عقود «الحركة التصحيحية»: بشائر المستقبل بعد ويلات الماضي – صبحي حديدي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 21 novembre 2014

عقود «الحركة التصحيحية»: بشائر المستقبل بعد ويلات الماضي – صبحي حديدي

في مناسبة اليوم العالمي للطفل، أو حقوق الطفل، ضمن صيغة أخرى لإحياء المناسبة؛ رصدت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» الإحصائيات التالية حول الطفل السوري: مقتل 17.268 بأيدي قوّات النظام المختلفة، بينهم 518 برصاص القناصة؛ واعتقال 9500، قضى منهم تحت التعذيب ما لا يقلّ عن 95 طفلاً؛ وجرح 280 ألفاً، ونزوح 4.7 مليون، وحرمان 2.9 مليون طفل لاجىء، ومليونَيْ طفل داخل سوريا، من التعليم. هنالك، إلى هذا، 18.273 تيتموا لجهة الأب، و4573 لجهة الأمّ، ضحايا قوّات النظام في الحالتين؛ كما ولد في مخيمات اللجوء قرابة 85 ألف طفل. فصائل المعارضة المسلحة المختلفة كانت، من جانبها، مسؤولة عن مقتل 304 أطفال، و»داعش» قتلت ما لا يقلّ عن 137 طفلاً، واعتقلت 455، وجندت المئات…
كلّ هذه الويلات، فضلاً عن أكثر من 130 ألف قتيل، وتخريب الزرع والضرع والحجر والعمران والبنى التحتية واقتصاد البشر وأوابد التاريخ؛ وقعت دفاعاً عن بقاء نظام «الحركة التصحيحية»، ذلك الانقلاب العسكري الذي نفّذه حافظ الأسد ضدّ رفاقه في الحزب والحكم، والذي مرّت، يوم 16 من هذا الشهر، 44 سنة على جثومه فوق صدور السوريين: 30 سنة تحت نير حافظ الأسد، و14 سنة تولاها وريثه بشار. ومنذ العلائم الأولى لابتداء سيرورة إعداد الإبن الثاني لوراثة الأب، بعد مقتل الإبن الأوّل، باسل، سنة 1994؛ كنتُ، وهكذا أظلّ اليوم أيضاً، في صفّ الذين آمنوا بأنّ الوريث ليس سوى وليد الماضي، كما أنه صنيعته ورهينته في آن معاً؛ ولا مفرّ له من أن يحكم في إهاب المشارك الفاعل والأساسي في عمليات إعادة إنتاج الماضي وتكريسه وشرعنته، وإسباغ القدسية عليه أيضاً.
كما آمنت، استطراداً، أنّ نظام الأسد الابن، لأنه استمرار صرف لنظام الأسد الأب، ولأنه معدَّل نحو الأسوأ في بنود كثيرة؛ لن يكون عاجزاً عن التطوير والتحديث والتغيير والإصلاح، وسوى هذه من مفردات جرى التشدّق بها في تدشين التوريث، فحسب؛ بل يظلّ، من حيث طبيعته البنيوية ذاتها، مناهضاً لعناصر التبدّل تلك، عازفاً عنها إرادياً، ومعادياً لها موضوعياً: أية بارقة تحوّل جوهري سوف تهزّ الكثير من أركان عمارة النظام، ولعلها تؤذن بأولى علائم تفسّخه وتداعيه. ولقد احتاج الأمر إلى أسابيع قليلة ـ أعقبت كارنفالات التهريج على مقاعد ما يُسمّى «مجلس الشعب»، وتعديل الدستور (الهزيل، الفردي، الدكتاتوري… الذي فُصّل على قياس الأسد الأب نفسه!) بما يلائم سنّ الإبن الذي لم يكن قد بلغ الأربعين يومذاك ـ حتى أثبت الوريث أنه أبن أبيه، في الاستبداد والفساد والسلطة العائلية والتخريب الوطني والحشد الطائفي… بل زاد على الأب، وبزّه، في التشبث بسلطة متوّجة بالدماء والجماجم والخراب والكوارث.
ففي المناسبة الدستورية الأولى لعهده، أي الاستفتاء الرئاسي، كانت الموافقة بنسبة 97.29٪ بمثابة لطمة عنيفة ذكّرت المواطن السوري بما كان يتكرّر في الماضي من نِسَب مماثلة عند التجديد لانتخاب الأسد الأب؛ الأمر الذي شكّل، في كلّ مرّة، مصادرة صريحة للعقل الطبيعي والمنطق السليم. وكانت تلك النتيجة تؤكد سريان مبدأ انطباق الحافر على الحافر، لجهة علاقة السلطة مع الشعب، ثمّ مع القانون والشرعية والحقّ؛ كما كانت خطوة، مبكرة وفورية، على طريق وضع سوريا في فجر السنة الأولى من عقود «الحركة التصحيحية ـ 2».
