« خلطة » حسن نصر الله -صبحي حديدي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 21 novembre 2013

محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني السابق، غادر المنصب السياسي، وتوجّب أن تغادر معه (لا أن يصطحبها هو، بالضرورة!) تلك التخاريف الطريفة التي اقترنت بخطابه السياسي والعقائدي؛ حول « الإمام المهدي الذي يدير العالم ونرى يده المدبّرة في شؤون البلاد كافة »، بما في ذلك نصر إيران على العراق، وتقدّم البرنامج النووي الإيراني؛ أو « هالة النور »، التي زعم أنها تحيط به كلما خطب؛ أو تهديد الاحتلال الأمريكي في العراق بـ »يد الله »، التي سوف « ترفع جذور الظلم عن العالم ». والإنصاف يقتضي القول إنّ تلك الهلوسات أثارت حفيظة بعض ممثّلي التيّار المحافظ أنفسهم، كما في تعليق حجة الإسلام غلام رضا مصباحي، على سبيل المثال فقط: «  »مؤكد أنّ المهدي المنتظر لا يقرّ التضخم الذي بلغ 20 في المئة، وغلاء المعيشة، والكثير غيرهما من الأخطاء ».

توجّب أيضاً أن يصمت، وإنْ إلى حين، أولئك الذين كانوا يغرّدون في السرب ذاته، ضمن الصفّ المحافظ الملتفّ حول نجاد، أمثال غلام علي حداد عادل، الرئيس الأسبق للبرلمان الإيراني، والأوّل غير المعمم، عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس الشورى والمجلس الأعلى للثورة الثقافية، حامل الدكتوراه في الفيزياء والفلسفة، والمرشح للانتخابات الرئاسية الأخيرة… ولعلّ أشهر هلوسات صاحبنا هذا، ذلك التصريح الذي أطلقه سنة 2006، حين كان يتسيّد البرلمان، وكانت إسرائيل لا تُبقي حجراً على حجر في لبنان: « الحرب بدأت لتوّها »، ومعها « بدأ يوم القيامة »، « وجاء يوم عودة الفلسطينيين إلى ديارهم ووطنهم وكذلك عودة الإسرائيليين إلى البلاد التي جاءوا منها أصلاً »! وإذْ أوضح أننا « سنؤدي صلاة الشكر في القدس قريباً إن شاء الله »، بشّرنا لا فُضّ فوه بأنّ « دماء آية الله الخميني تجري في عروق نصر الله »، ولهذا « لن تكون هناك بقعة في الأراضي المحتلة بمأمن من هجمات حزب الله »…

بيد أنّ هذا الطراز من خطاب الاستيهام غاب عن الواجهة الأولى في إيران، لكي يتواصل، أو تظهر تنويعات شتى عليه، في أماكن أخرى مترامية، لعلّ لبنان أبرزها وأشدّها سخونة، أو سعاراً بالأحرى؛ ولعلّ الإطلالات الجماهيرية التي دأب عليها حسن نصر الله، الأمين العام لـ »حزب الله »، أعلاها تمثيلاً لروحيّة ذلك الخطاب، وأكثرها إدراكاً لوظائفه، وإحياءً لمفرداته. والمرء يتذكّر ذلك الإفراط الشديد في تلميع صورة نجاد، أثناء زيارته إلى لبنان قبل ثلاث سنوات، وكيف أنّ تضخيم سجاياه القيادية، ورفع خصاله الشخصية إلى سوية رفيعة (السند العظيم للمقاومين والمجاهدين والمظلومين) بدا وكأنه باغت الرئيس الإيراني السابق نفسه. حصّة نصر الله، في ذلك التلميع، كانت مشهودة حقاً: « نشمّ بك يا سيادة الرئيس رائحة الإمام الخميني المقدّس، ونتلمس فيك أنفاس قائدنا الخامنئي الحكيم، ونرى في وجهك وجوه كلّ الإيرانيين الشرفاء من أبناء شعبك العظيم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه في كلّ الساحات، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا ».

الأرجح، اتكاءً على منطق حسابي وأخلاقي بسيط، أنّ الإيرانيين الذين لم يصوّتوا لأحمدي نجاد في ترشّحه الثاني للانتخابات الرئاسية (وهم في عداد « الإيرانيين الشرفاء » الذين تحدّث عنهم نصر الله، في المنطق الحسابي والأخلاقي البسيط هنا أيضاً)، لم يذهبوا مذهب الأمين العام لـ »حزب الله » في ذلك التفخيم للرجل؛ تماماً كما كان العديد من السوريين قد نظروا بمرارة، وباستنكار، إلى عبارات مثل « سورية حافظ الأسد » و »سورية بشار الأسد » كان نصر الله قد اعتاد النطق بها في خطب سابقة. هذا بمعزل عن احتمالات مواقف عكسية تصدر عن مرجعيات دينية عليا في إيران، على غرار حجة الإسلام مصباحي، قد تأبى على نصر الله شمّ رائحة الخميني، أو تلمّس أنفاس خامنئي، في شخص نجاد!

« نريد أن نقول لكلّ عدو ولكلّ صديق، نحن شيعة علي بن أبي طالب في العالم »؛ « ونحن حزب الله. الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثنا عشري، لن نتخلى عن فلسطين »؛ وأيضاً: «  »قولوا رافضة. قولوا إرهابيين. قولوا مجرمين. اقتلونا تحت كل حجر ومدر، وفي كل جبهة، وعلى باب كلّ حسينية ومسجد، نحن شيعة علي بن أبي طالب! »، هكذا ردّد نصر الله، في آب (أغسطس) الماضي، احتفاءً بيوم القدس. وبالأمس، في يوم عاشوراء، تكررت النغمة ذاتها: « يجب أن نذكّر أمّتنا الإسلامية جمعاء بالقضية المركزية، قضية فلسطين وشعب فلسطين ومقدسات الأمة في فلسطين »؛ ليس دون ربط القتال إلى جانب نظام الاستبداد والفساد ضدّ الشعب السوري، بفلسطين… أيضاً وأيضاً: « إنّ وجود مقاتلينا ومجاهدينا على الأرض السورية، هو بهدف الدفاع عن لبنان والدفاع عن فلسطين وعن القضية الفلسطينية »…

هذه « الخلطة »، بين الإمامية الإثنا عشرية، وإشعال جذوة الحمية المذهبية على النحو الأشدّ استدراراً للشعور العصبوي الجَمْعي الرخيص؛ وادعاء الجهاد (نعم، وليس « المقاومة » هذه المرّة!) على أرض سورية، ضدّ « الإرهابيين » و »التكفيريين »، وليس ضدّ إسرائيل بأية حال من الأحوال؛ ثمّ الدفاع عن لبنان وفلسطين معاً، ولكن من القصير وحلب وسبينة وبيت سحم والسيدة زينب… هي خلطة ضيزى، شائهة زائفة مضلِّلة، لا ينقصها إلا استلهام هستيريا نجاد حول المهدي المنتظَر، أو التماس هالة النور… على جبين البشار الأس



Abonnez-vous à notre newsletter