البربرية و’حرج القتيل- الياس خوري

Article  •  Publié sur Souria Houria le 13 mars 2014

لا نعثر في قاموس المؤرخين العرب القدماء على كلمة برابرة، الشاعر الاسكندري اليوناني الكبير قسطنطين كافافس اخذ عنوان قصيدته من القاموس الاغريقي القديم، الذي تبناه القاموس الروماني قبل ان يتحول الى كلمة أثيرة في المدونة الفكرية الكولونيالية. كتب كفافي قصيدته كي يعلن ان لا وجود للبرابرة وان انتظارهم هو غطاء القمع الذي يمارسه اصحاب السلطة.
‘لأن الليل ارخى سدوله، والبرابرة لم يأتوا… والآن ومن دون البرابرة ماذ سيحدث لنا
هؤلاء البرابرة كانوا حلا من الحلول’.
وهذا ما فعله الروائي الجنوب افريقي كويتزي الذي استعار عنوان قصيدة كفافي جاعلا منه عنوان روايته التي تدين نظام الابارتهايد الكولونيالي الذي أقامه البيض في بلاده.
اما المؤرخون العرب فلم يستخدموا كلمة برابرة، بل استخدموا عوضا عنها كلمة المغول التي تحولت الى مرادف للهمجية، منذ اجتياح بغداد الذي قامت به جيوش هولاكو في 10 شباط- فبراير 1258. وهو الاجتياح الأكثر وحشية في تاريخ العرب، والذي روى وقائعه المروّعة ابن الأثير في كتابه ‘البداية والنهاية’.
وفي الشعر العربي الحديث، لا نعثر على تصادٍ مع قصيدة كفافي، على الرغم من اعجاب ادوارد سعيد الكبير بها، الى درجة انها قرئت في مأتمه في كنيسة ‘ريفير سايد’ في نيويورك. لكن محمود درويش قدم معارضة للقصيدة اليونانية في قصيدته ‘هدنة مع المغول امام غابة السنديان’ (في ديوانه ‘ارى ما أريد’) ليكتشف عدم وجود غابة السنديان كي تقام الهدنة في ظلها:
‘المغُول يريدوننا أَن نكون كما يبتغون لنا أن نكونْ حفنةً من هبوب الغبار على الصين أَو فارسٍ، ويريدوننا أَن نُحبَّ أَغانِيَهُمْ كُلَّها كي يَحُلَّ السلامُ الذي يطلبونْ …

