بحر الدماء فى سوريا – فهمي هويدي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 25 décembre 2011

كل نشرات أخبار العرب صارت مجللة بالدم السورى. ما عدنا نرى فى سوريا غير مدرعات تتحرك وشبيحة يقتلون وتوابيت محمولة على الأعناق، وجنازات تسير فى الشوارع تجأر مستغيثة بالله وبضمائر العرب وأحرار العالم. خلال الأسابيع الأخيرة أصبح معدل القتلى اليومى يتراوح بين 20 و40 سوريا. فى آخر الأسبوع الماضى وبعد التوقيع على بروتوكول الجامعة العربية تضاعف عدد القتلى، حتى وصل إلى مائة فى اليوم الواحد. وبذلك وصل عدد الذين قتلهم النظام السورى خلال الأشهر العشرة الماضية إلى أكثر من خمسة آلاف شخص، حسب مصادر الأمم المتحدة. بمعدل خمسمائة مواطن كل شهر، الأمر الذى يستدعى إلى أذهاننا صور الإبادات الجماعية فى صربيا ورواندا

قبل يومين هاجم الجيش أهالى قرية كفر عويد المحاصرة منذ أسبوع، الذين لجأوا إلى الاحتماء بأحد الوديان، انقض عليهم بقذائف المدفعية والدبابات والقنابل والرشاشات، حتى أوقع مذبحة راح ضحيتها أكثر من مائة شخص، حسب تقدير المرصد السورى لحقوق الإنسان. حدث ذلك وحبر التوقيع على بروتوكول الجامعة العربية لم يجف

الخلاصة أن النظام السورى مصرٌ على قتل معارضيه والقضاء عليهم، رغم تعاطيه مع أغلب الجهود التى تحاول البحث عن حلول سلمية للمشكلة. وهو فى ذلك لا يمانع فى المناورة وكسب الوقت أملا فى أن تكلل بالنجاح محاولات سحق المعارضين والقضاء عليهم. وعلى الأرض أثبت أنه ليس على استعداد لأن يتراجع خطوة واحدة إلى الوراء

على صعيد آخر، فالواضح أن النظام السورى عاجز عن تحقيق ذلك الهدف. ومن الواضح أيضا أن الجماهير الثائرة مصرة على موقفها ورافضة للتراجع. خصوصا بعدما انتشرت شرارة الثورة إلى مختلف المحافظات السورية، ولاحت بعض بوادرها فى دمشق وحلب. كما ظهرت بوادر الانشقاق داخل صفوف الجيش، وتزايدت أعداد المنضمين منه إلى الثوار، كما تزايدت أعداد الهاربين من الخدمة العسكرية

معطيات المشهد تدل على أن الثورة ما زالت عاجزة عن إسقاط النظام، كما أن النظام غير قادر على إنهاء الثورة. ومع تزايد أعداد القتلى والمعتقلين والمختفين، فإن فرصة التوصل إلى حل سلمى بين الطرفين صارت شبه منعدمة. حيث بات بفصل بين الجانبين بحر من الدماء يتسع حينا بعد حين، بما يستحيل معه إقامة أى جسر من التواصل فوقه

فى حدود المعلومات المتاحة فإن موقف النظام السورى لا يزال قويا بصورة نسبية على الأرض، فالنخبة القابضة على السلطة لا تزال متماسكة، والأجهزة الأمنية سيطرتها قوية على دمشق وحلب. والدعم الإيرانى الكبير يساعد النظام على الثبات فى الداخل ويوفر له القسط الأكبر من متطلبات الصمود والاستمرار. كما أن التأييد الروسى يقدم للنظام غطاء فى الخارج يطمئن إليه. ويحول دون المضى قدما فى تدويل الأزمة. ولا غرابة فى ذلك، إذ فضلا عن التحالف الاستراتيجى بين طهران ودمشق، الذين يوفر للطرفين وضعا أفضل أمام التهديد الإسرائيلى، فإن إيران التى ملأت الفراغ فى العراق بعد انسحاب الأمريكيين منه، تخشى إذ ما سقط النظام السورى أن يهدد ذلك مكتسباتها فى العراق. وكما أن روسيا لن يكون لها موطئ قدم فى الشرق الأوسط إذا سقط النظام السورى الذى يوفر لها قاعدة بحرية فى ميناء طرطوس

 الخلاصة أن الصراع فى سوريا مرشح لأن يطول أجله، خصوصا فى ظل ضعف المبادرات والضغوط العربية، واستبعاد احتمال التدخلات الدولية فى الوقت الحاضر على الأقل. الأمر الذى يعنى أن شلال الدم سوف يستمر وأن تحدى النظام غير قابل للتراجع، خصوصا أنه نجح فى إذكاء الحس الطاذفى واستنفر العلويين ضد «خطر» أهل السنة، وتبادل الطرفان الخطف والقتل. وبدا أن العلويين أصبحوا مقتنعين بأن سقوط النظام تعنى نهاية نفوذهم وربما وجودهم، ولذلك فإنهم أو أغلبيتهم أصبحوا يخوضون معركة حياة أو موت. بل إنهم شكلوا ميليشيات مسلحة باتت تجوب الشوارع فى بعض القرى

 ورغم أن أفق الحل يبدو مسدودا فى الأجل المنظور، فليس مستبعدا أن يحدث انشقاق مفاجئ فى النظام خصوصا إذا تم إنهاك الجيش والشبيحة، وانتهزت عناصر «الجيش الحر» هذه اللحظة لتكثيف الضغط عليه. وهناك همس مكتوم يتحدث عن حل للأزمة شبيه بما حدث للرئيس على عبدالله صالح فى اليمن، يسمح بنقل السلطة إلى طرف مقبول، ويمكن الرئيس بشار الأسد وجماعته من مغادرة البلاد فى «خروج آمن» يجنب البلاد إراقة مزيد من الدماء. وقد يكون هناك مخرج آخر لا نراه، لأنهم إذا كانوا يمكرون فإن الله خير الماكرين

الشروق – الأحد 25 ديسمبر 2011

http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=25122011&id=e62fd587-3b59-402f-8495-5e820b591dc4