الائتلاف السوري: مُبتلى بالمعاصي.. يُفتضح ولا يستتر! – صبحي حديدي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 15 novembre 2013

‘مَنْ يهُنْ يسهل الهوان عليه’، قال أبو الطيب المتنبي ذات يوم، فاختصر في شطر واحد شريحة إهانة واستهانة وهوان ومهانة، واسعة عريضة متعددة، سوف تطبع الكثير من سمات شخصية المُذلّ المُهان؛ في السياسة بادىء ذي بدء، ثمّ في الاجتماع الإنساني عموماً، بما ينطوي عليه من تعاقدات اقتصاد ومال وأعمال، وما يشترطه من أنساق سلوك، فضلاً عن ميادين تربية وثقافة وفلسفة… الشطر الثاني، من البيت إياه، يستكمل توصيف العاقبة التالية لامتهان الذات، وبالتالي ابتلاع المذلة والتطبّع عليها، وفيها: ‘ما لجرحٍ بميّت إيلام’؛ كما يقول أي رصد منطقي لسكنات جثة هامدة!
ولكي يكتمل انطباق بيت المتنبي على حال المعارضة السورية الخارجية، و’الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية’ بصورة أولى، خاصة في هذه الأيام، بعد سلسلة ‘الإنجازات’ الكبرى المتمثلة في واقعة الصفعة، و’الموافقة المشروطة’ على حضور مؤتمر جنيف ـ 2، وتشكيل الحكومة الائتلافية برئاسة أحمد الطعمة؛ لا مفرّ من العودة إلى بيت الاستهلال في قصيدة المتنبي: ‘لا افتخار إلا لمَنْ لا يُضام/ مدرك أو محارب لا ينام’. هذا في نطاق الكرامة والإباء والشمم (إقرأها عند غالبيتهم الساحقة هكذا: زلفى وملق ونفاق…)؛ وليس في صدد المعاصي الأخرى الكثيرة، السياسية والمالية والسلوكية والأخلاقية، التي ابتُلي بها الائتلاف، جرّاء ابتلائه لنفسه بنفسه، وليس بسبب أية بلوى ناجمة عن أيّ بلاء!
والحال أنّ الصفعة ـ التي تلقاها لؤي المقداد (عضو الائتلاف، والذي يسير لقبه الرسمي هكذا، ما شاء الله: ‘المنسّق الإعلامي والسياسي للجيش السوري الحرّ’!)، من أحمد العوينان العاصي الجربا (الذي يتولى هذه المسؤوليات الجسام: أنه أحد شيوخ عشيرة شمّر، وعضو الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري، ورئيس الائتلاف)، لم تكن القشة التي قصمت ظهر البعير (القاعد القعيد، أصلاً)؛ بل كانت ذلك الدبوس، الصدىء مع ذلك، الذي فقأ الدمل، فأخرج إلى العلن ما كان خافياً فيه من قيح تجمّع طيلة أسابيع وأشهر، حتى تضخّم وتدرّن وتسرطن. ولم يكن ينقص هذا الائتلاف، في صيغة مهانة الذات التي انحطّ إليها، وفي المستوى البذيء من الاستهانة بآمال السوريين وآلامهم؛ إلا اصطدام شيخ عشيرة بمحارب ضدّ طواحين الهواء، ولجوئهما إلى اللغة الوحيدة الجديرة بهما، معاً: الصفع واللطم والركل والرفس!
وقد يتساءل بريء حسن الطوية منحاز إلى انتفاضة الشعب السوري، أو ساذج غير متفقه في أصول وقواعد عمل هذا الائتلاف: علام الخلف بينهما، الجربا والمقداد؟ على المشاركة في جنيف ـ 2 أو مقاطعته؟ على الحوار مع نظام الاستبداد والفساد والفاشية والهمجية؟ على برنامج سياسي وإغاثي للائتلاف في المرحلة القادمة؟ على طرح الثقة في حكومة الطعمة العتيدة، أو حجبها؟ على جنس الملائكة، أو حجر الفلسفة؟ كلا، بالطبع؛ فهذه من سفاسف الأمور التي لا يتناطح عليها السيد بونتيلا وتابعه ماتي (كما في مسرحية بريخت الشهيرة، أو ‘علي جناح التبريزي وتابعه قفة’ في عمل الراحل الكبير ألفريد فرج). لقد اختلفا، فصفع الرئيس مرؤوسه، حول أمر آخر جلل، أعظم شأناً وأكثر خطورة: عدد المقاعد المخصصة لهيئة الأركان في الائتلاف، من جانب المقداد؛ وضمّ 11 عضواً جديداً يمثلون الكرد، من جانب الجربا!