وفي المناسبة الدستورية الثانية، أي خطاب القسم الشهير، أعلن الأسد أنه لا يملك «عصا سحرية لتحقيق المعجزات». وفي الواقع لم يكن أحد يطالبه بإشهار عصا سحرية، أو يفترض الحاجة إليها؛ قبل أن يتمكن «الرئيس الشاب» ـ كما كان يُلّقب، حتى في أوساط بعض المعارضين ـ من إلزام نفسه أمام الشعب بإلغاء الأحكام العرفية، أو إعادة تنظيم الحياة السياسية بما يكفل بعض التعددية وبعض الحريات في التعبير والتجمّع والتنظيم، أو إصدار عفو عام، أو سنّ جملة من القوانية الإدارية والتنظيمية «التي بات المجتمع بحاجة ماسة إليها»، على سبيل الأمثلة فقط.
وفي المناسبة الدستورية الثالثة، أي بدء أعمال ما يُسمّى «مجلس الشعب» الجديد، ربيع 2003؛ شنّ الأسد حملة شعواء على المعارضة السورية، بحيث بدا وكأنها السبب الوحيد في بلاء سوريا، والورم الخبيث الذي يتوجب استئصاله على الفور، دون تهاون أو شفقة أو تردد! النظام، الرأكد العاجز عن التبدّل والتطوّر والإصلاح، ليس جوهر المشكلة، أو أمّ المشكلات جميعاً؛ بل هي المعارضة التي تجهل معنى مصطلح الديمقراطية، أو تسيء فهمه، أو تطرحه في غير أوانه. والفاسدون، الذين ينهبون الوطن ويستنزفون طاقاته وثرواته، ليسوا مصدر قلق أو سخط؛ بل هم المعارضون الذين يرون أنّ الديمقراطية «حلّ لعقدهم النفسية على حساب الآخرين»!
في السياسة الخارجية لـ»الحركة التصحيحية»، كانت تسعة أعشار الخطوط العريضة التي صاغها الأسد الأب مسخّرة لخدمة الهدف الأكبر والأساسي، أي الحفاظ على أمن النظام واستمراره في البقاء، وخلق شروط داخلية وإقليمية تُكسبه ما أمكن من أسباب القوّة والمنعة والقدرة على المناورة الواسعة، وتنظيم الهجوم المضادّ في الوقت المناسب. هدف آخر، مكمِّل في الواقع، كان يسعى إلى ضمان سكوت القوى الكبرى عن سياسات الاستبداد والبطش وقهر الحرّيات التي يمارسها النظام ضدّ الشعب في الداخل (وأبرز الأمثلة عليه ذلك السكوت الدولي الفاضح عن حملات الاعتقال المتواصلة، وسلسلة المجازر التي ارتكبها النظام بين 1979 و1982، خصوصاً مجزرة حماة، 1982).
كذلك توجّب أن تخلق السياسة الخارجية ما يشبه الاقتصاد التمويلي، كما في ابتزاز مجلس التعاون الخليجي عن طريق التحالف مع إيران أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية. وتوجّب أن تُستثمر جميع خيارات السياسة الخارجية في تحويل النظام إلى لاعب إقليمي لا يُستغنى عنه، سواء عن طريق تقديم الخدمات (المشاركة عسكرياً في تحالف «حفر الباطن»)، أو التلويح بإفساد هذه اللعبة أو تلك (بسط السيطرة على لبنان، وتوظيف ورقة «حزب الله» بصفة خاصة، واحتضان «جبهة الرفض» الفلسطينية، وتحويل القضايا الكردية إلى ورقة مقايضة وضغط على تركيا والعراق عن طريق رعاية «حزب العمال الكردستاني» أو دعم جلال الطالباني، أو تطويع بعض التنظيمات السياسية الكردية في منطقة الجزيرة…).
وبالطبع، كان من البديهي أن تدخل في هذا المخطط رغبة جامحة، في استرداد ما يمكن من أرض الجولان المحتلّ؛ خصوصاً وأنّ الأسد الأب كان وزير الدفاع حين سقطت الهضبة تحت الاحتلال الإسرائيلي، خلال هزيمة 1967، وكان رئيس الجمهورية حين خسرت سوريا المزيد من الأراضي والهضاب والتلال الستراتيجية في حرب تشرين 1973. وطيلة أربعة عقود ونيف من حكم «الحركة التصحيحية»، عرف خطاب السلطة الكثير من المصطلحات القوموية المتنافرة المتضاربة، والجوفاء الزائفة؛ مثل «فلسطين قبل الجولان»، و»التوازن الستراتيجي»، و»السلام العادل الشامل». ولكنه أيضاً شهد افتضاح المقولات، وانكشاف الشروط، وتحرّر اللغة من المحرّمات؛ وذلك منذ أن نطق الأسد الأب بـ»كلمة السحر»، على حدّ تعبير المعلّق الإسرائيلي زئيف شيف، في لقائيه مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون (جنيف ودمشق)، حين أعلن أنّ «السلام خيار سوريا الستراتيجي، ولا رجعة عنه».
وإذْ ترتبط ويلات الطفل السوري، اليوم، بويلات سوريا كلها، على امتداد 44 سنة؛ فإنّ هذا الماضي لا يستقبل أواخر أيام «الحركة التصحيحية»، ويؤشر على احتضار استبدادها وفسادها وحكمها العائلي، فقط؛ بل يبشّر السوريين بآخر الأحزان، أيضاً، وختام الآلام.



Abonnez-vous à notre newsletter