محمد شطح والاعتدال العربي الحقيقي – مروان المعشر

Article  •  Publié sur Souria Houria le 5 janvier 2014

فقد لبنان والعالم العربي الأسبوع الماضي رمزا من رموز الفكر المستنير، والعلم المستند إلى ثقافة عميقة ومتأصلة، تعمل من أجل مجتمع منفتح تعددي، متسالم مع نفسه ومع الآخرين. رمز كان يؤمن بالكلمة والمنطق وسيلة للإقناع، وبنظافة اليد والعمل الجاد والدؤوب طريقا ومثالا للآخرين. وفقدت شخصيا صديقا عزيزا زاملته سفيرا في واشنطن وآمنت معه بعالم عربي، غير ما شهدناه ونشهده من استبداد واحتكار للحقيقة وإقصائية في الفكر، وعنف وظلامية وتكفير وتخوين.
يبدو للوهلة الأولى أن الفكر المستنير، الذي يطالب بحكم رشيد ونظيف، مؤمن بحق الجميع في العمل على الأرض، لا يحتكر الحقيقة والدين، لا يكفر ويخون، لا يحظى بتأييد القوى السياسية الفاعلة على الأرض، لا القوى المدنية الاقصائية، التي حكمت العالم العربي لعقود، دون أنظمة فاعلة من الرقابة والمساءلة والمحاسبة، ولا القوى المدنية المعارضة والناشئة، التي تؤمن بالديمقراطية الانتقائية، طالما تحقق وصولها فقط للسلطة، وبالتأكيد أيضا ليست القوى المعارضة الدينية، التي نصب البعض منها نفسه أمينا على الدين، واستخدم البعض الآخر السلاح وسيلة لإسكات كل صوت معارض لصوته حين أخفقت حجته.
لقد أفلحت كافة هذه القوى المتناقضة في تعريف الاعتدال العربي، كما تراه هي، ووضعه في خانة المدافع أو المستكين أو المرعوب. فقد وصفته قوى المعارضة بالمهادن للسلطة، أو المنبطح للغرب، أو المستورد لديمقراطية لا تصلح للعالم العربي، أو العلماني الذي لا يؤمن بالدين أو المتحالف مع الصهيونية، أو غيرها من النعوتات، التي من شأنها تشويه صورة هذا الاعتدال، أمام الرأي العام، وعدم السماح له بمنافسة هذه القوى، بينما طلبت القوى الحاكمة من أصحاب الفكر المعتدل المنفتح اقتصار هذا الفكر على الأمور الاقتصادية والثقافية، وغض النظر عن أية مطالب سياسية تتعلق بالحكم الرشيد، وتوسيع قاعدة صنع القرار والمحاربة المؤسسية والفاعلة للفساد. وعللت القوى الحاكمة طلبها هذا بانها تمثل خيارا افضل للمجتمع من قوى المعارضة، الدينية منها والمدنية. ولغياب الفكر المؤسسي والمنهجي والمنظم لقوى الاعتدال الحقيقي، فقد نجح أعداؤها بتصويرها بأنها قوى نخبوية مهادنة، تمسك العصا من النصف، حتى غدت الليبرالية التي تؤمن بالحريات وحقوق الإنسان والتعددية كلمة سلبية، بل أننا استنبطنا مفاهيم جديدة في الأردن، فأصبح من يؤمن بالأرقام جاهلا، ومن يعتمد الإنشاء اللفظي منقذا ووطنيا.
ليست القوى السائدة في العالم العربي وحدها الملامة، في وضع قوى الاعتدال في قفص الاتهام، بل قوى الاعتدال تتحمل أيضاً قسطا وافرا من هذه الملامة، حين سمحت للآخرين تعريفها، عوض ان تقوم هي بتعريف نفسها، وحين سمحت لنفسها ان تبقى مهادنة لسلطة رغم تجاوزاتها خوفا من فقدان امتيازاتها، أو مرعوبة من معارضة، تستخدم الدين حينا، وسيلة للتكفير، والسلاح حينا آخر، لإسكات الفكر والكلمة.
