من حلب الى غزة – الياس خوري

Article  •  Publié sur Souria Houria le 20 novembre 2012

لا ادري ما هي فلسفة الأسماء التي تطلقها اسرائيل على حروبها؟ هل هناك جهاز خاص بانتقاء الأسماء، ام ان المسألة محض مصادفات؟ من ‘عناقيد الغضب’ في لبنان الى ‘عمود سحاب’ في غزة الى آخره… يبدو ان هناك اصرارا على مزج الخيال المُحبَط بالجنوح الدموي، وان ‘جيش الدفاع’، يسعى دائما الى تغليف الجريمة بالأدب!
في حرب تموز 2006 نسي القادة الاسرائيليون اطلاق اسم على حربهم، لأنهم اعتقدوا انها ستكون نزهة طائرات فوق لبنان، لكنهم تداركوا الخطأ في حربهم على غزة 2008-2009، فاختاروا اسما رديئا ينم عن فقر في الخيال. فكانت ‘الرصاص المصبوب’ كارثة سياسية واخلاقية على اسرائيل، واليوم تحترق غزة تحت اسم شاعري ‘عمود عنان’، كأن السحاب وهو يتعومد يغطي النار بماء الكلام!
بصرف النظر عن الإسم الذي يسعى الى اخفاء المسمى فإن اسرائيل دخلت عشية انتخاباتها في حرب هي اشبه باستطلاع بالنار للمتغيرات التي تحيط بها، بهدف وضع حدود مبكرة لأثر الثورات العربية على الصراع في فلسطين.
التزامن بين اشتعال الجنوب الفلسطيني في غزة مع اشتعال الشمال السوري، يشير الى ان مصير المشرق العربي يتحدد في القوس الذي ترسمه بلاد الشام وهي تنفض عنها الاستبداد في سورية، ويتشكل على ايقاع موازين قوى جديد بدأت ترتسم اولى ملامحه في مصر.
من السابق لأوانه الخلوص الى استنتاجات سريعة، لكن القراءة الأولى لحرب ‘عمود سحاب’ تشير الى ان طرفي الصراع يسعيان الى رسم قواعد اللعبة من جديد:
الاسرائيليون يريدون افهام المصريين والاسلام السياسي الصاعد ان القواعد الصـــــارمة التي ارتسمت في كامب دايفيد لا يمكن تغييرها. وحماس ومعها التيار الاسلامي يريــدان فرض قواعد جديدة، تبدأ برفض الوضع الراهن الذي يعني تعفنا فلسطينيا وعربيا شاملا، وتمتد لتشمل اعادة رسم ملامح التوازنات الفلسطينية الداخلية، واستعادة مصر لقرار الحرب والسلم.
من هنا تتخذ حرب غزة مسارات متعددة، مفاوضات بدأت منذ اليوم الأول يقودها المصريون، وتلويح باجتياح بري تلجأ اليه اسرائيل من اجل ايصال الحرب الى ذروة تعتقد ان مصر بقيادتها الاخوانية لا تستطيع تحمّل نتائجها.
اهمية المواجهة الراهنة في رسم مستقبل المنطقة عبر عنها وصول رئيس الوزراء التركي الى القاهرة، واعلانه عن اهمية التحالف المصري-التركي، واصراره وعلى الانخراط التركي الذي لا يزال غامض الملامح.
نجحت المقاومة، عبر صمودها وقدرتها على الردع، في فرض اجندة جديدة مؤهلة لقلب مفهوم محور الاعتدال الذي صاغته مرحلة حسني مبارك في تحالفها مع العربية السعودية، والذي سعى الى تهميش الصراع العربي- الاسرائيلي واستبداله بأولوية الصراع ضد ايران، ما اطلق يد اسرائيل بشكل مطلق في فلسطين، ودمّر قدرة العالم العربي على الامساك بمصيره، وقام عمليا بتلزيم القضية الفلسطينية لما اطلق عليه اسم محور الممانعة.
مهما كانت نتائج الحرب، فانها لن تنقذ اسرائيل من ورطتها الاحتلالية، وستكشف ان فائض القوة الصهيوني لا يستطيع تحقيق انتصار على شعب قرر ان يقاوم.
ما علاقة الشمال السوري المنتفض ضد الاستبداد بما يجري في الجنوب الفلسطيني؟
بالطبع هناك علاقة وجدانية بين الدم الفسطيني والدم السوري، من مخيم اليرموك الى مخيمات غزة. لكن هناك ايضا ما هو اكثر من ذلك، فاستعادة السوريين لحريتهم سوف تعني ان استمرار هدوء الاحتلال في الجولان لن يعود ممكنا، وان تحرير الجولان هو جزء من معركة الفلسطينيين والسوريين ضد الاجتلال.
مرة اخرى نكتشف صحة المقولة التي اقترحتها الثورة الفلسطينية عند انطلاقتها عام 1965، ففلسطين هي البوصلة العربية، وحرية المجتمعات العربية هي الطريق الى فلسطين.
لا اريد ان اوهم نفسي بأن المعادلة العربية الجديدة ارتسمت، فالمشرق العربي لا يزال في بداية مسار جديد بدأته الثورات العربية، ودونه معوقات كبرى. لكنني لا اريد ايضا ان اقلل من اهمية الاشارات التي ترسلها مواجهات غزة اليوم، والتي تقول ان صفحة جديدة من الصراع مع الاحتلال باتت ممكنة، وهي صفحة لا علاقة لها بزمن العتمة الذي صنعته اوهام التسوية مع محتل لا يرتوي من دماء ضحاياه.
هذه الصفحة الجديدة لن تتبلور ملامحها الا بعد سقوط الاستبداد في سورية، ورسو الثورة المصرية على معادلة سياسية متوازنة داخليا، عندها يمكن ان يتشكل مركز عربي جديد يستعيد القيادة ويضعها حيث يجب ان تكون، ويعلن ان العالم العربي يستطيع ان يستعيد قراره.
بلاد الشام هي مسرح هذه الحرب، وفيها سترتسم ملامح المرحلة.
والشعبان الفلسطيني والسوري هما ضحاياها وابطالها.
في غزة تبرز الحاجة الى افق فلسطيني جديد يتجاوز الوهم الذي اعقب اوسلو والوهن الذي جاء بعد هزيمة الانتفاضة الثانية، والخراب الذي حلّ بعد الانقسام الفلسطيني. وفي سورية يتبلور احساس بأن على الثورة ان تقبض على زمام مصيرها، كي تعجّل في سقوط النظام، وتخفف من آثار الدمار التي خلفتها آلة القتل الأسدية.
الآن تعود الأمور الى نصابها، فالمحتل يستفيد من المستبد الذي لا همّ له سوى الاحتفاظ بسلطته، والمستبد يستفيد من المحتل كي ييبرر قمعه بضرورات المواجهة مع العدو.
قناعان يسقطان معا في الجنوب والشمال.
الاسرائيليون لم يتعـــــلموا شيئا من حروبهم السابقة، وسيجدون انفسهم مرة جديدة عاجزين عن شراء امن احتلالهم بالدم.
المهم ان يعي الفلسطينيون درس غزة الجديد، وتحصل معجزة الوحدة التي بات غيابها فضيحة سياسية، وتستفيق حركة فتح من سباتها السلطوي قبل فوات الاوان.
اما المستبد فإنه مهما قتل ودمر ذاهب الى السقوط مخلفا وراءه ذاكرة العار والجريمة.

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=data\2012\11\11-19\19qpt998.htm&arc=data\2012\11\11-19\19qpt998.htm