إيلياهو كوهين والمهمة الأكبر في المنطقة.. وخلق الجدار العالي – إبراهيم الجبين

Article  •  Publié sur Souria Houria le 28 octobre 2013

شبكة كوهين لا تزال تحكم دمشق.. رغم تعرّضها لتصفيات كثيرة على مدى سنوات، وأعضاء شبكته صاروا مسؤولين كبار في الدولة السورية بعد إعدامه.

الإسم: ايلياهو بن شاؤول كوهين – الإسم المستعار: كامل أمين ثابت – محل الميلاد: الاسكندرية – مصر – الميلاد

هل كان الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ يعلم أن الرجل الذي يجلس أمامه الآن في مكتبه في السفارة السورية في بيونس آيريس، سيكون له الدور الأكبر في تغيير مستقبل سوريا والشرق الأوسط لأكثر من خمسين عاما تالية؟ ففي العام 1961 استقبل أمين الحافظ الملحق العسكري في الأرجنتين كامل أمين ثابت، السوري المغترب والذي أصبح شخصية محبوبة في الأوساط السورية المغتربة هناك، بعد أن عبّر عن اشتياقه الكبير للعودة إلى وطنه سوريا، ورؤية شعبها الطيب، ورؤية شوارعها وتلالها وسهولها، كان يتحدّث بحرقة المخلوع عن بيئته وأرضه، وكان أمين الحافظ مشغولا بالتفكير في ما يحدث في دمشق، مع أنه ارتاح للصديق الجديد الذي لم يقصّر في دعوته إلى حفلات كثيرة، وهو الذي لم يخف يوما ولعه بالسهر واللهو.

أما في دمشق، فقد كان « الضباط الشوام » كما سمّاهم جمال عبدالناصر وبقية المناهضين للانقلاب الذي وضع حدّا للوحدة ما بين سوريا ومصر، قد انطلقوا في مجموعة مكونة من 37 ضابطا في تحرك أرادوا من خلاله تصحيح مسار الوحدة، وإنهاء الاحتكار المصري للسلطة، وإيقاف الممارسات التي اعتبروها مهينة بحق الشعب السوري من قبل ضباط جمال عبدالناصر، وخاصة بعد صدور قرارات التأميم والأنباء التي تحدثت عن نقل احتياطي سوريا من الذهب إلى مصر، فكان لا بدّ -كما رأوا- من التحرّك عسكريا ضد استبداد عبدالناصر، الذي سارعوا فور نجاح تمرّدهم بإرسال الرسائل والوفود والتطمينات إليه رغبة منهم في أن تعود المياه إلى مجاريها، ولكن بشروط، الأمر الذي رفضه عبدالناصر رفضا قاطعا، وعاشت سوريا بداية اضطرابات كبيرة، ولكن السوريين حاولوا مع ذلك إعادة تركيب الدولة، فكتبت صحيفة الأيام في عددها رقم 7494 الصادر في 24 كانون الأول ـ ديسمبر من العام 1961 خبرا عن تسمية أعضاء اللجنة التي ستتولى وضع الدستور الدائم ومرسوم تشكيل حكومة جديدة صادر عن رئيس الجمهورية الدكتور ناظم القدسي بناء على أحكام دستور مؤقت، برئاسة معروف الدواليبي، وذلك بعد قبول استقالة الحكومة الانتقالية برئاسة عزت النص، وكانت انتخابات عامة جرت في الأيام الأولى من الشهر ذاته، للاستفتاء على الدستور المؤقت الجديد ولتشكيل مجلس نيابي جديد والذي ترأسه فور تشكله مأمون الكزبري، وهذه الحكومة هي ثالث حكومة تم تشكيلها بعد الانفصال في 28 أيلول ـ سبتمبر العام 1961، وبعد شهور من تلك التجاذبات، وفي 28 آذارـ مارس من العام 1962، قام قائد الانفصال عبدالكريم النحلاوي بانقلاب عسكري آخر، وقام بحل البرلمان وإقالة حكومة معروف الدواليبي، وقبل الانقلاب الثاني للنحلاوي بشهرين، وفي كانون الثاني ـ يناير من العام 1962 كانت التحضيرات قد اكتملت لوصول ضيف دمشق الجديد، الذي أرسل إليها لإعادة ترتيب الأوضاع من جديد، إنه « كامل أمين ثابت » أو « إلياهو كوهين ».