البنَادِقُ مكسورة .. والحمامُ يطير بعيداً بعيداً ..لم نجد احداً ههنا
لم نجد أَحداً …
لم نجد غابة السنديانْ’.
الشاعر الفلسطيني وجد المغول لكنه لم يجد غابة السنديان كي يكون هناك هدنة. فالهدنة مستحيلة حين يدمّر المغول المكان، ويشردون اهله.
قلت اننا لا نعثر على كلمة البربرية او البرابرة في المدونة التاريخية العربية، وهذا كان صحيحا الى ان صدر كتاب ميشال سورا ‘الدولة البربرية في سوريا’. مع هذا المستعرب الفرنسي حدث تغير جذري في القاموس العربي، لأن سورا قدّم النصوص الأولى التي تؤرخ للاستبداد الوحشي الذي تخضع له سوريا منذ اكثر من أربعة عقود.
الفرنسي الذي وُلد في تونس، وتماهى مع الشعب التونسي في مواجهة بربرية الطيران الفرنسي في بنزرت، اختار سوريا وطنا له، وكان اول شهيد لربيع دمشق المكلل بدماء الضحايا.
شهادة سورا ليست خارجية، اي أنها لم تأتِ من التراث الاستشراقي الفرنسي، بل هي شهادة عالم اجتماع، انطلق من الفلسفة الخلدونية ومن مقولة العصبية كي يقدم اول تحليل لهمجية النظام الاستبدادي، ويكسر الصمت المريب الذي احاط بمجزرة حماه.
هنا يبرز بوضوح عماء الجريمة التي ارتكبت ضد هذا المفكر وتفاهتها. خطف سورا في بيروت في 22 ايار- مايو 1985 على طريق المطار، وسط حمى خطف الأجانب التي ضربت لبنان في سياق الصعود الإقليمي لإيران، وأعلن عن مقتله في آذار- مارس 1986. الرجل الذي عُرف بحبه لسوريا ولبنان والذي كان أحد أوائل المتعاطفين مع الإسلام السياسي، لقي حتفه ولم يعثر على بقاياه إلا بعد عشرين سنة على مقتله، حيث وجد مدفونا في منطقة في الضاحية الجنوبية لبيروت تعرف باسم ‘حرج القتيل’.
أصدقاء سورا من التيار الإسلامي، من خليل عكاوي (أبو عربي) الى السيد محمد حسين فضل الله، لم يستطيعوا شيئاً، وقيل، والله أعلم، ان الرجل دفع ثمن مقالاته ودراساته عن سوريا، وأن كتاباته عن مذبحة حماة وتحليله لظاهرة باب التبانة كانت السبب في قتله بشكل سادي.
كان سورا أحد أوائل المثقفين السوريين الذين كشفوا عهر الثقافة ووسائل الاعلام التي غطت جرائم حافظ الأسد بستار من الصمت. لذا يستحق مكانة خاصة في الذاكرة السورية، وهي مكانة تأكدت من خلال فيلم عمر اميرالاي الممتاز: ‘في يوم من أيام العنف العادي مات صديقي ميشال سورا’ (1996).
ميشال سورا هو من أطلق صفة البربرية على النظام السوري، في وقت كانت فيه الثقافة العربية مصابة بما يشبه الغيبوبة الكاملة. فالنظام الذي اسسه حافظ الأسد نجح في فرض إرهاب من نوع خاص وجد نموذجه في الإستبداد الكوري الشمالي، كما استطاع بناء تحالفات اقليمية ودولية حمته من اي رد فعل.
من الواضح أننا ندفع في سوريا ثمن تلك الغيبوبة، من خلال تسلل المتسللين الى الثورة، وعجز قواها الحية عن فرض أجندتها الديمقراطية التغييرية، لكن هذا العجز المحزن، يجب ان لا يحجب حقيقة ان اصل الهمجية وفصلها هو نظام الاستبداد البربري، وأن اسقاط هذا النظام هو بداية خروج سوريا من هذا النفق الدموي المعتم.
نتذكر ميشال سورا وسط براميل القصف التي أتت لتكمل ما بدأه السلاح الكيميائي، ووسط هذا الصمم الشامل عن سماع صرخة الحرية المجبولة بالمعاناة والدم والقهر.
عندما كتب ميشال سورا في أوائل الثمانينات، كانت سوريا مملكة الصمت والخوف. دفع عالم الإجتماع الشجاع ثمن موقفه، وهو في ذلك يشبه الأب باولو الذي يدفع اليوم ثمنا نتمنى ان لا يكون مشابها في قبضة دولة ‘داعش’ الهمجية، كما يشبه رزان وسميرة وألوف المناضلات والمناضلين السوريين الذين يواجهون الهمجية بأشكالها المختلفة، بشجاعة ترقى الى مرتبة البطولة.
كتب ميشال سورا وسط صمت شامل، فلم يستمع اليه أحد، ومات ودفن في ‘حرج القتيل’ وحيدا. واليوم وسط صرخة الحرية السورية لم يتغير الكثير، لا أحد يريد ان يسمع، والسوريات والسوريون وحدهم في مواجهة البربرية، لكنهم يعرفون انهم لا يملكون سوى خيار واحد هو تنفيذ الشعار الأول لثورتهم: ‘الشعب يريد اسقاط النظام’، وسيسقط هذا النظام لا محالة.



Inscrivez-vous à notre newsletter