مسيحيو الشرق مسؤولية الشرق وأهله – خالد الحروب

Article  •  Publié sur Souria Houria le 11 septembre 2014

لا يحتاج مسيحيو المنطقة العربية الى شهادة حسن سيرة وسلوك من مسلميها في سياق صد الحملات الداعشية والطائفية عليهم وعلى غيرهم من الطوائف والأديان والمعتقدات التي يريد استئصالها الفكر الداعشي ومنظماته وداعموه.
كما لا يحتاجون الى « خطاب التسامح » لأن مثل هذا الخطاب ينطوي على فرضية مسبقة وكأن الطرف المُتسامح معه ارتكب خطئية ما، ولكن الطرف المتسامح يبدي اخلاقا عالية ويمارس تسامحه الفوقي على تلك الخطئية.
الخطاب الوحيد الذي يحفظ كرامة الجميع في المجتمعات المتعددة الاديان والطوائف والاثنيات هو « خطاب التعايش »، ففي هذا الخطاب يتساوى الجميع ويقفون بهاماتهم عالية ومتكافئة لا يضمن ولا يمن احد فيهم على الثاني بـ « التسامح » بل يقر بالتعايش القائم على الاحترام والندية، وكل ذلك امام القانون وفي دوله القائمة على مبدأ المواطنة لا غيره.
عاش مسيحيو الشرق في هذه المنطقة وبلدانها منذ اكثر من الفي سنة، اي قبل الحقبة الاسلامية، وبقوا فيها، وقاتلوا مع اهلها كل الغزوات الخارجية بما فيها الغزوات الصليبية.
وهنا في بلدان المشرق هناك مئات من العائلات ذات التاريخ الطويل زمنيا والامتداد الواسع جغرافيا والتي لا يدلل اسمها على « دينها » فقد تكون مسيحية او مسلمة، ذلك ان افرادها اختاروا ان يبقوا على مسيحيتهم او يصبحوا مسلمين، وايا ما كان الخيار فإن العائلة بقيت متماسكة حتى يومنا هذا بشقيها.
نعم اختلفت اديان الناس، لكنهم بقوا مجتمعات وشعوبا متعارفة، لم تكن التواريخ والحقب الزمنية وردية بالتمام والكمال، وكانت هناك فترات من التعصب والعنصرية، لكن الزخم العريض للاجتماع الاهلي كان في الوسط المعتدل والمتعايش.
وصحيح ان مسيحيي المشرق صاروا أقلية، لكن ذلك لم يقلل من اكتمال اهليتهم التاريخية ولا انتمائهم الذي لا يجوز لأحد ان يمن عليهم به.
عندما تحتاج اية اقلية ما الى « تسامح » الاكثرية « ورأفتها » تدخل الامور مرحلة المرض والخطر.
وعندما تشعر الاقلية بأنها في خطر لمجرد انها مختلفة عن الاكثرية فإن الامور تكون مهددة بالعفن الخطير.
والاخبار التي تأتي من هنا وهناك بشأن انعقاد مؤتمرات وتأسيس مبادرات للدفاع عن مسيحيي الشرق تخلق مشاعر متناقضة، خاصة عندما تأتي من خارج المنطقة العربية.
فمن ناحية لا يستطيع احد نقض ورفض كل الجهود الآتية من جهات بعضها مخلصة ولا اجندات خفية لها، ومن ناحية ثانية هناك كثير من النفاق والتوظيف السياسي الذي يثير شبهات لها ما يبررها بسبب التجربة التاريخية المريرة مع الغرب، سواء في اوروبا او اميركا. وعوض ان نغرق في تفنيد الجهود واثارة عقلية المؤامرة يمينا وشمالاً، فإن هذا يجب ان يدفعنا لإعادة الطرق وبقوة على بوابات وعينا النائم كي نتحمل مسؤولياتنا تجاه بعضنا البعض، حتى لا نتركها للآخرين.
وفي الجانب المشرق في هذا السياق تجدر الاشارة الى رفض الاكثرية المسيحية في لبنان تحديدا وفي المشرق عموما، ونخبتها وقيادتها الدينية، فكرة اقامة « تحالف الاقليات » وهو ما دعا الية النظام السوري وحلفاؤه.
فمثل هذه الفكرة تعزز مسألة التخندق الطائفي بعيدا عن فضاء المواطنة، وتذهب بالصراع الى امدية بائسة اخرى، فعوض ان يصبح الدفاع عن المسيحيين واية جماعة تستحق الدفاع مسؤولية الجميع، يُعاد ترسيم المهمة وفق خطوط التمايز الديني.
مسؤوليتنا الجماعية هي ان يعيش مسيحيونا بأمان وكرامة، وهو الامر ذاته الذي يحلم به مسلمونا وكل الجميع منا في هذه البقعة المنكوبة من العالم.
تقع علينا نحن اهل المنطقة المسؤولية الكاملة والتامة، قبل ان تكون مسؤولية اي طرف خارجي.
وحتى لا يتم تمييع المسؤولية عبر الحديث العام والفضفاض فإن تلك المسؤولية تبدأ من الناس العاديين، اي الافراد في الحواضر والارياف والحارات، ثم تنتقل الى جميعات المجتمع المدني ومؤسساته واهل الرأي فيه، واخيرا تصل الى الحكومات التي هي افشل الجميع في القيام بأي مسؤولية وطنية، كما اثبتت بجدارة حتى الآن.
القاء اللوم على الحكومات والجهات الرسمية حتى تقوم بما يجب ان تقوم به من مسؤوليات تجاه العنصرية الدينية والطائفية هو هروب الى الامام لا اكثر.
عدد لا يُستهان به من هذه الحكومات والانظمة قائم اساسا على بنية طائفية، لذا لا يُعقل منه ان يقوم بما يناقض بنيته التكوينية.
ومرة اخرى، فإن ما لا نحتاجه في سياق التصدي لهذه المسؤولية هو خطاب التسامح والسماجة في النظرة الى المسيحيين وكأنهم اطفال يحتاجون الى حماية ورعاية.
نحتاج الى خطاب جمعي جديد ومتماسك سواء في شأن مسيحيي الشرق أم في شأن الجماعات الاهلية المتعددة اثنيا وطائفيا، خطاب قوامه واساسه التعايش الندي.
المسيحيون والمسلمون واليهود العرب والأزديون وكل اتباع الاديان لا يمكن أن يتعايشوا إلا على قاعدة المواطنة المتكافئة والتي لا تفرق بين الافراد بحسب اديانهم ومعتقداتهم، بل تمحضهم المساواة والعدالة بكونهم مواطنين كاملي الاهلية امام القانون والدستور.
خطاب المواطنة المتساوية وخطاب الانتماء الى الدولة المدنية هو الوحيد الذي يحمي مسيحيي الشرق ومسلميه وكل مكوناته، سواء اكانوا متدينين ام علمانيين، ويحافظ على انسانيتهم وتكافئهم مع بعضهم البعض.
اي خطاب آخر سوف ينتقص من هذه الطائفة الدينية، أو تلك الاقلية الإثنية، ويعيد التأسيس لنظرة عنصرية ما، سواء دينية أم قومية.



Abonnez-vous à notre newsletter