عملية اعدام كوهين

إلياهو كوهين والبدايات

إلياهو بن شاؤول كوهين اليهودي ذو الأصل الحلبي السوري، والمولود في الإسكندرية التي هاجر إليها أحد أجداده؛ ولد إلياهو سنة 1924 وفي سن العشرين عام 1944 انضم الى منظمة الشباب اليهودي الصهيوني في الإسكندرية، وبعد حرب فلسطين في العام 1948 ازداد نشاطه كعضو أساسي في المنظمة وفي العام 1949 هاجر أبواه وثلاثة من أشقائه إلى إسرائيل بينما بقي هو في الإسكندرية، وكان كوهين يعمل تحت قيادة إبراهام دار وهو أحد كبار رجال الاستخبارات الإسرائيليين، وهو ذاته الشخصية الشهيرة « جون دارلينج » الذي شكل شبكة للمخابرات الإسرائيلية في مصر نفذت سلسلة من التفجيرات ضد المنشآت الأمريكية واستهدفت اليهود المصريين لدفعهم إلى الهجرة إلى إسرائيل، وفي العام 1954 تم إلقاء القبض على أفراد الشبكة في قضية « لافون »، حيث ألقي القبض على إلياهو ضمن المجموعة، ولكنه خرج بريئا بعد التحقيق معه، ليغادر مصر في العام 1955 إلى إسرائيل حيث التحق فيها بالوحدة 131 ضمن جهاز « أمان » لمخابرات جيش الدفاع الإسرائيلي الذي أرسله إلى مصر في مهمة جديدة، فاعتقلته المخابرات المصرية في أكتوبر ـ تشرين الأول من العام 1956، وتم الإفراج من جديد عن إيلياهو كوهين ليعود إلى إسرائيل ثانية بعد سنة من الإقامة في مصر!

بدأ كوهين يشعر برغبة في الاستقرار بأرض الميعاد، فعمل محاسبا في إحدى الشركات، وانقطعت صلته مع جهاز « أمان » ثم عمل كمترجم في وزارة الدفاع الإسرائيلية، ثم استقال وتزوج من يهودية عراقية في العام 1959.

عاد كوهين إلى العمل مع المخابرات الإسرائيلية، وقد كان القرار أنه هو الشخص المناسب لتنفيذ العملية الأكثر خطورة في هذه المرحلة، فالجارة القريبة « سوريا » لديها إشكالات كثيرة، وليس معروفا إلى أين ستصل بعد أن قطعت يد عبدالناصر عنها، ورسم السيناريو الخاص بمهمة كوهين معتمدا على أكثر الظواهر التي عرفتها سوريا، ظاهرة الهجرة والاغتراب، فعلى مدى أكثر من مئتي سنة مضت كان المهاجرون يتدفقون من المناطق السورية إلى كل مكان في العالم وبالأخص إلى الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، وقد تقرر أن يكون كوهين أحد هؤلاء المهاجرين السوريين المسلمين الذين تحسنت أحوالهم في المهجر، ولديهم رغبة عارمة في العودة إلى أرض الوطن، وتم منحه اسم « كامل أمين ثابت » الذي تقول حكايته إنه « هاجر مع عائلته إلى الإسكندرية ثم سافر عمّه إلى الأرجنتين عام 1946 حيث لحق به كامل وعائلته عام 1947 وفي عام 1952 توفي والده في الأرجنتين بالسكتة القلبية كما توفيت والدته بعد ستة أشهر وبقي كامل وحده هناك يعمل في تجارة الأقمشة ».

