أعجوبة الثورة السورية و أحد صناعها ..خالد أبو صلاح .. بعيون والده !

Article  •  Publié sur Souria Houria le 29 février 2012

حوار / تيسير الكوجك

 شاب في مقتبل العمر تفلت من كل القيود والحدود.. وكأنه هبط فجأة من كوكب آخر.. وكغيره من الشباب التي تراودهم الأحلام ببناء دولة مدنية ينعم فيها بالحرية والعدالة خرج يريد كرامته غير منقوصة .. هذا الشاب ذو الـ 25 ربيعاً الطالب الجامعي، الذي بات يختزل صورة رجل الثورة الحقيقي ..لم نكن نعرفه ولم نكن نتوقعه أصلاً ..إلا بعد أن شطب جدار الخوف ورفع صوته معلناً بأن : إسقاط النظام أصبح قضيته.. وليس مطلبه .. وأن الثورة ستستمر حتى إسقاط النظام ومحاسبة رموزه .. فاحتل الشاشة واخترق أهم حاجز من حواجز التعتيم الإعلامي ..ليصبح أول مراسل حربي تبث تقاريره على الهواء مباشرة من بابا عمرو ..فلم يدع إعلام الثورة , يقف عند نشر مقاطع الفيديو على (اليوتيوب) .. فكان حيثما يكون القصف والقتل فهو الند لكليهما معاً.. الكاميرا لا تبحث عنه فهو أمامها دوماً عندما تكون في مكانها الصحيح ..تجده بين أنقاض المنازل المدمرة ووسط القتلى ومع الجرحى.. والصورة ينقلها حيّة ولم يعد بالإمكان إنكارها أو نفيها.. واضعاً بذلك حداً حاسماً لكذب النظام وأبواقه الصدئة لما وصفوا به مقاطع الفيديو تلك بـ (الفبركات) ..

حتى أصبح المطلوب رقم واحد في حمص .. مع زميله البطل عبدالباسط الساروت  وزميله الشهيد رامي السيد وغيرهم .. في لقائنا مع والده وأثناء بحثنا في فصول حياة ابنه طلبنا منه أن يحدثنا عن خالد الطفل وخالد الشاب وخالد الثائر وخالد المسعف وخالد الإعلامي .. فتغيرت ملامحه في لحظات وبلغت مشاعر الفخر والاعتزاز منه مبلغها وهو يستعرض شريط الذكريات قائلا:

ولد خالد في حي بابا عمرو الثائر ونشأ فيه ..اتسمت طفولته بالحيوية والنشاط .. بشوشاً ونشطاً ومميزاً بشقاوة الأطفال اللطيفة المحببة ويرتسم وجهه بالابتسامة الدائمة .. ذكيا لديه قدرة فائقة في كسب كل شخص يتعرف عليه ويثير الانتباه له .. كان متفوقاً في دراسته .. محبوب من الجميع من أبويه وإخوانه وزملائه ومدرسيه .. بعد سن البلوغ كان خالد كأي طفل ينتقل من مرحلة الطفولة الى مرحلة الرجولة .. وبسبب ظروفنا المادية المتردية فقد تحمل المسؤولية معي مبكراً فترك الدراسة وهو مازال في الثاني ثانوي ليدخل الحياة العملية.. ومن ثم الحياة العسكرية عندما استدعي لخدمة العلم.. في هذه الفترة وبسبب طبيعة عمله في ( قلم ) إحدى الوحدات العسكرية.. برزت مواهبه الأدبية والشعرية بشكل كبير فكان محط أعجاب مرؤوسيه .. وكانوا يشجعونه على أكمال دراسته وصقل موهبته أكاديمياً .. فما كان منه بعد انتهاء خدمته الالزامية إلا أن امتثل لنصائح الكثيرين في متابعة دراسته فطلب مني أن أساعده مادياً ليسجل في ثانوية خاصة لمتابعة تحصيله العلمي وكان له ماأراد ونال الثانوية بدرجات عالية .. ثم دخل كلية الأدب العربي في جامعة حمص واستمر فيها إلى السنة الثانية التي شهدت انطلاق الثورة .. فشارك مع زملائه أولى المظاهرات التي خرجت في حمص في ساحة (الساعة) واستمر في قيادته للمظاهرات  بكل جرأة وكان دوماً في طليعة أي مظاهرة تخرج طلباً للحرية ..

