الاستبداد العربي – عباس بيضون

Article  •  Publié sur Souria Houria le 12 novembre 2011

لم يكن الحجاج خليفة او صاحب تاج او رئيساً مطلقاً. كان مجرد والٍ ويحكم باسم الخليفة وتحت تاجه. ذلك الوقت كان الطغيان من أسس الملك، التي يجهر بها الحاكم ويعلنها ويهدد بها ولا يخشى ان تنسب إليه او تقرن باسمه. الطغيان قوة والطاغية قوي والحكم يكون قوياً أو لا يكون. لم يكن الحجاج سوى والٍ فصيح وفصاحته جعلته محامي الطغيان ومنظره. قال الحجاج إنه يرى الدماء تترقرق بين العمائم واللحى، ويرى أمامه رؤوساً أينعت وحان قطافها. لا أظن ان العسف والحكم الدموي قيل في يوم بعبارات اصرح وأكثر دلالة وأقوى صوراً وأكثر فناً. حتى لنكاد نقول إن الطغيان هو فن الحجاج ومعلقته وشعره. لم يقل الحجاج العسف فحسب بل قال أيضاً آلياته ووسائله، قال إنه سيأخذ البريء بالمجرم والمطيع بالعاصي ولا يأخذ بالشبهة والظنه فقط، بل يقتل على الاسم حتى ليقال انجُ سعد فقد هلك سعيد. أخذ المرء باسمه وأخذه بمحلته وبلدته وعائلته. بل أخذ البريء بالمجرم والمطيع بالعاصي هما آلة الطغيان فلا يكون الطغيان بضحاياه العصاة بقدر ما يكون بضحاياه الأبرياء. هكذا يُحاسب الأخ عن أخيه والأخت عن أخيها والأب عن ابنه والمرأة عن زوجها والعائلة عن بعض أفرادها والعشيرة عن بعض شبابها والمدينة عن بعض أهلها. محاسبة البريء عن العاصي قد تكون منطق الطغيان الحجاجي، بل منطق كل طغيان. بل نكاد نقول إن الحرب الأهلية تصدر من هنا. الجماعة تؤخذ ببعض أفرادها والجماعة تأخذ الجماعة الأخرى ببعض من فيها. هكذا تكون الحرب هي الحرب على البريء أكثر منها على المذنب، حرب على المطيع أكثر منها حرباً على العاصي. حتى يصح ان نقول إن الحروب الأهلية هي مجازر المدنيين ومجازر الأبرياء. وإنها تقوم قبل كل شيء بالمدنيين والأبرياء
لا أظن إلاّ ان الحكام العرب، ملوكهم وأمراءهم ومشايخهم ورؤساءهم ناقمون على الحجاج. لقد كان فضاحاً وقال ما يحسن طيه بل قال ما هو سر الطغيان وما يخفيه وما يموهه بأي طريقة وما يؤمثله بكل الوسائل وما يقول عكسه على طول الخط. كان الحجاج فضاحاً وسلم سر الطغيان لأعدائه، بل قال في وقت مبكر حقيقته التي يجتهد لسترها وعليه، فإن الحجاج واش وعلينا ان نأخذه بذنب الواشي فهذه، على كل حال، طريقته في الحكم، وهذا ما علمنا إياه
لا أظن ان أهل مصراطه وتعز والسويس وتونس والمنامة وحمص متمردون جميعهم، لكن هذه المدن أصليت وما يزال بعضها يصلى ناراً حامية. والأرجح ان سلمييها أخذوا بذنوب متمرديها، و«أبرياءها» بذنوب عصاتها، ومحايديها بذنوب ثوارها. والأرجح ان المدن كلها وقعت لذلك تحت العسف وتحولت كلها إلى طواحين دم وترقرقت فيها الدماء بين العمائم واللحى، كما قال الحجاج، وقطفت رؤوسها بعد أن اينعها التمرد.
ليس عندنا هتلر ولا موسوليني. بل ليس عندنا ستالين فهؤلاء حصدوا ملايين وقطفوا رؤوس ملايين وهؤلاء غربوا شعوبا بحالها وأبادوا شعوباً بحالها، وهؤلاء غيروا جغرافية بلادهم وتواريخها وحدودها، وهؤلاء كانوا انصاف آلهة وعبدتهم شعوبهم كآلهة، لكن أياً من هؤلاء لم تكن له عائلة تشاركه في نعيم السلطة وأموالها، وأياً من هؤلاء لم يكترث بالمال ولا بالمغانم ولم يستبد بخيرات بلاده استبداده بأهلها ولم يملك الأرض وما عليها، ولم يحوّل بلده إلى ملك خاص. لنقل إن أياً من هؤلاء لم يرد سوى السلطة ولم يعبد سوى السلطة. السلطة وحدها بكل آلياتها، بل الطغيان وحده، كانوا طغاة فحسب وكانوا متألهين وطغاة وعباد سلطة فحسب. كانوا بكلمة واحدة مفتوني سلطة وشغوفي حكم. السلطة وحدها مرادهم لا ما تتيحه من نعم. السلطة وحدها لهم وحدهم لا يشاركهم فيها ابن ولا أب ولا خال ولا عم. كان هؤلاء