شبكة كوهين لا تزال تحكم دمشق.. بعد أن تعرّضت لتصفيات كثيرة على مدى سنوات

وتم تدريبه على كيفية استخدام أجهزة الإرسال والاستقبال اللاسلكي والكتابة بالحبر السرّي كما راح يدرس في الوقت نفسه كل أخبار سوريا ويحفظ أسماء السياسيين والبارزين في عالم الاقتصاد والتجارة وتعلم أصول الآيات القرآنية وتعاليم الدين الإسلامي، وفي 3 شباط ـ فبراير من العام 1961 غادر إيلي كوهين إسرائيل إلى زيوريخ، ومنها حجز تذكرة سفر إلى العاصمة التشيلية سانتياجو باسم كامل أمين ثابت. وفي الأرجنتين تعلم كوهين اللغة الأسبانية، وبمساعدة بعض العملاء تم تعيينه في شركة للنقل وظل لمدة تقترب من العام يبني وجوده في العاصمة الأرجنتينية كرجل أعمال سوري ناجح، فكوّن لنفسه هوية لا يرقى إليها الشك، واكتسب وضعا متميزا لدى الجالية العربية في الأرجنتين، باعتباره قوميا سوريا شديد الحماسة لوطنه، وأصبح شخصية مرموقة في كل ندوات العرب واحتفالاتهم، وسهل له ذلك إقامة صداقات وطيدة مع الدبلوماسيين السوريين وبالذات مع الملحق العسكري بالسفارة السورية، العقيد أمين الحافظ، -الذي سيصبح رئيسا للجمهورية فيما بعد- وتمكن كامل أمين ثابت من اجتذاب تلك الشخصيات من خلال الدعوات والحفلات التي كان يقيمها، ويكون الدبلوماسيون السوريون على رأس المدعوين فيها، وكان « ثابت » يسرّ بحنينه إلى سوريا وتوقه لزيارتها، وفي التوقيت المناسب غادر إلى دمشق « عائدا إلى وطنه » كما قال.

كوهين يؤسس نظام المقاومة في دمشق

وصل كامل أمين ثابت إلى دمشق في كانون الثاني ـ يناير 1962 « ولا يجب التغافل عن توقيت الانفصال ما بين سوريا ومصر الذي يتزامن مع تطورات تحرك كوهين فقد وقع الانفصال في 28 أيلول ـ سبتمبر 1961 » أي قبل أربعة أشهر فقط من انطلاق مهمة كوهين على الأراضي السورية، الذي كان قد قام بجولة طيران واسعة للتمويه على عواصم أوروبية، قبل أن ينزل في مطار دمشق وسط هالة من الترحيب والاحتفال، بسبب سمعته التي نقلها العقيد أمين الحافظ عن وطنية هذا الرجل وشوقه إلى بلاده، حينها أعلن كامل أمين ثابت أنه قرر البقاء في سوريا ونقل أعماله التجارية إليها، وبعد أقل من شهرين من استقراره في دمشق، تلقت أجهزة الاستقبال في « أمان » أولى رسائله التجسسية التي لم تنقطع طيلة ما يقرب من ثلاث سنوات، بمعدل رسالتين على الأقل كل أسبوع، وبفضل إغداقه على الريفيين من البعثيين واستخدامه كل وسيلة ممكنة تمكن كوهين من إقامة شبكة واسعة من العلاقات المهمة مع ضباط الجيش، وكان من الأمور المعتادة أن يقوم بزيارة أصدقائه في مقار عملهم، ولم يكن مستهجنا أن يتحدثوا معه بحرية عن تكتيكاتهم في حال نشوب الحرب مع إسرائيل، وأن يجيبوا بدقة عن أي سؤال فني يتعلق بطائرات الميج، أو الغواصات التي وصلت حديثا من الاتحاد السوفيتي أو الفرق بين الدبابة تي ـ52 وتي ـ54 إلخ.. من أمور كانت محل اهتمامه كجاسوس، أنقل هنا ما تتداوله الكتب والمقالات عن مهمة كوهين، ولكن هل كانت حقا هذه هي مهمة رجل إسرائيل في دمشق؟!.

النظام السوري هو أسد يهوذا الرابض على بلاد الشام لحماية الدولة العبرية وتنفيذ وظائف محددة

كان الكثير من المعلومات يصل من كوهين إلى إسرائيل، ومعها قوائم بأسماء وتحركات الضباط السوريين بين مختلف المواقع والوحدات، حيث تمكنت المخابرات الإسرائيلية من رسم خارطة كاملة للعسكريين السوريين، وصار بإمكانها تحديد أهدافها بدقة، وفي أيلول ـ سبتمبر 1962 صحبه أحد أصدقائه من البعثيين في جولة داخل التحصينات الدفاعية بمرتفعات الجولان، وقد تمكن من تصوير جميع التحصينات بواسطة آلة التصوير الدقيقة المثبتة في ساعة يده، (وهي إحدى ثمار التعاون الوثيق بين المخابرات الإسرائيلية والأمريكية)، وفي العام 1964، بعد ضم جهاز أمان إلى الموساد، زود كوهين قادته في تل أبيب بتفصيلات وافية للخطط الدفاعية السورية في منطقة القنيطرة، وفي تقرير آخر أبلغهم بوصول صفقة دبابات روسية من طراز تي ـ54، وأماكن توزيعها، وكذلك تفاصيل الخطة السورية التي أعدت بمعرفة الخبراء الروس لاجتياح الجزء الشمالي من إسرائيل في حالة نشوب الحرب، وكان كوهين كما وصفه البعثيون في ذلك الوقت « الراعي المالي لحزب البعث »، الذي عاش في دمشق طيلة مراحل الانفصال وانقلاب البعث في الثامن من آذار 1963، وأغرق البعثيين بالأموال، ودعمهم كي يعيدوا بناء تنظيمهم الذي كان قد تمّ حلّه أيام الوحدة مع مصر، وفي تلك الأثناء كانت قد تمّت ترقية حافظ الأسد من رتبة « رائد » في الجيش إلى رتبة « لواء »وتسليمه قيادة القوات الجوية والدفاع الجوي.

