مواجهة إيران الفارسية… كي تقوم إيران الدولة – خالد الحروب

Article  •  Publié sur Souria Houria le 6 avril 2015

مواجهة إيران الفارسية… كي تقوم إيران الدولة – خالد الحروب

هناك اكثر من إيران وكل منها له عدة أوجه، وهي «إيرانات» متنوعة ومتعددة قد تتكامل أو تتنافر جزئياً، لكنها ليست متناظرة ومتطابقة تماماً، وهي تفرض ضرورة الفهم المركب والمعمق لما نراه اليوم من فيضان وتوتر في آن معاً للنفوذ والتمدد الايراني. وهناك بشكل اساسي ثلاث «إيرانات» يجب الفصل بينها اولاً لغايات الفهم، ثم غايات ترسيم السياسة تجاهها. إيران الاولى هي إيران التوسعية المهجوسة بإحياء الإرث الفارسي الامبرطوري، والمشحونة بالتاريخ الذي يدفع ايران وقادتها ويورطهم في مشروع امبريالي اقليمي دائم. إيران هذه ترى المنطقة كلها تابعة لها، وترى في إيران تلك الدولة التي يجب ان تمتلك مشروعاً امبرطورياً متفوقاً على جوارها، وهذه الـ «ايران» عابرة للحدود بالتعريف. تواردت تمثيلات هذه الإيران الامبرطورية على ألسنة مسؤولين ايرانيين كثر أخيراً، تفاخر بعضهم بسيطرة ايران على اربع عواصم عربية، وتشاوف بعضهم الآخر بأن الجيوش الشعبية التابعة لإيران تجول في طول المنطقة وعرضها. لكن التمثيل الأبرز والاكثر فجاجة جاء قبل اسبوعين على لسان علي يونسي مستشار الرئيس الايراني روحاني عندما تفاخر بأن ايران عادت الى وضعها الامبرطوري الطبيعي، وان العالم برمته اصلاً هو جزء من الشخصية الايرانية، واعتبر ان العراق ليس جزءاً من النفوذ الثقافي لإيران وحسب بل هو جزء من «هوية ايران» وهو «عاصمتها»، وان هذا امر لا يمكن الرجوع عنه لأن العلاقات الجغرافية والثقافية القائمة غير قابلة للإلغاء. إيران الامبراطورية الفارسية إذن تعتبر موقعها الطبيعي هو السيطرة المطلقة على المنطقة وقيادتها، وهي تنظر الى العرب ليس وفق نظرة احتقار وإزدراء لا يتوارى عن التعبير عنها أدباء وفنانون وسياسيون كبار فيها، بل وفق نظرة عنصرية بالمعنى العلمي للكلمة. ثمة تواريخ ماضية وقرون وتجارب مريرة ساهمت وتساهم في الإبقاء على إيران الفارسية هذه. هناك اولاً الإحساس العميق الذي يُشعر كل القوميات تقريباً بالمظلومية التاريخية وفقدان الريادة والإنحسار عن المجد، ومعه لم يندثر ذلك الجرح التاريخي لإنهيار امبراطورية فارس التي بادت مع ظهور الاسلام وانتشاره السريع. حتى الاسلام نفسه ظل حضوره ملتبساً وعلاقته مع الحضارة المنقضية إشكالية وذلك بسبب قدومه على رافعة عربية كانت تاريخيا تقف في صف الخصم والعدو التاريخي. وربما يمكن القول ان اسلاموية بلاد فارس لم تستقر في القرون الماضية لو لم تكن قد تشيعت وضمنت لنفسها تميزاً وافتراقاً واضحاً عن اكثرية العرب (أهل السنّة). على ذلك لعب التشيع دوراً مركزياً في الحفاظ على الخصوصية الفارسية الايرانية التي كانت على الدوام مهمومة بالإفتراق عن العرب (البدو) وعدم الخضوع لهم. القرون اللاحقة التي كانت سمتها سيطرة الامبرطورية العثمانية (السنّية) على الفضاء الاسلامي، لم تكن إلا لتزيد من تسعير النار تحت السطح في بلاد فارس، وتعميق الاحساس بالخسارة التاريخية… مرة امام العرب ومرة امام الاتراك! المشهد الراهن، واحد تجلياته الإجمالية توتر إيران التوسعية اليوم ضد العرب والاتراك معاً، يعيد ترجمة كل الماضي المرير.
ظل ذلك الجرح النرجسي العميق يظهر بين الحين والآخر وبغض النظر عن «شكل الدولة» القائم في ايران. في العصر الحديث مثل الشاهنشاه، ملك الملوك، احد اهم التعبيرات عن ذلك الاحساس الامبراطوري المتوارث، ليس فقط في الحمولات الرمزية الفائضة، بل وايضا وهو الاهم في السياسات الخارجية المُتبناة، والتي اتسمت بالتوسع وإزدراء الجوار العربي وتسنّم موقع «شرطي المنطقة» لعقود طويلة. في عهد الخميني اخذت تلك النزعة التوسعية الفارسية شكلاً دينياً حيث لبست رداء «تصدير الثورة» واستهدفت الجوار المباشر وهو العراق والخليج العربي. صحيح ان صدام