ديكتاتوريين ملء الديكتاتورية. وإذا تزيدنا قلنا إنهم كانوا ديكتاتوريين حقيقيين. ليس بين ديكتاتوريي العرب، وما أكثرهم، أشخاص من هذا الطراز. بلى ترك جمال عبد الناصر عائلة عادية وكان عبد الكريم قاسم ينام على سرير عسكري في وزارة الدفاع. أما بعد هذين فالديكتاتور أياً كان اسمه، يحمل معه إلى الحكم لا عائلته فحسب ولكن عشيرته وبلدته وجماعته وأهله. بعد هذين يتقاسم الديكتاتور نعيم السلطة ورفاهها ومكاسبها غير المحدودة مع الأسرة والعشيرة والجماعة والبلدة والأهل. بعد هذين يملك الديكتاتور الأرض وما عليها. لا نعرف إلى الآن أين هي أرصدة البترول الليبية وباسم من كان يباع البترول الليبي ونحن إلى الآن لا نعرف أين طار الذهب التونسي وأين طارت المليارات المصرية والمليارات العراقية، وأين طارت مليارات اخرى. الديكتاتور العربي هو كخليفة الأيام الماضية مالك الأرض والناس بل مالك الحياة نفسها، فهو قيّم عليها ينزعها ساعة يشاء وله ملء الحق في ان يحيي ويميت. الحياة الباقية عطية منه والأحياء عبيده ومواليه، والأرض بما حوت فوقها وفي داخلها له. هو الذي يهبها وهو الذي ينزعها. الديكتاتور العربي هو الدولة وكل شيء له وللدولة، والناس وكلاء، الناس أجراء وما في أيديهم من مال وتراث وما يعملون عليه وبه وفيه إنما هو منحة السلطان له الحق في ان يستردها متى شاء. ثم إن الديكتاتور لا يرث وحده بل يرث مع عائلته وعشيرته وجماعته أحياناً. الديكتاتور لا يملك وحده وإنما مع ذويه وأقاربه وأبنائه وأهله، إذا كان ثمة طابع لهذه الديكتاتورية فهو الطابع العائلي، وإذا كان من سمة لها فهي هذه السمة
شتت ستالين شعوباً بحالها وأودى تقريباً بكل من قام معه بالثورة، وصفى ملايين من الناس وأذل وسحق نفوساً كريمة لمناضلين حقيقيين وحكم بمزاجه وعلى مزاجه. لا يغتفر ذلك له بالطبع وستبقى إدانته وإدانة حكمه قائمة، غير ان ستالين لم يسلط عائلته على الناس ولم يملكها الأرض وما عليها ولم يستأثر بخيرات البلد ولا جعله في تراثه وملكه. لقد كان ديكتاتوراً ولا شيء سوى ديكتاتور. أعمته السلطة عن كل ما عداها واستولت عليه بأجمعه. أما عند ديكتاتوريينا فالأمر لا يقف عند السلطة والاستبداد. إنه يتجاوز ذلك إلى الثروة والتجارة والربح بكل المعاني، كما يتخطاه إلى القرابة، والعائلة، هكذا يغدوا الحكم إثراء وهيمنة عائلية، فتحكم العائلة الملكية وتحكم العائلة الجمهورية وتحكم العائلة القبلية والمشيخية وتثري وينتشر نعيم السلطة ويتعمم على طغم مالية وعائلية في ذات الوقت، الاستبداد العالمثالثي له أيضاً خصائصه ومميزاته، إنه وريث الدولة الشرقية والاستبداد الشرقي اللذين يقيمان من الدولة قيمة على الملك والحياة ويجعلان من الجميع أجراء لديها وعبيداً تملك رقابهم ولها حق استرداد الولاية عليهم ساعة تشاء وكيف تشاء. انه الإرث العثماني والإرث المملوكي والإرث العباسي والأموي. ربما نفهم من هنا كيف ان الثورات العربية لها أيضاً خصائصها وميزاتها، انها ثورات من أجل الحرية كما هي أيضاً من اجل الخبز، فالاستبداد لا ينزع الحرية فقط ولكنه ينزع معها كل حق آخر. انها ثورات على تراث من الاسبتداد لا ينحصر في الأنظمة التي جاوزت عقوداً من السنين ولكنه ضد إرث ثقيل من الاستبداد عمره أجيال. هذه الثورات في مثابرتها واستعدادها للتضحية وإقبالها على الموت وعلى كل خسارة تشبه في ذلك ثورات العبيد الذين يتساوى عندهم الموت والحياة ويتجرعون الموت بترحاب ولا نهاية لتضحيتهم ولقدرتهم على البذل وجودهم بأنفسهم

السفير – 11/11/2011

http://www.assafir.com/WeeklyArticle.aspx?EditionId=2000&WeeklyArticleId=84938&ChannelId=11233&Author=عباس-بيضون#.Tr0JtWUKRa0.facebook