شباب انتفاضات العرب: لا يراهنن أحد على اضمحلالهم – صبحي حديدي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 12 juillet 2014

هوان كول، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط وجنوب آسيا في جامعة مشيغان الأمريكية، دفع إلى المطبعة، قبل أيام، بكتاب جديد؛ مميّز في موضوعاته واستقصاءاته وخلاصاته، وممتاز في توقيت صدوره أيضاً: «العرب الجدد: كيف يقوم الجيل الألفي بتغيير الشرق الأوسط». هذه الشريحة، بادىء ذي بدء، وكما يشخصها كول، تتألف من مواليد الفترة بين أواخر 1970 ومطالع 2000، ومن هنا الإشارة إلى الألفية؛ وهم قرابة 370 مليون نسمة، أي ثلث العالم العربي أو أكثر قليلاً؛ مدينيون، غالباً، ومتعلمون (وبالتالي ليسوا، بالضرورة، من فئة المثقفين!)، متمرسون في تكنولوجيا الميديا ووسائط التواصل الاجتماعي، والعديد منهم عملوا خارج بلدانهم الأصلية، وفي أوروبا وأمريكا تحديداً؛ كما أنهم، وهذا تفصيل هامّ في الواقع، أقلّ تديّناً من آبائهم، وأكثر انفتاحاً على العالم…
والحال أنّ كتاب كول يستحقّ وقفة، وربما وقفات، مطوّلة ومفصلة لا يتسع لها مقام الرأي هذا؛ ويكفي، هنا، الإشارة إلى ثلاثة إنجازات حققها هذا الجيل، خلال 42 شهراً منذ انتفاضة ميدان التحرير في القاهرة: 1) رفض انبثاق «كارتل» حاكم يقوم على أساس العائلة أو السلالة، ويحكم باسمها، ومن أجل مصالحها، في العالم العربي؛ و2) طيّ صفحة الرئيس الحاكم مدى الحياة، والمنزّه عن المحاسبة، وبالتالي نسف مبدأ «الجملكية»، أي تلك الجمهورية الوراثية التي لا تختلف عن المملكة؛ و3) وضع رؤية جديدة، متعدد الثقافات، على الأجندة العربية الراهنة، مفادها البحث عن أفضل سُبُل تفعيل المجتمع.
ويحذر كول (قارئه الغربي، عموماً، والعاملين في شؤون وشجون الشرق الأوسط، وبينهم صنّاع القرار خصوصاً) من أنّ معظم «الآمال البراقة» في الحرّيات الشخصية وإنهاء حال الركود السياسي والاقتصادي، قد تكون تلاشت، في هذه المرحلة. ولكن: «ضعوا في أذهانكم أنّ حركات التمرد خلال السنوات الثلاث الماضية قادها أبناء الألفية الجديدة، ممّن في مطالع عشرينات الأعمار، وأمامهم عقود من العيش في المستقبل. فلا تسقطوهم من حسابكم، بعدُ. لقد بدأوا، للتوّ فقط، شغل تحويل المنطقة». وبعد مقارنة مع «ربيع براغ»، حول مآلات الانتفاضة الشعبية، لا يتردد كول في عقد مقارنة أخرى، مع الثورة الفرنسية هذه المرّة! أليس صحيحاً، يتساءل، أنّ فرنسا، بعد ثلاث سنوات ونصف على ثورتها، باتت على مبعدة أشهر قليلة من اندلاع تمرّد فلاحي كاثوليكي مؤيد للنظام الملكي، في جنوب منطقة اللوار؟ ألم تترك الحرب الأهلية، مع الجمهوريين، مئات الآلاف من القتلى؟
وحتى تحين مناسبة قادمة، لوقفات أكثر تعمقاً في كتاب كول، أجدني أعود إلى استطلاعات الرأي العامّ العربي السنوية، التي تنفّذها جامعة ماريلاند الأمريكية؛ بالتعاون مع مؤسسة «زغبي إنترناشنل»، وبإشراف الدكتور شبلي تلحمي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة والزميل غير المقيم في مركز حاييم صبّان، معهد بروكنغز. هنالك، غنيّ عن القول، لائحة طويلة بالمظانّ، المنهجية وغيرها، التي يمكن سوقها للطعن في مصداقية تلك الاستطلاعات، ولكنّ الغياب شبه التامّ لاستطلاعات ذات مصداقية ترسم بيانات الرأي العام العربي، فإنّ ما يقوم به البروفيسور تلحمي وفريقه يرتدي أهمية بالغة، ويستحقّ أقصى الاهتمام من جانب جميع الأطراف المعنيّة بالوقوف على نبض الشارع العربي: أوساط المعارضات العربية، قبل أجهزة استخبارات الأنظمة؛ ومراكز البحث العربية، على ضعف حيلتها وقلّة مواردها، قبل معاهد كونية كبرى مثل «بروكنغز» «وكارنيغي» و»معهد واشنطن».