وفي توقيت مناسب آخر، تم الإعلان في دمشق وفي قصة بوليسية « هزيلة » عن اكتشاف جاسوس إسرائيلي بسبب إشارات جهاز الإرسال الذي كان يستعمله في نقل المعلومات إلى تل أبيب، واشتهرت قصة كامل أمين ثابت كثيرا وجرى الحديث عن دور الجاسوس المصري « رفعت الجمال » في اكتشاف شخصية كوهين، ولكن هذا لا يمنع أن من قام بتسريب معلومة تقول إن كامل أمين ثابت هو « جاسوس » إنما هو « جاسوس » آخر، أي أن مصدر المعلومة إسرائيل ذاتها، التي خلقت كوهين ليبعث حزب البعث من جديد، ويسلمه السلطة في سوريا، ويهيّئ شبكته التي حكمت سوريا حتى اللحظة.

وها هي تقرر الآن التخلص من الحلقة الأضعف وتبقي على الشبكة، وأوردت نشرة الاشتراكيين العرب التي كان يشرف عليها أكرم الحوراني وقتها ما نصه: « إننا نضم صوتنا إلى أصوات طلاب الجامعة ونطالب بإجراء محاكمة نزيهة تكشف تآمر الاستعمار وإسرائيل على بلادنا، إن الشعب يرقب بعين يقظة ما يدور على المسرح من أمور ظاهرة، وما يدور خلف الكواليس من أمور مستترة، والشعب لن يسكت على التلاعب بمصيره أبدا، مهما تفنن الحاكمون في إبعاده عن حلبة الأحداث ».

محاكمة كوهين في دمشق

يقول الحوراني: « لقد كانت محاكمة كوهين مهزلة من المهازل، وإهانة لذكاء الشعب في سوريا، وفصلا من فصول الكذب والتزوير الذي ما زال يعم عالمنا العربي حتى الآن »، فلقد تجنب كوهين – ولا شك أن ذلك تم بتوصية من المحكمة العسكرية- ذكر أسماء من تعرف عليهم من المدنيين والعسكريين البعثيين، بينما ذكر أسماء بعض من كانوا يمدّونه بالمعلومات من موظفي الإذاعة السورية ودوائر الدولة، وذلك لأن الناس في سوريا وكذلك وسائل الإعلام العربية كانت تتهم بعض أعضاء المحكمة العسكرية بعلاقاتهم المشبوهة معه.

وكان أكيدا ومعروفا في بعض الأوساط، أن إحدى فتيات كوهين، وهي مضيفة طائرة ورد اسمها في المحاكمة، كانت صديقة لـ »صلاح الضلي » رئيس المحكمة الذي حاول نفي التهمة عن « سليم حاطوم » في الوقت الذي كان فيه هو شخصيا متهما، قال الضلي لكوهين: « هل تعرفت على سليم حاطوم في السابق؟ » أجاب كوهين: « ما بعرفو.. ما شفتو.. » فقال له الضلي: « طلّع عليه، بلكي بتلاقيه هون! » فقال كوهين: « بيكون رائد على كل حال.. ليكون هذا؟ » وأشار الى حاطوم. قال الضلي: « شو أعطاك معلومات؟ إذاعة بغداد بتقول إنك تعرف سليم حاطوم وإنك صديقه وصديق شخصيات كبيرة في البلد ». قال كوهين: « هي أول مرة بشوفو واسألوه إن كان رآني من قبل! » وعندما كال رئيس المحكمة الشتائم للإذاعات وأصحاب الصحف العربية واتهمهم بأنهم عملاء مأجورون، سأل كوهين عن رأيه فوافقه بأنهم « عملاء مأجورون بالمصاري ».

