن تبسيطه هكذا. كما لا يمكن أن يكون الأذى أحادي الجانب. نعم، فالضحية يعاني صدمة معنوية وجسدية، تبلغ في بعض الأحيان درجة فقدان الحياة. لكن أولئك الذين يمارسون التعذيب، أسوة بالذين يأمرون به، ينحطون جراء ذلك على نحو لا سبيل لعلاجه».
والرسالة تُختتم بأربعة مطالب: 1) الكشف التامّ عن مدى استخدام التعذيب والتوقيف، من جانب الجنود الأمريكيين، والأجهزة، والمتعاقدين، والمسؤولين الذين تولوا التخويل؛ و2) التحقق التام من إغلاق، وتفكيك، «المواقع السوداء» الخارجية، التي تتمّ فيها عمليات الاحتجاز والتعذيب؛ و3) التخطيط الواضح، والتنفيذ، الكفيل بإغلاق معتقل غوانتانامو، وإنهاء التوقيف اللامحدود بدون محاكمة منظورة؛ و4) تطبيق سياسة صارمة تلتزم بالقانون الدولي الخاصّ بالنزاعات، بما في ذلك ميثاق جنيف وشرعة الأمم المتحدة ضدّ التعذيب. والأمل، كما تعرب الرسالة، معلّق على عودة أمريكا إلى «مُثُل وعقائد الآباء المؤسسين الذين جعلوا الولايات المتحدة مثالاً يُحتذى»…
لقد أسمع الحكماء، موقّعو الرسالة، لو نادوا زميلاً لهم يشاطرهم هذا اليقين، بوصفه الحدّ الأدنى اللائق بحامل نوبل السلام؛ ولكن لا حياة، بهذا المعنى، لمَن ينادون ويناشدون! وللحكماء أن يعودوا إلى سلف أوباما، جورج بوش الابن، الذي أعطى الخلفية الأخلاقية الأبعد، إذا جاز الحديث أصلاً عن خلفية كهذه، لإقامة معتقل غوانتانامو، ضمن حزمة إجراءات أخرى خارجة عن القانون الدولي والقانون الأمريكي ذاته أيضاً، في سياقات ما أسمته الإدارة بـ «الحرب على الإرهاب». قال بوش، في مارس (آذار) 2002: « تذكروا… هؤلاء الأشخاص في غوانتنامو قتلة لا يشاركوننا نفس القِيَم»…
إنها، إذاً، حكاية قيم، أخلاقية أو فكرية أو سياسية أو ثقافية، وليست مسألة قوانين مرعية وقضاء مستقلّ ومحاكم عادلة تنظّم شؤون الجريمة والعقاب. وأيّ انتهاك للحقوق الإنسانية والقانونية للأفراد المعتقلين في غوانتانامو مشروع تماماً في منظار أوّل هو عدم اشتراك المتهم في القيم الأمريكية؛ وأنّ تلك القيم تتمتع ـ في المنظار الأمريكي فقط! ـ بصواب أخلاقي مطلق، وبمنعة قانونية راسخة، فضلاً عن مختلف أنماط السطوة السياسية والعسكرية والإقتصادية… وهذه، في المجمل، حيثيات عليا تبيح المحظورات لحاملي القيم الأمريكية.
الحيثيات الأخرى، الأبسط في تثبيت الحقيقة ولكن الأفدح في تمثيل المأساة، تقول إنّ غوانتانامو احتجز نحو 500 رجل من قرابة 35 جنسية مختلفة، لم تُوجه تهم بأية جرائم سوى إلى تسعة منهم فقط. بعضهم اعتُقل في أفغانستان، وبعضهم نُقل إلى المعتقل ضمن «تكنيك» الخطف غير الشرعي الذي مارسته وكالة المخابرات المركزية هنا وهناك في مشارق الأرض ومغاربها. جميعهم تعرّضوا لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي (ليس أقلّها قسوةً الحرمان من مقابلة أهلهم وذويهم، أو كتابة وتلقي الرسائل…)؛ فضلاً عن الإهانة والتحقير والقهر المتعمد، والتقييد بالسلاسل، وإجبار المعتقل على ارتداء نظارات معتمة. وحين يتجاسر بعضهم على عُرف شائع تماماً في الديمقراطيات الغربية، أي الإضراب عن الطعام، فإنّ عناصر المعتقل يخضعونهم لعمليات تغذية قسرية بواسطة أنابيب بلاستيكية يجري إدخالها إلى المعدة عن طريق فتحة الأنف!
