حرب على اللاجئين السوريين – الياس خوري

Article  •  Publié sur Souria Houria le 21 octobre 2014

تدور منذ زمن حرب غير معلنة على اللاجئين السوريين في لبنان. وهي حرب خبيثة، وصاخبة، ولئيمة، وجبانة في الوقت نفسه.
خبثها في أنها تخفي عنصريتها بحجة الخوف من تحول اللاجئين السوريين الى مقيمين دائمين، وصخبها آت من اليافطات التي علقتها اكثر من خمسة وأربعين بلدية في أنحاء مختلفة من لبنان تمنع فيها تجول السوريين والعمال الأجانب ليلا، ولؤمها مجبول بلغة عنصرية مليئة بنتؤات لهجة لبنانوية لم تعد تصلح إلا لسلة القمامة، أما جبنها فهو الموضوع.
لم نتكلم عن ضرب العمال السوريين وإهانتهم في الشوارع، كما لم نشر إلى وحشية الإجراءات الأمنية على الحدود اللبنانية-السورية التي تجعل من عبور السوريين إلى لبنان ملحمة من الألم والذلّ، فهذه مسائل امتلأت بها وسائل الإتصال الإجتماعي، بحيث لم يعد لمفهوم الفضيحة الأخلاقية أي معنى في لبنان.
إنها حرب جبانة بكل المقاييس، جبنها آت من اجتماع ثلاثة عوامل:
الأول هو الفوبيا الطائفية اللبنانية التي اتخذت شكل الحقد الأعمى على «الغرباء». في زمن الهيمنة السورية، حين كان حذاء ضباط النظام الاستبدادي موضوعا على رؤوس رجال الطبقة الحاكمة، وحين كان الوزراء والنواب يذهبون زاحفين الى عنجر لاستجداء رضى غازي كنعان وخليفته رستم غزالي، وجد هذا الحقد في الفلسطينيين وسيلة لتصريف غرائزه العدوانية، من حرب المخيمات الوحشية، الى حصار المخيمات، الى الاذلال اليومي، الذي وصل حد منع الفلسطينيين من ادخال حجر باطون من أجل أن يضعوا عليه رؤوس موتاهم في القبور! هذه الفوبيا، تجددت مع بداية تحلل القبضة السورية ووجدت في السوريين متنفسا لأحقادها. من الشعار الشهير الذي رُفع خلال انتفاضة الإستقلال: «ما بدنا كعك بلبنان إلا الكعك اللبناني»، في اشارة واضحة الى ضرورة طرد العمال السوريين من لبنان،و الى هيستيريا الخوف من السوريين التي تملأ المدن، وتتحول الى لغة شفهية تعلن عنصريتها بلا مواربة.
الثاني هو العجز الذي يضرب مفاصل السلطة اللبنانية، ويجعلها غير قادرة على طرح أي حل لمشكلات اللاجئين السوريين في لبنان. فأمام نجاح النظام الاستبدادي المتوحش في سوريا في تطبيق شعاره: «الأسد أو نحرق البلد»، كان واضحاً أن أعداد اللاجئين سوف تتزايد بشكل كبير، وهذا ما أشارت اليه كل التقارير. لكن السلطة اللبنانية كانت مصابة بالعماء والصمم، ورفضت بكل وضوح انشاء مخيمات لللاجئين السوريين، بحجة خوف الطوائف اللبنانية الكريمة من تحولهم الى فلسطينيين جدد. فكانت النتيجة أن نشأ في لبنان حوالي ألفي مخيم عشوائي، لا قدرة لأحد على ضبطها أمنيا من جهة، وتشتت الإغاثة وعدم فاعليتها من جهة ثانية.
الثالث هو الحماقة، فحين تجتمع الفوبيا بالعجز، ينتج عنهما تصرفات حمقاء تقود الى تحويل الناس الى كتل من الأحقاد مؤهلة للإنفجار في أي لحظة. وعلامة الإنفجار الكبرى بدأت في عرسال مع قيام «النصرة» و»داعش» باختطاف جنود لبنانيين واعدام ثلاثة منهم بطريقة وحشية، وتمتد اليوم الى الشمال مع اصطياد جنود من الجيش، ولا يعلم أحد الى أين قد يمضي بنا هذا المسلسل.
