حالة طوارئ عربية – أيمن الصفدي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 31 octobre 2014

حالة طوارئ عربية – أيمن الصفدي

يواجه العالم العربي انهيارا فكريا اجتماعيا يهدد بإعادته إلى حقبة ما قبل الدولة، وبتمزيقه مساحات فوضى يسودها الجهل والتخلف وصراعات الهوية.
 دلائل هذا الانهيار فاعلةٌ تدمر سورية والعراق واليمن وليبيا. وهي تنمو في غير مجتمع، تقتات على مشاعر التهميش والقهر والعوز الاقتصادي، وتستفيد من الخِواء الفكري الذي ترك الساحة للجهل والأيديولوجيات المشوهة تستبيح عقول الشباب، وتحيلهم قنابل بشرية تستهدف حاضر العرب ومستقبلهم.
لكن رد الفعل العربي على هذا الخطر يأتي قاصراً خجولاً مشتتا. عسكريا وفكريا وسياسيا، يواجه العالم العربي تحدي تدهور عالمهم إلى مرحلة ما قبل الحضارة بمنهجيات تكتيكية تفتقر إلى الالتزام والرؤية اللتين تفرضهما جسامة اللحظة.
لا تقويمَ شاملاً للتحدي، ولا عملَ كافياً للتوافق على استراتيجيات عمل توقف الانهيار، وتهزم قوى الجهل التي تتجذر في بيئات بؤس أوجدتها عقود من الفشل السياسي الاجتماعي.
يتبدى هذا القصور في التعامل مع عصابات التطرف في سورية والعراق. اختار العرب دفن الرؤوس في الرمال حين تسللت النصرة وداعش إلى الثورة السورية ضد ظلم الأسد. وخلال سنوات تمكن حوالي 12 ألف متطرف من فرض إرهابهم على حوالي 40 بالمائة من سورية، ليصيروا تهديدا امتد إلى العراق ويحدق بالشرق العربي كله.
وحين استفحل هذا الخطر، انتظر العرب الولايات المتحدة لتطلق تحالفاً دولياً سيُضعف داعش، لكنه لن ينهي الفكر الذي يُنتجها. بدلا من أن يبادروا بخطة عمل شاملة تواجه الإرهاب ومُسبباته عسكريا وفكريا واجتماعيا واقتصاديا، انضموا إلى خطة صاغتها الولايات المتحدة على مقاسات فهمها للمشكلة، ووفق مصالحها وحساباتها.
لذلك تفتقد هذه الخطة إلى الوعي السياسي الذي يبني تقبلا مجتمعيا كافيا لها. حصر التحالف أهدافه في محاربة داعش، ولم يلتفت إلى إيجاد حلول أشمل توقف جرائم عصابات أخرى مثل النظام السوري والميليشيات المذهبية في اليمن والعراق. 
وهذا قصور قاتل زج التحالف في إطار المخاوف المذهبية، وموضعه، على الأقل في انطباعات ضحايا الأزمات، تحركا لخدمة مصالح أميركا، لا جهدا دوليا لحمايتهم.  
وبعد أسابيع من حملات التحالف الجوية على إرهابيي داعش في  سورية والعراق، ثبتت صحة الاقتناع أنه لن يحسم المعركة، وأن هشاشة المُكون السياسي في خطة عمله ستحرمه القبول الشعبي، وستسهل مهمة الحواضن الداعشية ضربَ صدقيته وحشد الرفض له، أو التخوف من دوافعه. 
من أجل ذاك لا بد من إعادة تقويم ينتهي إلى تبني العرب للحرب ضد الإرهاب حرباً لهم يوجهونها بتوازنٍ نحو كل الجبهات عسكرياً وسياسياً وفكرياً.
فالنصر يحتاج قوات برية يستطيع العرب تقديمها. وهو يستوجب أيضاً مبادرة سياسية تفرض حلا يوقف تمزق سورية وحراكا يسهم في ضمان سيادة نهج حكم عراقي جامع، ينهي السياسات الإقصائية وتبعاتها، ويعيد لسنة العراق دورهم شريكا في قيادة وطنهم.
سيزداد الانهيار إن ظل الفعل العربي عاجزا. ولا يتطلب تفعيل هذا الدور معجزة. يحتاج اعترافاً بفشل منهجيات التحرك الحالية واستبدالها بعمل عسكري قادر على دحر القوى الإرهابية، وبمبادرة سياسية أوسع توجد آفاقا لحلول شاملة في مناطق الأزمات المشتعلة.
مرة أخرى، الحرب ضد داعش حربنا تحسم على الأرض باستخدام كل ما أُتيح من قوة عسكرية جوية وبرية. والحرب ضد الجهل والتخلف والتطرف حربنا نخوضها بجهد تنويري انفتاحي، يعالج الانغلاق السياسي والجمود الفكري.
 الحكومات قادرةٌ على تجهيز القوى العسكرية الضرورية لهزم داعش ومثيلاتها. والحكومات والقوى المجتمعية تتحمل مشتركةً مسؤولية التصدي للانهيار الحضاري بمواجهة الفكر الظلامي والقهر المجتمعي والتشوهات السياسية والاقتصادية.
أعلنت مصر حالة الطوارئ في سيناء لمواجهة الإرهابيين. هذه الحالة يجب أن تعلن في كل العالم العربي لمواجهة الإرهاب، ولمعالجة الانسداد الحضاري والسياسي الذي أنتجه.



Inscrivez-vous à notre newsletter