ما يزيد الطين بلّة، والفضيحة قباحة، أنّ هذا الاجتماع المهيب كان قد صال وجال حول ‘لاءات’ المشاركة في جنيف ـ 2، وتنافخ أعضاؤه ملء رئاتهم وأفواههم وألسنتهم حول المشاركة أو المقاطعة، و’لحس′ البعض تصريحات سابقة ساجلت ضدّ الذهاب إلى المؤتمر (بينها ذاك الدراماتيكي السوبرماني الذي نطق به ميشيل كيلو، رئيس ‘كتلة اتحاد الديمقراطيين’، من أنه لن يذهب شخصياً إلى مؤتمر جنيف بالشروط الحالية، حتى وإن قطعوا رأسه؛ وأنه سينصح رئيس الائتلاف بعدم المشاركة)؛ ثمّ صوّتوا على الذهاب ‘المشروط’… كأنّ ائتلافهم، أو سادة اتئلافهم ممّن تعاقبوا على رعايته وتمويله وتوجيهه، يمتلكون أصلاً حقّ الاشتراط، أو فرض ‘لا’ واحدة يتيمة. أو كأنّ ‘الشروط الحالية’، التي جعجع البعض حول رفضها بالأمس، تغيّرت اليوم فانصاعت واشنطن وموسكو لحزمة شروط جديدة فرضها الائتلاف.
صنف آخر من القيح، الذي فقأته صفعة الجربا، كان حكاية تشكيل ‘حكومة للمعارضة’، وإطلاق صفة ‘الإنجاز التاريخي’ على خطوة قيل إنها تتوسل ‘الكفاءات’ و’الخبرة التكنوقراطية’ الصرفة، فانتهت إلى سلسلة من المهازل، والمزيد من إضافة الإهانة على جراح السوريين. فما الكفاءة التكنوقراطية التي اكتشفها الائتلاف في شخص عمار القربي (طبيب الأسنان)، لكي يتولى حقيبة الداخلية؛ إذا تغاضى المرء عن سؤال أكبر يخصّ وظائف هكذا وزارة، وأجهزتها؟ وما السجلّ الثقافي الذي يبرر تعيين تغريد الحجلي وزيرة للثقافة، إذا كانت لا تملك من ناصية اللغة العربية ما يتيح لها التمييز بين ‘الذي’ و’اللواتي’ عند الحديث عن المعتقلات السوريات، على الفضائيات؟ وأية ‘تربية’، تعددية وديمقراطية، لكي لا نقول: علمانية وعلمية وعصرية، تلك التي سيعتمدها عبد الرحمن الحاج، وزير التربية والتعليم الإسلامي الإخواني؟ وهل نسبة التصويت على أسماء الوزراء، وحقيقة أنها تراوحت بين الإقرار والرفض، تبدّل من جوهر خطيئة اختيارهم في الأصل؟
إلا أنّ جوهر الحال المزرية التي يعيشها الائتلاف تبدأ، مع ذلك، من حقائق أخرى تتصل بطبائع هؤلاء ‘المعارضين’ أنفسهم، سواء في ما شابوا عليه، بعد أن شبّوا في كنفه؛ أو في ما بدأوا منه، وانقلبوا عليه بعدئذ؛ أو في منازل بين هاتين المنزلتين، تتنقل بهم من حال إلى حال أخرى على طرف نقيض، وبين عشية وضحاها أحياناً. وفي وسع المرء ان يستعرض ثلاثة نماذج على الأقلّ، أو في التمثيل الأعمّ، تشكّل باطن الائتلاف مثل سطحه، وتتربع على المستوى القاعدي مثل ذاك القيادي، وفي الهيئات السياسية مثل تلك الإعلامية والعسكرية والإغاثية. ولا يعفّ المرء عن ذكر أسماء محددة، بعينها، إلا لأنّ التمثيل النموذجي أشدّ أمانة في التمثيل الوظيفي من الاسم ذاته؛ بمعنى أن الإفصاح عن اسم فلان من هؤلاء، لن يكون أعلى بلاغة من ممارساته على الأرض، ولن يضيف إلا جرعة فضيحة… هي، للإنصاف، في غنى حتى عن التفضيح!
النموذج الأوّل هو ذاك الذي كان، قبل الانتفاضة أو حتى خلال أسابيعها الأولى، متذبذباً بين موشور عريض من الصداقات: النظام، والمعارضة، وخصوم النظام، وخصوم المعارضة؛ وكان يتحدث تارة عن بشار الأسد، بوصفه ‘الرئيس الشاب’ الطامح إلى التغيير والإصلاح؛ وطوراً عن مشكلات المعارضة السورية، وعجزها عن تطوير ‘خطاب’ معارض ملائم، ‘هادىء’ و’معتدل’؛ ولكنه، في كلّ حال، لم يكن داخل أيّ من قوى المعارضة وتجمعاتها وأحزابها، وكان آمناً من الاعتقال (عند أقامته داخل البلد)، ومرحّباً بزياراته (حين يكون في الخارج). وهذا نموذج وجد ضالته في الانتفاضة، بالطبع، فركب الموجة سريعاً، وقرّر أن يثوّر صورته إلى الدرجة القصوى الممكنة، فلم يتأخر في الانضمام إلى ‘مؤسسات’ المعارضة الخارجية، المجلس الوطني والائتلاف خاصة، وانخرط في كلّ مزاد يشهد مزاودة، وهيهات أن ينافسه منافق أو متملق!
