الانتفاضة السوريّة وأهدافها – سلامة كيلة

Article  •  Publié sur Souria Houria le 3 août 2011
إذا كانت الانتفاضة التونسية قد رفعت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» يومين قبل ترحيل زين العابدين بن علي، وكان شعار الانتفاضة المصرية من اليوم الثالث لها، ومن ثم كان شعار الانتفاضات في اليمن وليبيا منذ اليوم الأول، فقد رُفع في سوريا بعد أيام من الاجتياح العسكري لمدينة درعا، وفي مواجهة العنف والقتل اللذين مورسا ضد متظاهرين سلميين، ومن ثم بدأ يأخذ مكانه في المدن الأخرى، على نحو متتال.
وإذا كانت المطالبة بالعمل والأجر هي المحرّك الأول في تونس، وأيضاً في مصر (مع إضافة محاسبة وزير الداخلية وحلّ مجلسي الشعب والشورى)، وبالتالي أصبح لشعار الإسقاط معنى اقتصادي سياسي، فقد بدأت من درعا بمطالب محلية، منها مسألة السيطرة على الأرض من قبل مافيا السلطة. وأفضى شمول الشعار إلى ما يشبه الفراغ في المطالب، ربما سوى مطلب الحرية، الذي بدا كمضاد للتسلط فقط. هل الانتفاضة السورية دون مطالب، وشعار إسقاط النظام لا يحمل مضموناً بديلاً؟
تخوّفات كثيرة نتجت عن ذلك الغموض، وخصوصاً أنّ الشعارات العامة التي ترفع في التظاهرات لا تحمل ما يشير إلى هدف غير ذلك، وهو الأمر الذي يفتح على أقاويل وتخوفات واستغلال، أقلّها القول إنّ المسألة تتعلق بإبدال سلطة بسلطة فقط، وإن كان يجري ذلك تحت شعار الحرية. هذه نقيصة في الانتفاضة السورية، ولا شك في أنّها تؤثّر في مسارها، لأنّ الغموض يزيد التردد لدى فئات لا بد لها من أن تنخرط فيها. يترافق ذلك خصوصاً مع «المسحة الدينية» التي تلف الشعارات التي تتردد، ويُفهم منها منحى سياسيّ طائفيّ، رغم أنّها ليست أكثر من التعبير العفوي البسيط لشباب مفقر، أبعد عن السياسة والثقافة طيلة عقود.
من غير المنطقي أن يتقدم شباب ثائر لكي يواجه كلّ هذا العنف دون أن يكون قد نتج ذلك عن سبب ما، وبالتالي دون هدف محدّد. هذه بديهية، لكن الوضع كان يُظهر أن لا أهداف لهؤلاء، ربما سوى الحرية التي لا تعني شيئاً ما دامت لم تحدَّد. لذلك، من غير المنطقي ألا تكون الانتفاضة التي تهدف إلى إسقاط النظام دون أهداف واضحة، هي مطالب الطبقات الاجتماعية التي تشارك فيها، وخصوصاً الشباب المفقر الذي هو محورها، لكن ربما كان تعميم شعار إسقاط النظام قبل «التعبير الذاتي» لهذه الفئات قد جعل المطالب دون مستوى الهدف، وهو الأمر الذي أوجد إشكالية «الفراغ». رغم أنّ التغيير يهدف إلى تحقيق مطالب الذين يخوضون الصراع، وإلا لبدا الصراع عبثياً.
لم يخلق ذلك الوضع إرباكات لدى فئات اجتماعية فقط، هي معنية بالانتفاضة، ووضعها يشابه الكتلة الكبيرة من المنخرطين فيها، بل جعل أيضاً الانتفاضة مجال تصارع بين تيارات فكرية سياسية، إذ بات الاتجاه المهيمن في الانتفاضة السورية، وفي النخب المعارضة، يميل إلى محورتها حول مسألة الحرية والتعددية، دون لمس لأي من المشكلات التي كانت في أساس نشوئها، على العكس من ذلك، باتت تنفي بالقطع الأساس الاقتصادي المطلبي للغالبية المشاركة فيها، فأصبحت هي انتفاضة من أجل الحرية والكرامة، ليس أكثر من ذلك، وأصبح هدفها نزع الاستبداد فحسب. وهي هنا تُظهر أنّها حريصة على بقاء التكوين الاقتصادي الذي تعمم في السنوات الأخيرة، فقط مع نزع احتكار فئة قليلة هي السلطة الراهنة، ومع توسيع الحرية الاقتصادية. هي الحرية التي جلبت الوضع المزري الراهن لكتلة مجتمعية كبيرة، وهي بالضبط التي دفعتها إلى التمرّد والثورة على وضع لم يعد محتملاً من ناحية المقدرة على العيش، نتيجة البطالة العالية والأجر المتدني (والهزيل)، ومع انهيار التعليم وتلاشي الضمان الاجتماعي، في وضع أصبحت فيه السلع مستوردة في الغالب، وبالسعر العالمي (مع إضافة احتكارية كذلك).
