الثورة الثقافية في سوريا

Article  •  Publié sur Souria Houria le 26 mars 2012

ليست الثورة السورية مجرد صراع سياسي يدور بين السلطة والمعارضة على آلية حكم ما. فهي، قبل كل تحديد آخر، صراع وجودي، بين قاتل ومقتول، بين الحرية وعدمها. وهي ثورةعلى الماضي، وما فيه من أحداث دموية. وهي ثورة على الحاضر، وما فيه من مآس تُهجّر أبناءه، الذين يتوجهون إلى المستقبل، بثورتهم الشاملة، على اللغة البعثية ونصها، والمؤسسات الفاسدة، والسياسات الإقتصادية القاهرة، والثقافة، بمعناها فناً وأدباً، وبمعناها التنظيمي للإجتماع ومكوّناته

الثورة الثورية ثقافية بامتياز. لا يراها البعض كذلك، لأنه مأخوذ بأساليب التفكير الثابتة، التي لا تصلح بعد اليوم لتأويل ظاهرة بسيطة، فكيف تستطيع قراءة معالم ثورة معقدة مثل الثورة السورية. فمن اعتاد على ثقافة الديكتاتورية، وكوّن « رصيده الثقافي » من جراء وجودها، يتمنى أن تظل الثقافة مقتصرة على صفحة الوفيات، ليذكّرنا، بين حين وآخر، بأنه من الأحياء
في سوريا، ثورة ثقافية، بدأت بعودة الكلام إلى الشارع، وبإعادة النظر في المنظومة الثقافية، التي تمردت عليها المرأة مسترجعةً حضورها النضالي من خارج ذاكرة البعث