* ترى ما سر هذه الجرأة التي يتمتع فيها خالد في مواجهته للخطر وفي وضوح الرؤية والموقف ..؟

** أعتقد أنها من الفطرة والنخوة الحية والحمية والانتماء القوي وهي طبيعته التي ولدت معه وهو منذ صغره وبفضل هذه الجرأة استطاع أن ينقذ الكثيرين من الشباب المصابين من الاعتقال .. فكان هو المسعف والناشط والمحرك والثائر والإعلامي الذي لا يهدأ .. مثله مثل الكثيرين من الشباب السوري من أصحاب هذا المعدن الأصيل الذي لا يصدأ وإن علاه التراب وأصابته الطلقات والقذائف..

*علمت بأن خالد لم يكن الناشط الوحيد في الثورة من عائلتك بل هناك اثنين آخرين من أخوته الأول مجند منشق عن الجيش والآخر شهيد كان يلقب بصائد الأسود والشبيحة .. هل لك أن تحدثتنا عنهما ..؟  

 **ابني المجند انشق عن الجيش وهو على أبواب التسريح من الخدمة ولم يكن يبقى له في الخدمة سوى 4 أشهر إلا أنه مع ذلك أعلن انشقاقه رافضاً أن يخدم في جيش يقتل الأطفال وليعلن انضمامه للجيش الحر.. والآخر هو صائد الأسود والشبيحة .. الشهيد أحمد ذو الـ16 عشر ربيعاً ..

 *ولماذا كان يطلق عليه هذا اللقب ..؟

** لأن أحمد رحمه الله كان جريئاً جداً ويعمل مع زملائه في دعم الجيش الحر من خلال أسر (الشبيحة) فكانوا يرصدون تحركاتهم وهم يتخفون  من خلال عملهم كسائقي سيارات أجرة عمومي للتمويه فيعدون لهم الكمائن لإلقاء القبض عليهم وتسليمهم للجيش الحر ليتم استبدالهم مع المعتقلين والمخطوفين ..فكانوا يعملون على توثيق لوحات وأرقام سيارات الأجرة هذه وأماكن وقوفها وتواجدها.. ومن ثم يقوم أحمد باستدراج سائق السيارة ( الشبيح ) بعد أن يستقلها كراكب عادي طالباً توصيله إلى مكان محدد حيث نصب له الكمين المفترض ثم يرسل إشارته عبر هاتفه الجوال إلى أفراد الكمين ليتم ألقاء القبض عليه من قبل الجيش الحر ومن ثم ليتم تصويره وتسجيل اعترافاته ..واستطاع بفضل الله أن يساهم في اعتقال أكثر من عشرين ( شبيح ) من خلال هذه الطريقة .. وفي الحقيقة أنا لم أعلم بنشاطه هذا إلا قبل استشهاده بيوم واحد فقط وأخبرني به أحد أصدقائه المقربين منه ..

*كيف تلقيت نبأ استشهاد أحمد رحمه الله ..؟

** يأخذ فاصلاً يطلق فيه زفرات الحزن ويتنهد فخراً: » الحمدلله الذي أكرمني به شهيداً ومنحني وعائلتي هذا الشرف .. حزنت بالطبع ولكني فرحت في نفس الوقت وازدادت سعادتي أكثر عندما علمت أن أحمد سقط شهيداً أمام أحد المخابز في حمص وهو يقوم باقدس عمل في تأمين الخبز ولقمة العيش لبعض الأرامل والأطفال اليتامى.

*وخالد كيف وجدته عندما تلقى الخبر ..؟

**خالد رأيته كما رآه الجميع على الشاشة وهو يتحدث ببأس شديد :

« عليكم بالصبر والثبات .. لقد ضحينا بـأكثر من 7 آلاف شهيد حتى الآن، وكلنا مشاريع شهداء.. والله كنت أخاف أن تنتصر الثورة ولم يكن في عائلتنا شهيد .. كنت أخجل أمام رفاقي الذين لديهم أخوة شهداء..أما الآن فإنني أرفع رأسي عالياً لأنه أصبح لدينا في العائلة شهيد..أما دموعي فهي دموع فرح وليست حزناً ».