وكان أخطر ما جاء في أقوال كوهين لرئيس المحكمة عندما نهره قائلا: « اسكت جاسوس ». فأجابه كوهين: « أنا مبعوث ولست جاسوسا » فوافقه رئيس المحكمة على ذلك قائلا: « أنت مكلف وغيرك مأجور، أنت تقوم بواجبك بس هؤلاء.. » فقاطعه كوهين قائلا: « مأجورون بالمصاري ».

في تلك الفترة أجرى الصحافي السوري زهير المارديني، وكان يعمل آنذاك مراسلا في مجلة الأسبوع العربي التي تصدر في لبنان، مقابلة مع أحمد سويداني رئيس المخابرات في سوريا، ولا بد أن تلك المقابلة كان موعزا بها من سويداني الذي وضع تحت تصرف المارديني « ملف التحقيق مع كوهين »، وقد وردت في ذلك العدد، نقلا عن ملف التحقيق، تفصيلات ومعلومات عن قضية كوهين أكثر مما ورد في المحاكمة، وكانت النشرة الداخلية للاشتراكيين العرب قد لخّصته كالآتي: « صرح المقدم أحمد سويداني لمجلة الأسبوع العربي بأن المعلومات التي كان يرسلها كوهين إلى إسرائيل هي: معلومات عن القوات المسلحة السورية بالتفاصيل، معلومات عن رجالات القطر السوري، وعن كل ما له علاقة بهم وبتصرفاتهم، معلومات اقتصادية وزراعية وتجارية، معلومات عن التحويل الاشتراكي، معلومات عربية عامة » وقد علقت النشرة على ذلك: « إن الجاسوس لم يعترف أمام المحكمة إلا بمعلومات تافهة أرسلها لدولته، وقبلت منه المحكمة أقواله على علاتها، فهل هذا يعني أن المحكمة لم تنظر إلى تحقيقات المخابرات السورية بصورة جدية؟ » وفي أوائل العام 1965 كتبت « المحرر اللبنانية » عن قضية كوهين: « إن كوهين قد دخل سوريا كمغترب مليونير باسم كامل أمين ثابت وأصبح صديقا مقربا لقيادة البعثيين عن طريق تغطية النفقات المالية للحزب »، وقالت « مجلة التايم » في الفترة ذاتها « نفت السلطات السورية أن يصبح يهودي بعثيا قياديا كبيرا، ولكنها أقرّت بأن كوهين كان يرسل أسرار سوريا، لسنوات، إلى إسرائيل، ووفقا لإحدى الإشاعات كان كوهين على صلات وثيقة مع ثلاثة من أعضاء المحكمة ».

وكتبت مجلة « الموقف العربي في 4 من آذار ـ مارس في العام 1965: « كان لكوهين أكثر من بيت يستقبل في بعضها من وثق عرى الصداقة معهم، أو فتياته المقرّبات، وأفرد بيتا خاصا لشؤون التجسّس وكانت كل أدوات المطبخ فيه عبارة عن أوعية تضم اللاسلكي الذي يخابر به، وكان يقصر مدة مخابرته إلى ثلاث دقائق على أبعد حد حتى لا تستطيع الدولة التقاط موجاتها »وقد نشرت في ذلك العدد أيضا صورا لما كان يستعمله كوهين من أدوات التجسس، وقالت مجلة « الأسبوع العربي »: « قال ضابط سوري شاب: كنا نرى الهدايا الثمينة تخرج من البيت الأنيق متجهة إلى دور بعض النساء والرجال فنتبعها، إذ كان كوهين يرصد المناسبات، فلكل مناسبة هدية، ولقد جرى في الغرب، خلال الثمانينات، نظير هذه القضية عندما استطاع أحد جواسيس ألمانيا الشرقية أن يصبح مديرا لمكتب المستشار الألماني ويلي براندت، ولكن المستشار الألماني تحمّل مسؤولية هذا الموضوع مما أدى إلى استقالته ».