المأزق السياسي الذي وجد فيه لبنان نفسه إزاء المسألة السورية متشعب ومعقّد. لم يعد النقاش حول اجتياح جنود حزب الله لمناطق في سوريا مجدياً، فالقرار ايراني، وحزب الله ليس سوى منفذ. لكن ما فات قيادات حزب الله ملاحظته هو أن عددا كبيرا من اللاجئين السوريين في عرسال جاء بعد اجتياح القصير ويبرود من قبل جنود حزب الله، بما يخلّفه ذلك من أحقاد، وأن هذه الأحقاد تتنامى بفعل تصاعد الخطاب الطائفي السني- الشيعي، وخصوصاً بعد الصعود الكاسح ل «داعش» في العراق وسوريا. كما أن خطاب الحزب يهمل حقيقة أن الحدود حين تفتح للتدخل العسكري، فإنها لن تبقى مفتوحة من جانب واحد.
إن الربط بين مسألة إنسانية كمسألة اللاجئين وبين الإرهاب الأصولي، يقود الى الهاوية، لأنه ينتهي الى ممارسة عقاب جماعي نشهد اليوم فصولا صارخة منه، والعقاب الجماعي سوف يقود الى ردات فعل كارثية.
لكن هناك مشكلة حقيقية، يجيبون.
وهذا صحيح، مليون ونصف مليون لاجىء في بلد لا يتجاوز عدد سكانه أربعة ملايين نسمة، هو مشكلة كبرى تنوء بها أي دولة، وهي تتطلب معالجة عقلانية وأخلاقية وإنسانية، قبل أن تتحول، مع التوقعات التي تقول بأن عدد اللاجئين السوريين مرشح للقفز الى مليوني نسمة، الى كارثة.
حين نقول معالجة عقلانية فإننا نأخذ في الإعتبار العلاقات المعقدة بين شعبين هما من نسيج واحد، لكن الزمن جعل من علاقتهما ميزانا للخطأ الذي ابتلتنا به ديكتاتورية آل الأسد، بوحشيتها وقمعها وإذلالها للبنانيين والسوريين.
ذل الهيمنة جاء ليحوّل الدونية التي كان يشعر بها السوريون الذين شكلوا اليد العاملة الرخيصة التي بَنَت بيروت والمدن اللبنانية الأخرى، الى شعور وهمي بالتفوق، صاحبه إحساس لبناني عام بالمهانة والإذلال من عنجهية ولصوصية الآلة المخابراتية السورية. لكن سرعان ما بدأ ميزان المشاعر ينقلب بعد خروج الجيش السوري من لبنان، لنصل مع الكارثة التي حلت بالشعب السوري الى لحظتنا الراهنة المشحونة بعنصرية لبنانية كريهة.
ليس الآن مجال تحليل هذه العنصرية التي تجد جذورها في البنية الطائفية للسياسة اللبنانية، ولكننا في مجال التحذير من أن هذه الممارسات تهدد البلاد بانفجار لا سابق له، سوف يدفع ثمنه الجميع.
لا أدري إذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية الممزقة بين محورين اقليميين متصارعين، والمشغولة بنهب ما تبقى من لبنان، والتي عجزت عن انتخاب رئيس للبلاد، وتركت كل القضايا معلّقة، من المعلمين الى الكهرباء الى آخره، تمتلك حداً أدنى من الشعور بالمسؤولية أمام خطر اجتماعي داهم يهدد بانفجار كل شيء.
ورغم اقتناعي بأن هذه الطبقة عاجزة وجبانة ولا حول لها، وأنها سبب المشكلة التي علق فيها لبنان، فإن واجب الجميع رفع الصوت والتنبيه الى مخاطر العنصرية التي باتت تهديداً داهماً.
نقطة البداية هي إدانة هذا السيل العنصري وايقافه فوراً، كي يتسنى للعقلاء البحث في حلول تحفظ كرامة اللاجئين أولا، وتؤمّن حدا أدنى من الأمان الذي يستطيع ايقاف التدهور.
كلنا سوريون، حين يتعلق الأمر بالمبادئ الأخلاقية، وكلنا سوريون حين ننظر الى مستقبل هذه البلاد التي لا مستقبل لها إلا في الحرية وكرامة المواطن.



Inscrivez-vous à notre newsletter