بعد ركود مديد: هذه الجِدّة السورية التي لا تطاق – ياسين الحاج صالح

Article  •  Publié sur Souria Houria le 12 octobre 2014

43 شهراً ولم تتسنَّ للسوريين فرصة واحدة للنظر إلى الوراء، لالتقاط الأنفاس والتأمل في حالهم وما حولهم. لم تحدث هدنة واحدة ولو ليوم أو يومين، ولو أثناء عيد، ولم يمضِ يوم واحد من دون حرب وموت وضحايا. 1300 يوم تقريباً من تغير عنيف موصول، ولا يوم واحد من توقف أو تفكير أو مراجعة.
هذا وضع نادر حتى في الحروب والثورات الكبيرة. دامت الحرب اللبنانية 15 عاماً، لكن تخللتها أوقات وقف لإطلاق النار متفاوتة الطول، ليست قصيرة غالباً. كانت الحرب اللبنانية في الواقع مسلسلاً متقطعاً لحروب شبه منفصلة عن بعضها، جرت في البلد نفسه أو في أجزاء متغيرة منه. ولم تكن هذه حال العراق الذي تموجت الحرب فيه بين ذرى عالية، وبينها انحسارات أطول أمداً. تختلف الحرب السورية أيضاً عن الحروب العالمية، ولو من حيث إنها تشكلت في هذه جبهات واسعة، وانخرطت فيها أمم كثيرة، وقلما شمل مسرحها بلداناً بأكملها غير بعض الصغيرة منها، ويشعر سكان أي بلد فيها بأنهم جزء من قصة أكبر، ليسوا معزولين.
يشعر سوريون كثيرون، بالعكس، بأنهم متروكون لعدوان مستمر لا يتوقف، ووفقاً لإيقاع مرهق مستنزف للنفوس والأفكار، فوق الاستنزاف البشري والمادي. خلافاً للبنان، وحتى العراق، «الدولة» هنا ليست طرفاً في الحرب فقط، وإنما هي مصدر دوامها وفاعل استمرارها الأول، وهي لم تتوقف يوماً عن «الثورة» على محكوميها المتمردين وتحطيم بيئات حياتهم ومحاولة إبادتهم، ما يخلق كل يوم واقعاً جديداً مكتوباً بالدم.
السمة المخصوصة جداً للوضع السوري اليوم هي هذه الجِدّة المُعذِّبة التي لا تطاق، ويتعذر على الناس مقارنتها بشيء أو إدراكها عبر مقولات عامة.
لا تتيح فترات الهدوء للناس النظر من دون انفعال أو بانفعال أقل حولهم فقط، وتكوين فكرة أوضح عن سير الأمور، ودرجة أكبر من محاولة التأثير فيها فقط، ولكنها بخاصة تساعد في تحويل المستحدثات إلى عادات، وتنظيم الأوضاع الجديدة أو ضبطها بقواعد عامة. القواعد والعادات «تلغي» الجديد إذ تستوعبه، أو لنقل إنها استيعاب جدلي للجديد، يقبله لكن يحتويه وينزع جِدته. فخلافاً لما ألف أن يعتقده التفكير الثوري والحداثي العربي، فإن العيش في جديد محض، أو في حداثة لا تنتظم في تقليد، شيء لا يطاق، وهو لا يشبه حال الحديثين المتقدمين من البشر (الحداثة أنتجت من القواعد والعوائد والتقاليد والضوابط ما لم تنتجه «القدامة» في جميع عصور البشرية السابقة)، بل لعله يشبه حال البشر في ظهورهم الأول، وقت كان كل شيء جديداً عليهم، وعبر الألفيات من السنين شكل مجموع استجاباتهم لاستيعاب هذا الجديد ما نسميه «الحضارة».
هذا شيء تستوعبه كلمة ثورة بالإنكليزية والفرنسية، ولا تتضمنه الكلمة العربية. الثورة في لغات أوروبية هي تطور جرت مراجعته وأعيد اكتسابه. في العربية نستخدم اليوم كثيراً عبارات مثل إعادة إنتاج أو إعادة هيكلة أو إعادة تفكير أو إعادة بناء أو إعادة اكتساب، وهي صيغ مترجمة، تحيل إلى فعل على الفعل، إلى الفعل الثاني، أو عملية المراجعة والنقد والتقويم، عملية الصيانة والتجديد التي تجمع الجديد والقديم معاً، أو تشكل حركة مستمرة بينهما.
وبما أن الفعل الثاني، فعل المراجعة والنقد وإعادة التقويم، والصيانة، يراجع الفعل الأول وينظمه، فإن هذا الفعل الثاني هو الذي يسجل حضور الذكاء البشري والحكمة الإنسانية (الفعل الأول هو بالمقابل الشجاع والإقدام، والإبداع)، وهو ما لا تكتمل الثورة من دونه. ما نكسبه أولاً يجب أن نكسبه ثانية كي نتملكه، ويتحول إلى ملك عام.
فإذا عدنا إلى الحال في سورية، فإن لدينا الثورة كفعل أول، كفعل تمرد شجاع وكتقويض وتحطيم لقديم، وكأوضاع جديدة كلياً، لكن غير منظمة وغير متحكم بها. ما نفتقده بسبب «دولة الحرب» هو الفعل الثاني، فعل الاستيعاب والتنظيم ووضع قواعد. لم يستوعب أيّ كان أيّ شيء فعلاً في سورية، لأنه لم يتح لأي كان أن يتوقف وينظر خلفه.