وكتب أكرم الحوراني في مذكراته: « بعد عشر سنوات تقريبا من إعدام كوهين، وكنت قد أصبحت لاجئا في بغداد، دعاني رئيس المكتب السوري آنذاك السيد نزار حمدون إلى وليمة غداء في نادي المنصور وكان مدعوا إليها الفريق أمين الحافظ واللواء زياد الحريري والأمين المساعد للقيادة القومية شبلي العيسمي والسيد مصطفى حمدون وعدد آخر من اللاجئين السوريين الى العراق، وعندما قادنا الحديث إلى قضية كوهين روى لنا الضابط محمد وداد بشير، وهو أحد الضباط الذين اشتركوا بإلقاء القبض على كوهين، أن عددا من الضباط قد أشهروا مسدّساتهم لينتزعوا كوهين من بين أيديهم بعد إلقاء القبض عليه، ومن الجدير بالإشارة إليه أن هذا الضابط قد اختطف في ما بعد في لبنان، من قبل المخابرات السورية ولا يزال هذا الضابط رهن الاعتقال حتى الآن « كتب هذا القسم من المذكرات عام 1990″، ويتابع الحوراني « لقد كان هدفه (كوهين) السعي لتوجيه حزب البعث بما يلائم سياسة إسرائيل في سوريا والمنطقة العربية ولذلك لم تقتصر جولاته على الجبهة بل إنه تجوّل في أنحاء سوريا وألقى في إحدى جولاته محاضرة في مقر حزب البعث في مدينة إدلب عن أهمية استرداد الأحواز بالنسبة للوطن العربي، قاصدا من ذلك صرف أنظار العسكريين عن الاهتمام بقضية فلسطين وموضوع تحويل نهر الأردن، وأعتقد أنه لعب دورا خبيثا جدا بإثارة النعرات الطائفية والمطامع الشخصية بين الفرقاء الحاكمين في حزب البعث ».

أعضاء شبكة كوهين صاروا مسؤولين كبارا في الدولة السورية بعد إعدامه

في الثامن من أيار من العام 1965 صدر حكم الإعدام على كوهين، وجاء في حيثيات الحكم أن « المتهم دخل سوريا خلسة عام 1962 حاملا جواز سفر أرجنتيني باسم كامل أمين ثابت، وأنه حصل على معلومات يجب أن تبقى سرية ونقلها إلى العدو لذلك استحق الإعدام »، كما حكمت المحكمة بمدد مختلفة على عدد من المتهمين، وأمرت بإطلاق سراح ثلاثين متهما من بينهم تسع نساء.

التضحية باليهودي الشرقي كوهين

وفي فجر الثلاثاء 18 أيار من العام 1965 تم إعدام كوهين شنقا في ساحة المرجة بدمشق، وحضرت إعدامه هيئة المحكمة وعدد من كبار الضباط والمسؤولين، كما حضر الإعدام حاخام الطائفة اليهودية في دمشق « نسيم أنديو » يرافقه مختار حي اليهود لتلقين المحكوم، الذي طلب قبل إعدامه كتابة رسالة خطية لزوجته فسمح له بذلك، ثم تولى الحاخام تلقينه باللغة العبرية، فلوحظ أنه يتقن العبادة اليهودية حتى أنه صحّح للحاخام بعض العبارات، وفي صباح اليوم نفسه توافد إلى الساحة عشرات الألوف من سكان دمشق وضواحيها حيث كان معلقا على صدر كوهين نص قرار المحكمة بالإعدام لارتكاب الجرائم التالية: « جناية دخوله متنكرا أحد المحلات العسكرية، جناية الحصول على معلومات يجب أن تبقى مكتومة حرصا على سلامة الدولة وذلك لمصلحة العدو »، وكتبت جريدة الحياة اللبنانية في 19من أيار 1965: « وذكر في نص القرار أن الحكم صدر وجاهيا، وصُدّق من قبل رئيس مجلس الرئاسة « أمين الحافظ » بتاريخ 17 /5 /1965، أي بعد عشرة أيام من صدوره، رغم النداءات الكثيرة التي وجّهت في تلك الفترة من أفراد ومؤسسات كثيرة، كما ورد في البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الإسرائيلية التي أعربت عن ذهولها من هذا الحكم ».

ويشهد أكرم الحوراني في ذكرياته أنه: « بعد أيام قلائل من إعدام كوهين أخبرني العقيد أدهم عكاش -وكان آنذاك مديرا للسجن المركزي في دمشق « سجن القلعة » بهذه الواقعة التي حدثت على الحدود بين سوريا ولبنان في منطقة سرغايا، عندما وجد بعض الرعيان جثة مخبأة في كهف فأخبروا مدير المنطقة الذي أجرى تحقيقا مع السلطات في دمشق حول الموضوع، فتبين أن الجثة هي جثة كوهين وكانت في طريقها إلى إسرائيل عبر لبنان، ولا بد أن الفجر قد فاجأ المهربين فتركوها إلى اليوم التالي، وكان تعليقي آنذاك: لا شك ان تهريب جثة يحتاج إلى عدد من المهربين مما يظهر أن سوريا مخترقة بأعداد كبيرة من الجواسيس.. بعد هزيمة الخامس من حزيران عام 1967 بعثت قضية كوهين من مرقدها واكتسبت أهمية خاصة فأشادت وسائل الإعلام الإسرائيلية التي وزع بعضها سرا في لبنان، مغفلا من التوقيع والمصدر، بالدور الهام الذي قامت به الموساد في سوريا ولا سيما بالدور الذي قام به كوهين، وقد ركز هذا الإعلام على الفريق أمين الحافظ، مغفلا من عداه من السوريين ».