بالتالي، يجري صراع على الانتفاضة حتى قبل انتصارها، ويجري السعي إلى تحقيق التغيير في شكل السلطة، من سلطة استبدادية إلى دولة تعددية، دون تغيير التكوين الاقتصادي الذي بات يهمّش ما يقارب الـ80% من المجتمع. تكوين فرض انهيار الزراعة والصناعة، وتمحور الاقتصاد حول القطاعات الريعية (الاستيراد والسياحة والخدمات)، ومن ثم لفظه، لأنّه كذلك، هذه الكتلة الكبيرة من الأيدي العاملة خارج العملية الاقتصادية (البطالة). ولا شك في أنّه أمام القمع الدموي، لن تظهر سوى الشعارات العامة، مثل الحرية وإسقاط النظام، لكن ذلك لا يعبّر عن مطالب الطبقات الشعبية، بل يعبّر عن حدها الأعلى من أجل تحقيق مطالبها. فقد باتت متيقنة أنّ تحقيق هذه المطالب لا يكون عبر هذه السلطة، بل يفترض أن تتحقق على أنقاضها. وهو الأمر الذي أوصل إلى شعار إسقاط النظام.
هنا نلمس مشكلات البطالة والأجور والتعليم والطبابة والسكن، كمشكلات جوهرية تعانيها الكتلة الأساسية من المجتمع، ومن المنتفضين. وهي نتاج السياسة الاقتصادية التي مورست خلال العقدين الماضيين تحديداً، وحوّلت الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي. وانهيار وضع الفلاحين، وانهيار الصناعة نتجا عن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي جعلت الاقتصاد في وضعية تنافسية سيئة، فأكمل ذلك ما بدأ مع النهب وسوء الإدارة، اللذين حكما مجمل الاقتصاد عقوداً أربعة سابقة. ومن ثم، ليس من الممكن القول إنّ مطالب العمل والحد الأدنى للأجر والتعليم المجاني وحق السكن والضمان الاجتماعي ليست من مطالب الطبقات الشعبية التي تخوض الصراع بقوتها وصلابتها، وهي وحدها ستحسمه.
إذاً، هذه مطالب جوهرية لقطاع كبير من المنتفضين، وهي مطالب يمكن غضّ النظر عنها من جانب المعارضة والنخب، لكنّها ستكون المحدِّد الأخير لمآل الانتفاضة. فهي تمثل صلب الحراك المجتمعي، وأساس الانتقال إلى دولة مستقرة، حتى وإن استطاعت النخب تجاهلها في التغيير الراهن نتيجة غياب التمثيل السياسي لذلك القطاع، وسيطرة الطابع الليبرالي الديموقراطي على القوى السياسية القائمة. وسيكتشف الذين سيسارعون إلى تقزيم الانتفاضة أنّ «روح الشعب» التي كسرت سلطة مستبدة، قادرة على الانتقال إلى كسر كلّ التفاف عليها. فالمسألة الجوهرية في تلك الانتفاضة وكلّ الانتفاضات العربية تتمثل في التغيير العميق للنمط الاقتصادي، بالعودة إلى دور أساسي (ولا أقول مركزي، خشية الرعب الذي يمكن أن يصيب الليبراليين) للدولة، ولكونها القادرة على حماية السوق من منافسة غير متكافئة، والتوظيف الواسع في قوى الإنتاج. لكن لا يعني ذلك أنّ أهداف الانتفاضة هي تلك فقط، ورغم أنّ تغيير النمط الاقتصادي يفرض تغيير طابع السلطة من حيث الأساس، فإنّ «الميل الديموقراطي» ليس طارئاً على الانتفاضة، بل هو أصيل لدى قطاعات مجتمعية متسعة، من الفئات الوسطى خصوصاً، وعلى نحو عام. وبالتالي ليس من الممكن سوى أن تفضي الانتفاضة إلى دولة مدنية ديموقراطية. تلك ضرورة، وهي هدف لا بد من أن توصل الانتفاضة إليه، لكن من الضروري كذلك السعي إلى أن تكون دولة مدنية ديموقراطية حقيقية، دون الالتفاف على ذلك عبر تقديم دولة ديموقراطية مشوهة، لا تقوم على المواطنة، وغير علمانية، ولا تستند إلى إرادة الشعب.
بالتالي فإنّ للانتفاضة السورية أهدافاً واضحة، وإن كانت الشعارات لا تعكسها، وكان حديث النخب والمعارضة يبسترها. أهدافها فرض حق العمل والأجر المناسب لعيش كريم، والتعليم المجاني (والعلمي)، والطبابة المجانية وحق السكن، والدولة المدنية الديموقراطية، واستعادة الجولان كنتيجة للتغيير الداخلي، وبالتالي موقف من الإمبريالية والصهيونية، الآن وبعدئذ.
المطلوب من أجل ذلك نظام اقتصادي اجتماعي سياسي بديل. وهذا يعني الصراع مع كلّ الفئات الليبرالية التي تنطلق من استمرار النمط الاقتصادي القائم، بعد عزل الفئة المحتكرة الآن. فالمشكلة ليست فقط مع هذه الفئة، بل أيضاً مع النمط الاقتصادي الذي يقوم على الانفتاح الشامل، ويحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد مستورد وريعي.
المصدر: http://www.al-akhbar.com/node/18157


Inscrivez-vous à notre newsletter