والإنصاف يقتضي التنويه إلى أنّ الخلاصات التي تنتهي إليها استطلاعات جامعة ماريلاند تلقى انتباهاً خاصاً من خبراء البيت الأبيض، بصدد طائفة كبرى من معضلات الشرق الأوسط. (تردّد، ذات يوم، أنّ الضغوطات الشديدة التي مارستها الإدارة الأمريكية الحالية على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لإجراء الإنتخابات التشريعية الفلسطينية، إنما نهضت على استطلاع مماثل للرأي العامّ الفلسطيني، أشار بوضوح إلى أنّ «فتح» سوف تتفوّق على «حماس» وتستأثر بأغلبية مطلقة في المجلس!). كيف لا، واستطلاعات ماريلاند، حول موقف الشارع الشعبي العربي من الولايات المتحدة، تشير إلى المعطيات التالية مثلاً: 83٪ يحملون رأياً مناهضاً لأمريكا، و70٪ ليس لديهم أيّ مقدار من الثقة في سياساتها الشرق ـ أوسطية، و18٪ فقط يعتقدون أنّ باراك أوباما يمكن أن يجلب السلام إلى المنطقة!
في مقابل هذه النسبة الطاغية من انعدام الثقة في أمريكا، يؤكد 47٪ أنّ إسرائيل تعمل من اجل مصالحها، وليس لخدمة مصالح أية دولة أخرى، بما في ذلك امريكا؛ مقابل 20٪، يعتقدون أنّ إسرائيل مجرّد أداة في يد واشنطن. ومن جانب آخر، لم يكن يلوح البتة أنّ الشارع العربي يتوجس خيفة من إيران، ولا يعتبرها خطراً داهماً: 92٪ يؤمنون أنّ لإيران الحقّ في تصنيع السلاح النووي، وغالبية الآراء ترفض الضغوط الدولية على طهران لإيقاف برامجها النووية، كما أنّ 44٪ يعتقدون أنّه لو تمكنت إيران من تصنيع قنبلة نووية، فإنّ النتيجة ستكون أكثر إيجابية للمنطقة، وليس أكثر سلبية.
ومن أجل استكمال الصورة، كما يسعى إلى ترسيمها كتاب كول واستطلاعات ماريلاند، لعلّ من المفيد العودة إلى دراسة رائدة في هذا المضمار، بعنوان «الشارع العربي: الرأي العامّ في العالم العربي»، كتبها دافيد بولوك وصدرت سنة 1992 عن «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط». هنا ثلاث توصيات، بين أخرى عديدة، خلص إليها بولوك: 1) الشارع العربي ليس خرافة قوموية أو ثوروية أو رومانتيكية، بل هو موجود وقابل للقياس، فلا تتجاهلوه ولا تقللوا من قيمته قياساً على «عطالة» ظاهرية؛ و2) الرأي العام العربي أبعد ما يكون عن التجانس والوحدة والثبات، حتى في مسائل متفجرة مثل الإسلام والديمقراطية، فلا تضعوا كلّ الرأي العامّ العربي في سلّة واحدة؛ و3) النُخَب العربية جريحة بهذا القدر أو ذاك، في هذه الإشكالية الايديولوجية أو تلك، هنا أو هناك، ولكن حذار… النخبة شيء (هامّ للغاية، بطبيعة الحال) والشارع شيء آخر. لا تدعوا كوابيس الأحلام المنكسرة عند المثقف تحجب هدير الشارع في ساعات الصباح الأولى أو نهايات يوم عمل شاق بحثاً عن اللقمة، وافتحوا كلّ العيون على المساجد والأزقة والمقاهي وملاعب كرة القدم!
وفي العودة إلى آراء كول، ثمة ذلك اليقين الراسخ لدى الرجل، حول حاجة ثورات الشباب العربية إلى عقدين من الزمن كي تؤتي ثمارها؛ خاصة وأنّ مقولة «الشباب» سوف تضم، على الدوام، شرائح متباينة من السكان؛ دون أن تتوقف عن إفراز نشطاء جدد، مقابل أولئك الذين تغيّبهم السلطات في سياق الحراك الشعبي. ومن الضروري استذكار ديناميات تطوير الشعارات الشبابية، حين تبدأ من «الشعب يريد إسقاط النظام» و»خبز، عيش: حرّية» في مصر، ولا تنتهي ـ كما للمرء أن يضيف، في متابعة المشهد ـ من شعارات الانتفاضة السورية التي شدّدت منذ البدء على الوحدة الوطنية، أي في الاتجاه النقيض لما كان النظام يسير إليه: تفريق الشعب، وفق خطوط دينية ومناطقية وإثنية وطائفية.
وذات يوم أصيب مارتن إنديك، الذي شغل مناصب عديدة هامة بينها مستشار الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي، والسفير في إسرائيل مرّتين، بدهشة بالغة إزاء استطلاعات الرأي العام العربي: عجيب هذا البون الشاسع بين الرأي العام العربي وسياسات الحكومات العربية، تساءل إنديك… وكأنه لا يعرف ماذا، ومَن، ترعى واشنطن في كراسي حكم العرب!



Inscrivez-vous à notre newsletter