أما الشبكة التي تم القبض على أفرادها، والاشتباه بآخرين في التعاون مع إلياهو كوهين، فقد تمت تصفية بعضها تباعا والتخلّص من أفرادها واحدا تلو الآخر، بعد أن وصل بعضهم إلى مناصب عليا في الدولة السورية، حتى أن القاضي الضلي يروي أن أحدا من الذين حقّق معهم شخصيا، وهو شقيق لأحد المقربين من حافظ الأسد الذي اختاره هذا الأخير ليكون من الموظفين الكبار في الدولة، قال رادّا على الاتهام بالتعاون مع الجاسوس الإسرائيلي: « يا سيدي القاضي.. أنا لا علاقة لي به أنا كنت مجرد قوّاد أجلب النساء ». وكان مصير ذلك « القواد » تعيينه وزيرا في الحكومات التالية في عهد حافظ الأسد، بينما يطرح السؤال نفسه اليوم، هل عاقب حافظ الأسد رئيس المخابرات السورية وقتها اللواء أحمد سويداني بالسجن الطويل لاكتشافه شبكة كوهين، في الوقت الذي كوفئ فيه أعضاء الشبكة الصغار منهم والكبار بالاستمرار في الحكم؟!

أولى ثمار الشبكة.. سقوط القنيطرة

كانت الخطوات التي بدأ تطبيقها بعد إعدام كوهين سريعة، فقد تمّ التخلص من صديقه: أمين الحافظ « بانقلاب عسكري قاده صلاح جديد وحافظ الأسد » الذي كان مقرّبا جدا من أمين الحافظ ومقرّبا من كوهين بالطبع » في 23 شباط من العام 1966، بعد أقل من سنة على غياب مؤسس الشبكة إلياهو كوهين، وصدر الحكم بالإعدام على مؤسسي حزب البعث: ميشيل عفلق وأكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار، وتولّى حافظ الأسد منصب وزير الدفاع، وبدأ بعثٌ جديد ينتشر في أركان الدولة السورية، وأصبح الوضع في سوريا أكثر دموية، فقد أعلن هذا وزير الدفاع حافظ الأسد في خطاب ألقاه على مجموعة من ضباط الجبهة في يوم 12 من أيار في العام 1966: « إن الثورة مصمّمة على أن تضرب أعداءها، كما أنها مصمّمة على سحقهم وتصفيتهم تصفية نهائية، مرة واحدة وإلى الأبد ».

قال الملك فيصل بن عبدالعزيز لحافظ الأسد: أنتم وافقتم على وقف إطلاق النار والانسحاب من الجولان مقابل 300 مليون دولار قبضتموها من إسرائيل؟