حسين كان المُبادر بالحرب ضد ايران وكانت تلك المبادأة قصر نظر، لكن المناخ التأسيسي الذي نشرته ثورة الخميني بخطابها الاستفزازي ليس فقط للعراق بل ولكل الخليج، كان هو المسؤول المباشر عن تلك الحرب الأليمة التي حصدت ملايين وأسست لما نعيشه الآن. وفي الاطوار اللاحقة من حياة «الثورة الايرانية» ومنها اللحظة الراهنة، وجدت «الامبرطورية الفارسية» في مسألة حيازة السلاح النووي البوابة الاهم والاوسع لإستدعاء كل الماضي المجيد وإثبات احقية ايران بالسيطرة الاقليمية واعادتها الى «موقعها الطبيعي» وهو قيادة بلدان الشرق الاوسط واخضاع شعوبها.
ضمن هذا الشعور المتضخم بالذات الامبراطورية يتم توظيف كل المسائل والقضايا التي تطرحها الاحداث الصغيرة (بما فيها، وربما على رأسها قضية فلسطين). وقد لعبت فلسطين ومنذ عهد الخميني فصاعداً الرافعة العاطفية والدينية التي مكنت ايران من فك اقفال عديدة في المنطقة العربية. لكن هذا الدعم، والذي كان جديا وحقيقيا لمنظمات المقاومة مثل «حماس» و»الجهاد الاسلامي»، لا يمكن فهمه الا من زاوية التوسع الاقليمي وتعزيز مكانة ايران، وليس حبا في فلسطين والفلسطينين ولا قضيتهم. وأضعاف ذلك الدعم ما تلقاه «حزب الله» الذي يشكل اليوم الذراع الحقيقية للمشروع الفارسي التوسعي وعلى رافعة «المقاومة والممانعة».
تتماهى مع «ايران الامبرطورية الفارسية» ايران أخرى هي «ايران التشيع السياسي» التي اطلقها الخميني وطرحت نفسها حامية للشيعة ليس فقط في المنطقة، بل وفي العالم بأسره. وهذه الـ «إيران» تتسم بكونها هي ايضا عابرة للحدود ولا تحترم سيادات الدول. واذا كانت ايران الفارسية مهجوسة بإحساس الامبراطورية المهزومة والتي تريد ان تنهض، فإن ايران «التشيع السياسي» مهجوسة بإحساس المذهب الاقلوي المدجج بشعور الاضطهاد والهزيمة، والذي يريد ان ينهض منتقماً مما يراه مظلوميات فرضتها عليه الغالبية العربية السنّية.
مقابل هاتين الـ «إيرانين» السابقتين هناك «ايران» ثالثة هي ايران الدولة ـ الأمة أي nation state التي من المفروض ان تكون ملزمة بالقانون الدولي وتحترم سيادات الدول ولا تستبطن أي مشروع ايديولوجي او امبراطوري متجاوز للحدود، والقائمة على مبدأ المواطنة وليس المذهب. هذه الايران الاخيرة هي اضعف «الايرانات» مع الاسف، وهي ما يجب ان يتم دعمه وتقويته والتعاون معه. صحيح ان هناك تيار عريض وقوي داخل ايران «الدولة الامة» يريد لهذه الاخيرة ان يتصلب عودها وحضورها مقابل ايران الامبرطورية وايران التشيع السياسي، لكنه لا يمتلك قوة خطابات الآخرين وأيديولوجيتهم. كما ليست هناك حدود فاصلة وواضحة بين هذه «الايرانات» الثلاث كما ليس ثمة كتل داخل ايران صارمة الملامح يمثل كل منها «ايرانه» الخاصة به. بل هناك تداخل وغموض في التعريفات حيث تبدو هذه «الايرانات» كثلاث دوائر تتداخل في منطقة الوسط، بما يعني اشتراكها في عناصر عديدة لكن اختلافها في عناصر أخرى.
ما يجب على العرب ان يطالبوا به ويشجعوه ويتعاونوا معه هو ايران الثالثة القائمة على مبدأ الدولة – الامة والتي يكون مواطنوها ايرانيين بالتعريف. وهذه الايران هي وحدها التي يمكن أن تعيش بسلام مع جوارها العربي وتقيم علاقات ليست فقط قائمة على الاحترام والمصالح المشتركة، بل والتعاون ايضاً، والذي يجب ان يصل الى صوغ نظام امن اقليمي يحاصر المخاطر والصراعات. ايران التي تنزع عنها هوس التوسع والسيطرة على عواصم العرب، وإدعاء تمثيل الشرق الاوسط وشعوبه، وانهم جميعا جزء من الهوية والتاريخ الايراني. ربما كان هذا الكلام الآن شعراً ورومانسية لا تتحقق على ارض الواقع ببشاعته، لكن ليس هناك من سبيل إلا لجم ايران التوسعية وتنمية ايران الدولة. والمثال الاوروبي طازج ومُعلم حول دول ومشاريع توسعية، فاشية ونازية، ذات ايديولوجيات عنصرية ومزاعم مظلوميات تاريخية، تم لجمها وتقليم تطرفاتها، وتحولت الى دول أمم رصينة ومحترمة!



Inscrivez-vous à notre newsletter