مَنْ ضحك أخيراً: عبابنة الأردني أم لافروف الروسي؟ صبحي حديدي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 23 septembre 2013

بدأت الحكاية يوم 29 آب (أغسطس) الماضي، حين نشر موقع Mint Press الإخباري، ومقرّه في منيسوتا، الولايات المتحدة، تقريراً يحمل العنوان المثير التالي: ‘سوريون في الغوطة يزعمون أنّ ثوّاراً تزوّدهم السعودية بالسلاح هم وراء الهجمة الكيميائية’. والفقرة الاستهلالية من التقرير، تسير هكذا: ‘الثوّار والسكان المحليون يتهمون الأمير بندر بن سلطان بتوريد أسلحة كيميائية لمجموعة من الثوّار ذات ارتباط بـ’القاعدة”. وجاء، في الخلاصة الأهمّ من معلومات التقرير، نسبة إلى مواطنين سوريين في الغوطة، بينهم أطباء وثوّار (عُرّفوا بحروف أولى من أسمائهم)؛ أنّ سوء نقل تلك الأسلحة، وكانت معبأة في أسطوانات وأنابيب، أسفر عن انفجارها، وتسبب في وقوع أعداد كبيرة من الضحايا.
ولقد سرت الحكاية سريان النار في الهشيم، فتلقفتها مصادر معنية بالخبر المثير في ذاته، على خلفية قرع طبول الضربة العسكرية الأمريكية ضدّ النظام السوري، بعد ذيوع أخبار مجازر الكيميائية في الغوطتَين؛ مثلما انقضت عليها منابر ‘الممانعة’، وأوساط تبرئة النظام السوري، فوجدت فيها ضالة دعاوية لا تُقدّر بثمن؛ كما أنّ جاذبية الحكاية لم تغب عن مناهضي الحرب، عموماً، من أصحاب النوايا الحسنة أو السيئة، على حدّ سواء. وإذا كان طبيعياً تماماً، ومنتظَراً، أن تتبناها وسائل إعلام إيرانية، وأخرى مرتبطة بأجهزة ‘حزب الله’، ومَنْ لفّ لفّهم من مواقع ومدوّنات وأفراد؛ فإنّ اللافت، بصورة خاصة، كان إسراع مواقع إخبارية روسية رسمية إلى المصادقة على الرواية، بحذافيرها، وإلى اعتناقها، إلى درجة اقتباسها ـ نصّاً كاملاً، أو تحريفاً قليلاً، أو تلميحاً ـ في تصريحات كبار المسؤولين الروس، بمَنْ فيهم وزير الخارجية سيرغي لافروف!
اعتبارات أخرى ساهمت في رواج الحكاية، بالطبع؛ بينها أنّ الرأي العامّ العالمي ـ على نطاق عريض، في أربع رياح الأرض ـ كان، ويظلّ، جاهزاً لتصديق كلّ ما يُنسب إلى المعارضة السورية، وخاصة أجنحتها الإسلامية المتشددة، من فظائع (ليس دون بعض الأسباب الوجيهة، على غرار اقتلاع القلوب الآدمية، والتهامها، وتصوير المشهد، ثمّ تعميمه على الـ’يوتيوب’، كما يتوجب التذكير). اعتبار آخر، مهني صرف هذه المرّة (وقع ضحيته عدد من كبار الصحافيين الأجانب المختصين بشؤون الشرق الأوسط، ومتابعي الملفّ السوري تحديداً)، انبثق من هوية موقِّعي التقرير: الأمريكية ديل غافلاك، وزميلها الأردني يحيى عبابنة (والمعذرة من كلّ حامل آخر للاسم ذاته، لأنّ العبابنة عائلة كبيرة كما هو معروف). وإذا كان الأخير مغموراً بصفة عامة، أو بالأحرى ظلّ مغموراً تماماً حتى ساعة انكشاف فضيحة الحكاية؛ فإنّ الأولى كانت مراسلة الـ’أسوشيتد برس′، وتقيم في العاصمة الأردنية عمّان منذ عقدين، وتغطي المنطقة في إذاعتَيْن جبارتين، الـ NPR الأمريكية والـ BBC البريطانية، وهي ـ كما تعرّف عن نفسها، على الأقلّ ـ ‘أخصائية’، تحمل الماجستير في الدراسات الشرق ـ أوسطية من جامعة شيكاغو.
أولى خيوط التشكيك في الرواية جاءت من المعطيات الدقيقة، الموثقة بمشاهد الفيديو المتقاطعة وذات المصادر المتعددة، حول الصواريخ التي حملت الرؤوس الكيميائية إلى الغوطة؛ وكيف أنها في عهدة قوّات النظام، وانطلقت من المواقع التي يسيطر عليها، في جيل قاسيون بصورة خاصة. وهذه تفاصيل تقنية، معقدة بقدر ما هي دقيقة، نشرها الصحافي البريطاني إليوت هغنز، على مدوّنته الشهيرة المعروفة باسمBrown Moses؛ ثمّ أكدها تقرير محققي الأمم المتحدة الذين زاروا مواقع المجازر بعدئذ. في عبارة أخرى، لا صحة البتة ـ علمياً وعقلياً، ثمّ تكنولوجياً ـ للافتراض بأنّ المجازر قد وقعت نتيجة ‘سوء نقل’ أسلحة كيميائية معبأة في أسطوانات وأنابيب؛ ومطلوب من غافلك وعبابنة، استطراداً، تقديم المزيد من البراهين الميدانية على صحة التقرير، وصدقية ما احتواه من أقوال نُسبت إلى أهل الغوطة.
هنا كرّت سبحة الأكذوبة، وانفرط عقدها تباعاً: كتبت غافلاك إلى هغنز، وإلى صحافيين في مواقع أخرى، بينهم روبرت ماكي من ‘نيويورك تايمز′، تقرّ بأنها لم تذهب إلى سورية، ولم تستمع بنفسها إلى أقوال أهل الغوطة، ودورها في التقرير هو نقل أفكار زميلها عبابنة إلى الإنكليزية، وأنها أوصت التحرير بالامتناع عن وضع اسمها على المادة، لكنهم رفضوا، ولهذا فإنها تنوي مقاضاة الموقع. من جانبه، توارى عبابنة عن الأنظار، فمسح المعلومات القليلة المتوفرة عنه على مواقع التواصل الاجتماعي، وتهرب من الصحافيين الذين حاولوا التحقق من صحة تقريره، قبل أن يتضح أنه دائم الزيارات إلى روسيا، ويكتب في ‘جيروزاليم بوست’ الإسرائيلية باسم ‘يان بركات’، وله باع طويل في تقديم الخدمات السياحية للإسرائيليين! وأمّا الموقع الإخباري ذاته، Mint Press، فقد اتضح أنّ كبير مستشاريه يُدعى عوده مهاوش الدعجة، الذي يعلن (في محاضرة تتوفر على ‘يوتيوب’) أنه مواطن أردني، كان من أهل السنّة ثمّ اهتدى إلى التشيّع!
ومن حيث المبدأ، يبدو الأردني عبابنة في موقع مَن ضحك أخيراً، حتى إذا لم يكن قد ضحك طويلاً؛ مقابل لافروف، الذي يواصل اقتباس التقرير (بوصفه ‘معطيات ميدانية روسية’). إلا أنّ قهقة الأوّل لا تبلغ أسماع الثاني، فحسب؛ بل تطيل أنفه، على وتيرة الكذاب في الأكذوبة، حتى يبلغ الأرض طولاً!



Inscrivez-vous à notre newsletter