وفي يوم السبت الخامس من حزيران ـ يونيه من العام 1967 أذيع من راديو دمشق البيان التالي: « بالرغم من تأكيد إسرائيل لمجلس الأمن الدولي أنها أوقفت القتال فإنها لم تنفذ ما تعهدت بـه وبدأت قوات العدو صباح اليوم الضرب بكثافة من الجو والمدفعية والدبابات.. وإن القوات الإسرائيلية استولت على مدينة القنيطرة بعد قتال عنيف دار منذ الصباح الباكر في منطقة القنيطرة ضمن ظروف غير متكافئة ، وكان العدو يغطي سماء المعركة بإمكانات لا تملكها غير دولة كبرى.. واستولى على مدينة القنيطرة على الرغم من صمود جنودنا البواسل، ولايزال الجيش يخوض معركة قاسية للدفاع عن كل شبر من أرض الوطن.. كما أن وحدات لم تشترك في القتال بعد قد أخذت مراكزها »، وفي الساعة 12.05 من اليوم ذاته صدر بلاغ عسكري آخر يقول: « إن قتالا عنيفا لايزال يدور داخل مدينة القنيطرة وعلى مشارفها، ومازالت القوات السورية تقاتل داخل المدينة تساندها قوات الجيش الشعبي بكل ضراوة وصمود ». أذيع نبأ سقوط القنيطرة في يوم العاشر من حزيران، وكان عبد الرحمن الأكتع وزير الصحة في ذلك الوقت في جولة ميدانية جنوب القنيطرة، وقال « سمعت نبأ سقوط القنيطرة يذاع من الراديو، وعرفت أنه غير صحيح لأننا في جنوب القنيطرة ولم نـر جيش العدو، فاتصلت هاتفيا بحافظ الأسد وزير الدفاع وقلت لـه: « المعلومات التي وصلتكم غير دقيقة، نحن في جنوب القنيطرة ولم نـر جيش العدو »! فشتمني بأقذع الألفاظ ومما قالـه لي: « لا تتدخل في عمل غيرك يا (…)، فعرفت أن في الأمر شيئاً ».. ويقول إسماعيل فهمي وزير الخارجية المصري في كتابه « التفاوض من أجل السلام في الشرق اﻷوسط » في حديثه عن أحد مؤتمرات القمة العربية في الصفحة 134: « وكانت بعض هذه الاجتماعات غير الرسمية ذات طبيعة ودية مثل هذا الاجتماع الذي عقد بين السادات واﻷسد، ولم تجر في هذا الاجتماع أية مناقشات حامية كما أن اﻷسد كان متجاوبا كثير الابتسام، وكانت اجتماعات أخرى يشوبها التوتر وفي إحدى المرات استفز الملك فيصل بن عبدالعزيز حافظ اﻷسد صراحة حيث سأله بصوت عال تماما عما إذا كان السوريون قد قبلوا وقف إطلاق النار على مرتفعات الجولان في عام 1967 في وقت سابق ﻷوانه حيث تركوا القنيطرة تسقط في أيدي اﻹسرائيليين دون إطلاق طلقة واحدة.

وقال أيضا: إن القائد السوري في القنيطرة تلقى ما يوازي 300 مليون دولار أمريكي من إسرائيل مقابل مساعدته هذه، وكان القائد هو اﻷسد نفسه ولم يستطع اﻷسد لحسن الحظ أن يسمع الملك فيصل بوضوح، ﻷن الرئيس السادات قام بدوره بالتحدث بصوت أعلى من صوت فيصل محاولا أن يقنعه بأن الوقت غير مناسب لمناقشة هذه الإشاعة المحرجة جدا، وكف الملك فيصل عن حديثه، ومنذ ذلك الوقت سارت اﻷمور بسلاسة نوعا ما ». ومنحت الحكومة الإسرائيلية بعد هزيمة حزيران 1967 أعلى وسام لرئيس الموساد آنذاك وقدّم رئيس دولتها لذلك بكلمة أشاد فيها بالدور الذي قامت به المخابرات الإسرائيلية التي كان لها الفضل في تحقيق الانتصار في حرب الأيام الستة، وكانت الحكومة الإسرائيلية قد منحت كوهين بعد موته وساما مماثلا وأطلقت اسمه على أحد شوارع تل أبيب، كما نقش اسمه تخليدا له على النصب التذكاري الذي أقامته إسرائيل لعظماء الرجال الذين قدموا لها خدمات كبرى، وأنجزت مهمة كوهين الذي تم إعدامه وبدا غير نادم على ما فعله، ولكنه كان حزينا جدا لأن إسرائيل تخلت عنه، تخلت إسرائيل عن اليهودي الشرقي الرخيص كي تحقق أهدافها في المنطقة وقد تحقق أول تلك الأهداف بعد سنتين باحتلال الجولان، عدا الأراضي العربية الأخرى في فلسطين والأردن ومصر وبتأخير التنمية والحياة في سوريا وتعطيلها لخمسين سنة قادمة، فمفاتيح قوّة نظام الأسد تكمن في طريقة تأسيسه، التي تمّت بدقّة وكمال، بعد أن تم تنصيب النظام الحامي لإسرائيل وذراعه الإستراتيجية في المنطقة، والذي لم يكن سوى حافظ الأسد والآن ب-شار الأسد.. أسد يهوذا الرابض على بلاد الشام لحماية الدولة العبرية وتنفيذ وظائف محدّدة في المنطقة كلّها.

 

 

 

 

المصدر: http://www.alarab.co.uk/?id=6851



Inscrivez-vous à notre newsletter