النموذج الثاني كان، قبل الانتفاضة، معارضاً بالفعل، على نحو أو آخر؛ عمل في صفوف المعارضة، حتى وإنْ اقتصر دوره على التنظير أو الكتابة أو المهامّ الإعلامية، فلوحق، أو اعتُقل، أو نُفي، أو نفى نفسه بنفسه. لكنه، بعد الانتفاضة، امتهن وظيفة ‘المعارض’ الذي يبدّل مواقفه بصفة يومية، أكثر مما يبدّل جوربيه أحياناً؛ فيتنقّل من الصفّ ‘العلماني’، إلى صفّ ‘الإسلام المستنير’، قبل أن يعرّج على ‘جبهة النصرة’؛ ويتباكى يوماً على الانتفاضة من أمراض ‘العسكرة’ التي طرأت عليها، لكي يمتدح ‘الجيش الحرّ’ في اليوم التالي، فيعتبره جيشاً وطنياً يخوض ‘حرب تحرير شعبية’؛ وإذْ يتمرّغ شهراً على شاشة ‘الجزيرة’، وتحت ظلال الرعاية القطرية لمؤسسات المعارضة الخارجية؛ فإنك ستجده، الشهر التالي، على شاشة ‘العربية’، في رعاية السعودية للمؤسسات ذاتها؛ وهكذا دواليك… تتكاثر التمثيلات عليه أينما يمّم المرء وجهه في أرجاء انتشار هذه المعارضة الخارجية.
النموذج الثالث، المأساوي حقاً، ولعله الأكثر إثارة للأسى والسخط معاً، هو ذاك الذي كان في قلب الانتفاضة، يشارك في المظاهرات أسوة بتنظيمها وصياغة شعاراتها وحمايتها؛ ويجمع بين مختلف أنشطة العمل الوطني المعارض، من الأحزاب المحظورة، إلى ‘إعلان دمشق’، إلى المنتديات والتجمعات والهيئات على اختلافها… حتى قُدّر له أن يغادر سورية، وينضمّ إلى واحدة من مؤسسات المعارضة الخارجية. هذا المناضل/ الناشط، سواء أكان مخضرماً متمرساً أم مستجداً متدرباً، انقلب إلى رهينة في يد المؤسسة؛ ينحني صاغراً لمتطلبات وجوده فيها، حتى عندما تتناقض مع قناعاته، ويدافع عنها من باب غريزة القطيع في أغلب المواقف. كذلك صار أسير الأسفار والفنادق والمؤتمرات والزيارات، محاطاً بالسكرتير الشخصي والمريد الشخصي والحارس الشخصي، وباتت لقاءاته مع ممثّلي الأمم والدول والمنظمات العالمية، من رؤساء أو وزراء أو مستشارين أو خبراء، بمثابة قوت وجودي يُشبع لديه نرجسية الذات، وينمّي حسّ البقاء الشخصي؛ تحت ذريعة العمل النضالي، هذه التي تغنيه عن التبصّر في الخطأ، أو تعميه عن رؤية الصواب.
هؤلاء ثلاثة نماذج من سدنة ائتلاف ينطبق عليه، اليوم، مقدار من السوءات أكبر من تلك التي انطبقت ذات يوم على المجلس الوطني، سواء على مستوى هيئاته المختلفة أو الأفراد في قيادته: سلسلة أخطاء فاحشة، على أصعدة العمل كافة وبلا استثناء، تكررت وتعاقبت وكأنّ وضوح الخطأ يستدعي أن يعمهوا فيه أكثر فأكثر، لا أن يجتنبوه. كذلك غرقوا، ويغرقون، في مستنقع الحوارات البيزنطية العقيمة (داخل الإقامات الفارهة، خلال مؤتمرات غامضة التمويل)؛ وأساؤوا إدارة أموال الإغاثة على نحو جعلها تضلّ السبيل إلى مبتغاها الإنساني والكفاحي، فصارت مصيدة كاشفة لمعادن الرجال؛ وتخبطوا في توظيف العلاقات الخارجية، بحيث انقلبت هذه إلى مراكز استقطاب تركية أو سعودية أو قطرية أو فرنسية أو أمريكية أو بريطانية؛ وكان طبيعياً أن ينقلبوا إلى إمّعات عند أمثال روبرت فورد (السفير الأمريكي)، أو إريك شوفالييه (السفير الفرنسي)، لكي لا يرتقي المرء بمستويات اتصالهم، فيشير إلى جون كيري ولوران فابيوس! إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا، تقول العبارة المأثورة؛ على نقيض ما يفعل الائتلاف وأهله: كلما زادت المعاصي، خاصة تلك التي من صنع أيديهم، وتفاقم افتضاحهم في أعين السوريين، والعالم بأسره، زادوا غيّاً وضلالاً، وتنابذوا… صفعاً ورفساً!



Inscrivez-vous à notre newsletter