حان الوقت للفكر المستنير المنفتح النظيف، التعددي لأن يتخلص من مهادنته وخوفه في نفس الوقت، ولتجميع رموزه في تنظيمات سياسية سلمية تعمل على الأرض، وتقدم برامج للناس، تعبر عما اعتقد انه يمثل الغالبية من المواطنين، برامج تعمل لإيجاد الحلول لمشاكل الناس الاقتصادية، والسياسية ضمن أطر فكرية تحترم التعددية السياسية والثقافية والدينية للمجتمعات العربية عملا لا لفظا.
لا أعتقد، للحظة، أن الشارع العربي يريد للقوى الإقصائية، من معارضة وحاكمة، الاستمرار في هذا النهج، الذي اصبح واضحا انه يقود العالم العربي نحو ظلامية، لن يخرج منها لوقت طويل، وهو نهج ليس سببه الربيع العربي، كما يحلو للبعض تصويره، ولكنه نتيجة حتمية لقوى حاكمة لم تول للتعددية والتحول الديمقراطي أي اهتمام يذكر، ومعارضة دينية انشغلت بتفسير الدين، على هواها، أكثر من انشغالها بأمور الناس، أو استخدمت العنف في دليل على إفلاسها الفكري.
حان الوقت لأن يخرج الاعتدال العربي الإيجابي من الشرنقة، التي حاكها الآخرون له، وأن يعلي الصوت ويشمر عن يديه، وان يؤسس لثقافة تعددية، علن طريق البناء المؤسسي، وتغيير النظام التعليمي ووضع الحلول العلمية لمشاكل الناس. لقد مللت من التعليقات التي أسمعها كل يوم، ممن حولي لدى معرفتهم نيتي الرجوع للأردن. أغلبها تعتقد أن العالم العربي ميئوس منه، ولا مجال فيه للتعددية وحرية الفكر والإبداع. بدوري أقول إن من يعتقد بهذا يساهم في تحقيق هذه النتيجة، وفي تسليم العالم العربي لقوى الظلامية والرجعية والإقصائية والتخوينية والتكفيرية.
حتى تحقق قوى الاعتدال ذلك، يجب أن تظهر إيمانا قاطعا بالديمقراطية، في كافة الأوقات، لا بالديمقراطية الانتقائية، كما نشهد في مصر مثلا.
قد يحتاج هذا الجهد لعقود من الزمن، ولكن من يتسلح بالعلم والثقافة، فان حيطه ليس واطيا، ومن يعمل ويده نظيفة، فان حيطه ليس واطيا، ومن يعتمد العمل على الأرض والاتصال مع الناس، فان حيطه ليس واطيا، ولا يحتاج ان يكون مرعوبا بعد اليوم. الحيط الواطي للفاسد والجاهل والتكفيري، ان عملنا جديا لتغيير قيم اجتماعية، فرضت علينا، إما بالسلاح أو الترهيب.
هذه خيارات قوى الاعتدال، وهو خيار الشارع العربي، وهو وحده من يقرر ان كنا سائرين نحو الجهل والظلامية أو نحو الاستقرار والازدهار والتعددية والإبداع.
محمد شطح دفع حياته ثمنا لمجتمع عربي افضل. ان لم تنظم قوى الاعتدال نفسها، سيدفع الكثيرون من اصحاب العلم والثقافة والحكمة، امثال محمد شطح، حياتهم، قبل ان نعمل بجد من اجل مستقبل مختلف. مستقبل العالم العربي لا يجوز ان يبقى مرهونا بمن يستخدم السلاح، لا الكلمة، وبمن يمارس الاقصائية لا التشاركية. ليست هناك نتيجة حتمية إلا بالقدر الذي نعمل -أو لا نعمل- فيه من اجلها.  الخيار لنا.



Inscrivez-vous à notre newsletter