من الثورة السلمية إلى الثورة المسلحة إلى انهيار الإطار الوطني للصراع، إلى دعوة عراقيين ولبنانيين وإيرانيين لمشاركة النظام حربه، ووفود جهاديين من عشرات البلدان، إلى المذابح والسلاح الكيماوي وصناعة القتل في المقار الأمنية إلى صعود «داعش» وإعلان دولته على قسم من البلد إلى الحملة الجوية الأميركية على «داعش»، مروراً بحروب ومعارك وحُريْبات كثيرة أصغر… هذا مسار لم يتسنَّ لنا الابتعاد عنه قليلاً كي نفكر فيه بهدوء ونستوعبه.
غير العدوان على المجتمع والسكان، وغير ما يعلمه الجميع من تهجير نحو نصف السكان من بيوتهم، وأكثر من ثُمنهم (فوق 3 ملايين) خارج البلد، فوق مقدار العنف واستمراره، بل فوق أنه عنف مطلق لا يعترف بقاعدة أو يحترم مبدأ أو يراعي عرفاً، فإن إيقاعه اللاهث مولد للجنون العام، لانهيار المفاهيم والمقولات العامة (العقل العام)، وتحطم معنى البلد.
وهذا في تقديري مصدر أساسي لتغذية التشدد الديني. فهذه الجِدّة الموصولة التي لا تطاق توفر بيئة مناسبة لمتشددي الدين كي يفرضوا قالباً ذهنياً يدرج الجديد المستحيل في عالم مقولات أصلية مدونة في علم قديم. الدين هو النظام الذي ينزع الجِدّة القاسية لهذه التجارب أو غرابتها الوحشية. كلمة دين العربية تحيل في جانب أساسي من دلالتها إلى العادة والحال المستقرة (في لغات أوروبية هذه الدلالة تغطيها كلمة دولة، أبو الأعلى المودودي الذي لحظ ذلك، استخلص منه تقريباً أن الدين هو دولتنا، نحن المسلمين).
لكن هذا أيضاً وضع جديد كان ممتنعاً تخيله قبل عامين فقط. هنا أيضاً لم يتح للسوريين وقت للتوقف والنظر في هذا الانسياق نحو أشكال مسخية من التدين والسلوك الديني. يناسب المتشددين جداً ألا تتاح فرصة لأي كان كي يقف وينظر حوله ويتأمل في هذه «النوازل» العجيبة. في غمرة الانفعال العنيف، الخوف والكرب والتمزق والموت والفقدان، تشتغل الملكات النقدية في الحد الأدنى، والملكات العقدية بالحد الأعلى. هذا عالم مناسب للمتطرفين الدينيين.
والواقع أن تجربتنا في الزمن الأسدي، على مدى 44 عاماً، تحيل إلى هذا الوضع نفسه الذي شهدناه أثناء الثورة من دوام قاطع للأنفاس، ومن عالم بلا قواعد وعوائد، وبلا نقد ومراجعة وتقويم. المعادل «القانوني» لهذا الشرط العام هو «حالة الطوارئ»، وهي مزيج من انكشاف تام للمجتمع، ومن حصانة مطلقة لنخبة السلطة، ومن ركود وتقهقر كلي للبلد. هذا الشرط المديد اندغم في الحالة التاريخية الأشد طروءاً: الثورة.
ولتجربتنا الأسدية وجه آخر، تضخّم بلا حدود أثناء الثورة: التجزؤ المحلي والافتقار إلى رواية سورية عامة. كان من شأن وقت للتوقف والنظر أن يساعد في مقارنة التجارب، بين درعا والغوطة مثلاً، بين حمص وحلب مثلاً، بين الرقة ودير الزور، وربما الخروج بخلاصات عامة وتطوير مشتركات وجوامع وطنية. هذا تسنى للسوريين في ظل الانتداب الفرنسي، وبالاستناد إليه ظهرت سورية الموحدة.
الجِدّة الموصولة والتجزؤ المحلي حالا بين السوريين وبين امتلاك مسار بلدهم وتحقيق تطور عام متسق، أو إنجاز تراكم فعلي على أي مستوى. وهذا ما يبقي تطلع السوريين الأول، التخلص من النظام الأسدي، هدفاً راهناً لا وجهاً وطنياً أو أخلاقياً للحياد عنه. هذا نظام عدوان مستمر، لا يقبل قاعدة أو نظاماً، ولا يمكن تالياً أن يكون شرعياً.
على المستوى الذي نتكلم عليه لا تشكل حملة الأميركيين وحلفائهم على «داعش» قطيعة من أي نوع. فوق أنها تبدو بلا رؤية سياسية، بل حتى بلا رؤية عسكرية واضحة، هذه الحملة الشعواء استمرار للمسلسل الجديد الذي لا يطاق. وهي إذ تفترض تجزؤ البلد إطاراً مسبقاً لها، تشكل استئنافاً لتكسير النظام، ثم «داعش»، الإطارَ السوري العام.



Abonnez-vous à notre newsletter