« أنا سلفي »! -محمد أبو رمان

Article  •  Publié sur Souria Houria le 18 septembre 2014

شهد الاهتمام الإعلامي والمجتمعي بالسلفية عموماً، والجهادية خصوصاً، قفزةً كبيرة خلال الأعوام الماضية، بعد ثورات « الربيع العربي » التي شهدت صعوداً، أو بعبارةٍ أدقّ ظهوراً واضحاً للجماعات والتيارات السلفية؛ سواء في اقتحامها للمشهد السياسي، كما حدث في مصر، أو في صورتها العنيفة القتالية، كما نراها اليوم مع تنظيم « الدولة الإسلامية » (داعش)!
ما تزال المشكلة تتمثّل في غلبة الانطباعات والأحكام الأيديولوجية المعلبة أو الرؤية الاختزالية لهذه التيارات السلفية المتعددة والمتضاربة في كثيرٍ من الأحيان، وتجاوز السياسيين والمثقفين والإعلاميين عملية التفكيك والتحليل والفهم لها إلى إصدار الأحكام؛ سواء بالتأييد والتعاطف أو بالإدانة. وربما هذه « الفجوة المعرفية » هي التي تفسّر، في ظني، عقم الجهود المنفقة على محاربة « التطرف الديني »، بل وانتشار التيارات الراديكالية (ليست السلفيات جميعاً راديكالية بالضرورة) في المنطقة العربية، وفي أحشاء مجتمعاتنا؛ فأصبح طبيعياً أن نرى، مثلاً، قرابة ألفي أردني يقاتلون في صفوف « داعش » و »جبهة النصرة »!
في إطار السعي إلى ردم هذه « الفجوة المعرفية »، وما يترتب عليها من نتائج خاطئة في التعامل مع التيارات السلفية عموماً، يأتي كتابي الأخير « أنا سلفي: بحث في الهوية الواقعية والمتخيلة لدى السلفيين » (والصادر عن مؤسسة « فريدريش إيبرت » الألمانية). وما يقدّمه الكتاب من جديد هو أنّه يقترب من المجتمع السلفي والأفراد السلفيين بصورة كبيرة، عبر تقديم روايتهم الذاتية عن تجربتهم الفكرية والروحية مع السلفية. فالكتاب يترك الباب للسلفي ليجيب عن أسئلة مهمة وأساسية مرتبطة بهويته وشخصيته؛ لماذا أصبحتُ سلفياً؟ كيف أصبحتُ سلفياً؟ ماذا يعني أنني سلفي؟ كيف أرى العالم والمجتمع والدولة؟..
ثمة نماذج متنوعة ومتعددة في هذا الكتاب؛ من التقليدية إلى الحركية إلى الجهادية، وحتى المتحولين (من كان سلفياً سابقاً)، تمنحنا فرصة جيدة للاطلاع على الجانب السيسيولوجي والسايكولوجي في هذه الشخصية، لبناء منظور منهجي أكثر عمقاً وإدراكاً للشخصية السلفية، التي أصبحت حاضرة بقوة في أروقتنا الاجتماعية والثقافية.
ثمّة مداخل مهمة أساسية لإدراك سرّ الشخصية السلفية؛ استفدتُ في تصميمها من نظريات علم النفس الاجتماعي، مثل تعريف السلفية المعاصرة بوصفها آلة للدفاع عن الذات ضد أخطار الحداثة والعولمة التي يشعر المجتمع أنّها تهدد هويته ووجوده، وهي صورة متخيلة مغلوطة عن الذات. كما أنّ السلفية تعكس أزمة في الهوية، نتيجة « تصدّع في التوازن بين مكونات ذاتية »؛ إما لظروف موضوعية، أو أزمات اقتصادية وسياسية أو حتى عسكرية، أو لحظة تاريخية صعبة، أو تجربة ذاتية. كذلك، فإنّ سلوك السلفي يرسم في سياق علاقته بجماعته أو مجتمعه الجديد (السلفي)؛ فهو يبني سلوكه ورؤيته ومواقفه على ضوء ما « يتوقع » هو من أن المجتمع يريده منه.
صحيح أنّ سمات الهوية السلفية ذاتها، برأيي، تعكس أزمة جوهرية؛ فهي لا تقوم على التطور والإضافة، ولا على استلهام الماضي، بل هي مسجونة في الماضي، لا تتطلع إلى المستقبل، وتواجه الواقع الاجتماعي بحالة من الإنكار لا الاعتراف، ويجد السلفي نفسه في نهاية اليوم في حالة من التشتت والانفصام بين « الهوية المتخيلة » التي ينتمي إليها فكرياً، والهوية الواقعية التي تضع الرؤية السلفية في مواجهة مع المجتمع والواقع واستحقاقات العصر.
لكن بالرغم من ذلك، فإنّ من المهم جداً إدراك حقيقة أنّنا نتحدث عن أزمة المجتمعات العربية عموماً، وعن مجموعات واسعة اختارت « الطريق السلفي » في البحث عن هويتها، في أتون الأزمات السياسية والمجتمعية الطاحنة. فأغلب الجيل العربي الجديد هو ابن المحنة والأزمة والشعور بالخديعة، والبحث عن الهوية في حقول من الألغام والمتاهات.



Inscrivez-vous à notre newsletter