*لنبقى في حديثنا عن خالد.. فقد شاهدناه وقد استطاع ان ينتزع من ( الدابي ) أول تصريح لإيضاح الحقائق وكشف المستور وتميل كفته ضد النظام كيف كان شعورك وانت تشاهد خالد في هذه اللحظات .. ؟

** كنت فخوراً به جداً لأنه كان ككل الغيارى على الثورة الذين رأوا في إيفاد بعثة المراقبين التفافاً على الثورة .. ومنذ وصول اللجنة إلى حمص نذر خالد نفسه لمرافقة لجنة (المراقبين) العرب في مهمتهم الهزيلة الفاشلة وأجبرهم على أن يتوجهوا إلى حيث حطام، وأطلال، بعض الأحياء التي تدل على حصول حرب حقيقية وليقدِّم الأدلة القاطعة، فكانت بمثابة صفعات شديدة على وجوه المهرِّجين القتلة، وأتباعهم من شهود الزور.. لذلك حاولوا قتله كغيره من الأحرار أكثر من مرة وتعرض للإصابة وفشلوا في قتله ولله الحمد .. وجميعنا رأيناه جريحاً تحت القصف يفكك هيبة النظام وقدسية القائد موجهاً له كلمات هي في وقعها ربما أقوى من القذائف التي يقصف بها باباعمرو .. فيخاطبه وكأنه يخاطب ابن الجيران المتهم : (يابشار شو ما اعملت فينا مارح نستسلم حتى لو قتلتنا كلياتنا).

*كيف تلقيت نبأ إصابته ..؟

** لا أخفيك كنت مرعوباً عليه عندما سمعت النبأ ولكن وبعد أن شاهدته على الشاشة اطمأنيت وارتحت أكثر بعد أن استطعت التحدث معه صوتياً وتأكدت من سلامته ووضعه الصحي وسررت أكثر بعدما رأيته في فيديو آخر على الشاشة ينقل صورة حية عن الوضع في حمص .

* والآن ألا تخشى عليه ..؟

** بالتأكيد أخشى عليه كثيراً فأنا أب أولاً وأخيراً .. ولشدة خوفي عليه كنت قد طلبت منه أكثر من مرة أن يخرج من بابا عمرو إلا أنه كان في كل مرة يرفض وبشدة قائلاً: ( إسقاط النظام أصبح قضيتي ، وليس مطلبي فقط .. وأن الثورة ستستمر حتى إسقاط النظام ومحاسبة رموزه .. ولن أخرج قبل تحقيق هذا الهدف فإما ننتصر أو نستشهد )

*ختام اللقاء سيكون من حقك لتختم بما تشاء فماذا أنت قائل ..؟

أختم بكلمات هذه القصيدة التي كتبها خالد فلن أجد أفضل منها لتعبر عما يجيش في النفس والفؤاد :

آت مكللا بدموع الثكالى الصابرات..

القاعدات الرافعات أكفهن متضرعات ..

ودموعهن تحمل ألف قنبلة موقوتة لنسف حصون الطغاة ..

آت هو النصر ..

يحدوه قهر غاضب وليل عاصف ونور يضيء ظلام الحالكات …

يضيئه دم الشهيد  … يضيئه حزن الوليد ..

يضيئه سيف تعتق غمده من عرق الرجال …

يضيئه صوت توقد من حناجر هؤلاء .. وهؤلاء ..

آه من العطر عندما يبوح بسره للرفات …

رفات ضخت بالعطر وخضبت بدمع الأمهات ..

النصر آت … النصر آت ..

فقم يا شعب وقد الإسار وانتفض على الغزاة الطغاة…

الناهبين الأرض الهاتكين العرض والحرمات …

اكسر القيد  وواجه ظلمهم بالصدور العاريات …

وواجه آله حربهم بإيمان أهل الأرض وبالدماء النازفات ..

اصنع من القهر حزاما ناسفا وانسف قلاع الجبن في قلوب الساكتين …

الأقربين الناظرين إليك مسربلا بدمائك  …ومخضبا منها الجبين …

لا تلتفت لجبنهم …لا تلتفت للومهم إياك مواجهة الردى ….

لو ذاقوا حب هذي الأرض مثلك لما تركوا الهوى …

لو سكن حب هذي الأرض قلوبهم …

لو عُفرت جباههم بترابها إلى أن تجف دموعهم …

ما تركوك وحدك …ما تركوك وحدك …

أنت الآن وحدك …أنت الآن وحدك …جابه عدوك …

فجر ينابيع عشق هذي الأرض من بين ضلوعك …

اجعل كل هذا التراب درعك ..

اجمع صور الأحباب واصنع منها مدفعا واضرب عدوك …

لملم بقايا الدمع من عيون الصغار ودمر بها ظلمك ..

لا تركن الآن فالنصر آت … لا تركن الآن فالنصر آت ..

آت مؤزرا فهذي الملائكة الآن تبسط نورها لتصعد إلى معراجك السرمدي…

لتريح نفسك من هموم ومن شجون عاتيات …

النصر آت النصر آت

يحدوه دمع أمي ودمع الثكالى الصابرات الوالهات …

 27 فبراير 2012

http://scagc.org/article.php?art=216



Inscrivez-vous à notre newsletter