وإذا جاز القول بأنّ هذه السلوكيات لا تمثّل شعب أمريكا بالمطلق، فمن الجائز أيضاً التذكير بأنّ برابرة سجن «أبو غريب» العراقي كانوا جنوداً نظاميين في الجيش الأمريكي، يحملون العلم الأمريكي، ويخوضون «الحملة الصليبية» ذاتها التي أصدر سيّد البيت الأبيض الأمر بخوضها. ثمّ… ألا يصحّ أن نتذكّر سوابق مماثلة، استأثر بها «العالم الحرّ» على امتداد تاريخه الكولونيالي، بلا أيّ استثناء؟ وأن نتذكر أنّ أمريكا ذاتها هي التي صوّتت، مرّة ثانية، لرئيس شنّ حرباً على أسس كاذبة، واجتاح واحتلّ العراق للأسباب الكاذبة ذاتها؟ ألم تصوّت هذه الأمّة وهي تعرف، جيداً، أنّ المرشح الذي تمنحه أربع سنوات إضافية من حكم أمريكا، القوّة الكونية الأعظم، قد يواصل حملاته الصليبية هنا وهناك، محاطاً بالبوارج وحاملات الطائرات وجيوش المحافظين المتشدّدين والرجعيين المتدينين والمكارثيين الجدد والقدماء؟
ولكن، قد يقول قائل، أليست هذه هي الأمة ذاتها التي صوتت لانتخاب أوّل رجل أسود في تاريخ أمريكا، سار معظم برنامجه الانتخابي على خلاف أجندات سلفه، في مسائل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، في صلبها الموازنة بين خيارات الأمن القومي وقيم أمريكا الأخلاقية؟ صحيح، بالطبع، وإذا كان من حقّ أوباما أن تُسجّل باسمه خطوات شجاعة ـ مثل حظر التعذيب رسمياً (على الأراضي الأمريكية فقط، كما يتوجب التذكير دائماً!)، وإصدار الأمر بإغلاق معتقل غوانتانامو (مع التلكؤ في التنفيذ) ـ فإنّ أوباما ظلّ مصرّاً على عدم الذهاب خطوة أبعد، سواء في رفض تعيين قاض مستقلّ للتحقيق في المسؤولية عن «مذكرات التعذيب» تلك، أو نشر تقرير مجلس الشيوخ، والتذرّع دائماً بضرورة الحفاظ على «مبدأ الإجماع» في مسائل الأمن القومي الأمريكي.
وقبل أن يطلق أوباما وعوده، كانت ثلاثة كتب قد صدرت في هذا الموضوع، على سبيل ارتياد حقائق ذلك الملفّ المشين. كتاب «فريق التعذيب: مذكرات رمسفيلد وخيانة القيم الأمريكية»، للمحامي البريطاني وأستاذ القانون فيليب ساندز؛ وكتاب جميل جعفر وأمريت سينغ، بعنوان «إدارة التعذيب: سجلّ موثق من واشنطن إلى أبو غريب»؛ وكتاب مايكل راتنر «محاكمة دونالد رمسفيلد: مقاضاة عن طريق كتاب»، بالتعاون مع مركز الحقوق الدستورية. كلها، إضافة إلى تحقيقات سيمور هيرش ومارك دانر وجين ماير ورون سوزكند وسواهم، لاح أنها تنفخ في قربة مثقوبة، فلا يسفر النفخ عمّا هو أفضل من 500 صفحة، من أصل 6000!
ولِمَ يذهب المرء بعيداً؟ ألم يتحدث أوباما، في خطاب استلام جائزة نوبل إياها، عن حرب ضرورية من أجل السلام، وحروب عادلة من الطراز الذي كانت بلاده تخوضه في أفغانستان وفي العراق، وما تزال تخوضه اليوم أيضاً، هناك، كما في أجواء سوريا؟ فهل يتلو حكماء نوبل مزاميرهم على زميل محارب مدجج بالسلاح، يحمل جائزة السلام بيد، والقاذفة والبارجة والصاروخ والطائرة بلا طيار… باليد الأخرى؟



Abonnez-vous à notre newsletter