محنة المسيحيين ومحنة أوطانهم – جميل النمري

Article  •  Publié sur Souria Houria le 25 juillet 2014

ليست محنة المسيحيين وحدهم، بل محنة أوطانهم التي ابتليت بهذا الانهيار الكارثي السياسي الثقافي الاجتماعي، وآخر إفرازاته تنظيم « داعش » الذي تجاوز حدود الخيال في الإجرام والقتل والقسوة والحقارة. كانوا يعدمون بلا أدنى وازع من ضمير، فرديا وبالجملة، من يقع تحت أيديهم، وخصوصا أفراد الفصائل الأخرى حتى الإسلامية منها، بما في ذلك « جبهة النصرة » وهي من نفس المنبت. ودمروا كل معلم حضاري من تلك المعالم التي عبرت سالمة كل محطات التاريخ من حروب وغزوات، بما فيها اجتياح التتار، من دون ذرة مسؤولية أو ضمير. ويا لوجع قلب من أقاموا مرة في فندق حلب التاريخي، وهم يرون درّة من درر المدينة التاريخية يفجر كله في ثوان.
وها قد أتى الدور على مسيحيي الموصل؛ أبنائها العريقين المعروفين، الذين لم يحدث لهم أبدا في أي من العصور التي تعاقبت ما يحدث لهم الآن على يد « داعش » من استئصال كلي. ولعل عمليات التفجير للكنائس، والاغتيالات والخطف والابتزاز، كانت قد طالتهم مع بقية الفئات، وأدت إلى هجرة أعداد غفيرة. لكن الأقلية التي صمدت، لم تتخيل أبدا أن تصل إلى هذا المصير.
سلوك « داعش » كان عنصريا إجراميا منذ البداية؛ فجروا الكنائس والحسينيات، وقتلوا بلا رحمة ليس الأسرى من الجنود فقط، بل أيضا موظفين وحرسا لم يقاتلوا، وكانو يريدون العودة لأهاليهم، فقبضوا عليهم وأعدموهم كروافض في مشاهد تقشعر لها الأبدان. ثم جاء الدور على المسيحيين، ويا للصدفة بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي الاجرامي على غزة. فبينما العالم يشهد قصف أحياء غزة وتنزيل البيوت على رؤوس أصحابها، تفرغ « داعش » لإنذار مسيحيي الموصل بالاختيار بين الجزية أو الذبح أو النزوح؛ فأي هدية للصهاينة قدمها التنظيم وهو كان يفتي بأن الله لم يأمرنا بمقاتلة اليهود؟! لكن، ألم يأمركم الله بمقاتلة من يقاتلونكم ويخرجونكم من دياركم؟ ومن غير الصهاينة جدير بهمتكم الجهادية العالية ونخوتكم الدينية المتشددة؟! أي جبن ونذالة في التعرض لأبناء نفس الوطن، للمواطنين المسالمين العزل من أي شيء سوى الانتماء النزيه للبلد، والثقافة العريقة وخبرات العمل الصالح؟!
مشاهد الحملة على المسيحيين حفلت بكل معنى النذالة وانعدام الشرف والكرامة. جردوا المغادرين، ومنهم النساء، عند الحواجز من كل مال أو متاع، بما في ذلك الهوية الشخصية، ومن يحتج كان يجندل صريعا. ونقلت وكالات الأنباء تصريحات لشخص وحيد رفض المغادرة وأصر على البقاء في بيته العاري من أي شيء، قائلا: لا حياة لي خارج بلدي. لكن « الداعشيين » لم يكذبوا خبرا، فذهبوا إليه وجزوا رأسه، ولوحوا به فرحين أمام الكاميرات. وقبل إعلانهم المشؤوم، كانوا يجتاحون بيوتا ويعيثون فيها فسادا، واغتصبت مجموعة منهم زوجة وابنة كاهن أمام عينه، فلم يحتمل الأمر وانتحر.
لن تطول إقامة « داعش » الكارثية، والمسيحيون سيرجعون إلى بلدهم. لكن المتوقع، مع الأسف، أن كثيرين في الأثناء سيتدبرون أمر الهجرة أو الإقامة في مناطق أخرى، وسيكون صعبا عودتهم إلى الصفر في وطنهم. وهكذا تتحقق واقعيا كنتيجة للحملة القذرة الراهنة، مقولة تفريغ المشرق العربي من مسيحييه.
والسؤال، بل النداء الآن إلى سنّيي الموصل وشرق العراق، أين أنتم؟! ألم تقولوا لنا إن الثورة هي ثورة الجميع من أبناء العشائر والجيش السابق والبعثيين والقوى السياسية الأخرى، وإن المالكي ينفخ في اسم « داعش » ويجعله مسؤولا ليرهب به العالم ويجعل التنظيم الخصم الذي على العالم أن يختار بينه وبين المالكي؟!
صحيح، هذا ما يريده المالكي كما أراده بشار الأسد، لكن ها هو « داعش » يعلن سلطته ويمارسها ويقرر تطهير بلدكم من أبناء وطنكم العراقيين المسيحيين، فأين أنتم إذا كان « داعش » لا يحكم؟! وجود « داعش » هو حكم بإعدامكم وفشل قضيتكم؛ فأسمعونا صوتكم، بل أرونا هبتكم ضد هذه الفئة المجرمة.

http://www.alghad.com/members/42-%D8%AC%D9%85%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B1%D9%8A



Inscrivez-vous à notre newsletter