انشقاق الكلام في ساحات الحرب

لا يكف السوريون عن القراءة والكتابة والتعليق، ولا يكفّون طبعاً عن النقاش حول مستقبل ثورتهم. ردمت أفعالهم الثقافية هذه الهوة بينهم وبين اللغة، وبين بعضهم البعض. فمن المعروف أن البعث لا يحبذ التواصل بين المواطنين، وقد عمل منذ تولّيه الحكم على حصر الكلام وباقي الأفعال الثقافية في أطره الدعائية الضيّقة، بحيث لا تكون الثقافة فيها إلا دعاية وإعلاناً إيديولوجياً. في ظل هذا الإستبداد، لا يمكننا الحديث عن « اتصال اجتماعي »، لأن حصوله مشروط بوجود طرفين أولاً، وبلغة استقلالية تجمع بينهما ثانياً. ليس النظام طرفاً في العملية الإتصالية، إذ سبق وحدد معاييرها وتحكم بمفاصلها وقوانينها على مدى عقود حتى أصبحت تابعة له. الطرف الثاني، أي الفرد المواطن، معطل، أو هو ينفذ المطلوب منه ويخضع لفعل إرضاء السلطة الذي يُنجَز بإعلان المواطنين الحرب الرمزية بعضهم على البعض، بالإستعانة باختلافاتهم، الهوياتية خصوصاً، لقطع علاقاتهم واستبدالها بالصراع كأداة يفبركها النظام ويوجهها نحو ساحات الحرب الإجتماعية. من هذا المنطلق، يتحدث الأفراد على أساس أنهم طوائف وملل. اللغة بينهم متشنجة تستدعي حرباً ومعارك. لكن السوريين انتهوا في ثورتهم من هذه اللغة، وتكلموا بوصفهم أفراداً يعيشون في سجن واحد، والسجّان يملي عليهم مواضيع الكلام، التي بأغلبها محظورة والباقي منها محدد مسبقاً في الصحف والمحطات الرسمية وفي كل حيّز عام. أنهت الثورة الحظر الكلامي وما عادت التابوهات الموضوعية موجودة إلا عند الموالين للنظام. المجلات والمواقع والمدوّنات الإلكترونية التي نشأت خلال الثورة تؤكد تحوّل ساحات الحرب ساحات عامة، يتفاعل فيها السوريون ويقررون أفعال الغد من خلال تفاعلهم الثقافي
خسر النظام قدرته على الكلام. انتزعها الشعب منه. محا الكلامُ الخاص الكلامَ العام، مثلما محت صورة المقتول صورة القاتل، واستعادت ذاكرتها وتكلمت. ففي الذكرى الثلاثين لمجزرة حماة، أخرج السوريون أرشيفاتهم الشخصية، ونشروا صوراً وقصصاً، طغى الأسلوب الذاتي عليها، كما قرأنا في صفحة « مذكرات شهود عيان لمجزرة حماة 1982″ على الـ »فايسبوك ». وفي العديد من الفيديوات، قارن الناشطون بين المدينة في الثمانينات والمدينة حالياً، وبيّنوا أن سوريا ستظل في سيرورة عنفية طالما الإبن المستبد يرث من أبيه الطاغية الحكمَ وأدواته القاتلة. هذا ما عبّرت عنه لافتة حملتها إحدى المتظاهرات: « الأب قتل أبي، الإبن قتل إبني. أنا أم الشهيد كامل شحود، وأم الشهيد جميل نجار ». المجزرة التي كان تَذَكّرُها ممنوعاً، مثل الكلام عنها، تُقال اليوم على الملأ. فالتذكر طريق للتغلب على الجريمة، والكلام بمثابة انتصار على المجرم
كل كلمة تكثّف وجود الشعب في وجه النظام، الذي يتقلص خطاباً وقوةً أمام التفاعل الثقافي وما ينجم عنه من ارتفاع نسبة القراءة والكتابة. هذه النتيجة من أبرز ما حققته الثورة، وخصوصاً أن النصوص التي تكتب أو تقرأ ليست رسمية، ولم تمر على مقص الرقابة. الناس أخذت الكلام، ونصوصها تحررت، أما الهوة، التي كانت تفصل بينها وبين اللغة، فاستولت على النظام ولن تسلمه إلا لممحاة التاريخ التي تحملها يد تمزّق صور الطاغية وترميه خارج ساحاتها
كان الكلام الخاص انشقاقياً، كما لو أن قائله واحد من الجنود المنشقين عن آلة البعث العسكرية. كلامه لا يلغي فعله. لذا سُجّلت منذ مدة انشقاقات في مؤسسات الكلام العام والكتابة والإبداع. تأسست « رابطة الكتاب السوريين »، وهي بديل حر من « اتحاد الكتّاب العرب »، و »رابطة الصحافيين السوريين المستقلين »، ونظم « مهرجان سوريا الحرة السينمائي الأول »، وأطلق « تجمع فناني ومبدعي سوريا الأحرار »، و »إتحاد الفنانين التشكليين السوريين الأحرار »، رداً على « نقابة الفنون الجميلة » البعثية، وغيرها من التجمعات والإتحادات التي أحيت الثقافة وسلحتها بصفحات بيضاء جديدة، كتلك الأوراق التي صنعت منها روز عيسى أسلحتها الورقية في لوحتها التجهيزية « ورق أبيض »، التي نُشرت على صفحة « الفن والحرية » الإلكترونية

خلخلة الفوارق من أجل الإختلاف

للكلام الخاص قيمة وفاعلية في الثقافة الإجتماعية. كانت صرخة « أنا إنسان… ماني حيوان »، بداية التمرد على « السيستام » الثقافي، بأنماط السلوك والتفكير وأساليب العيش التي يحتويها. أعادت الثورة السورية المواطن إلى قيمته كإنسان، وأعادت الإنسان إلى كرامته كمواطن، رافضةً سياسة الإهانة ثم التوسل للدولة
هذه الإنسانية، التي استرجعها الفرد في ثورته، لا تبقى قيمتها في ذاتها، بل تضم الآخرين. فالهوية الخصوصية تضمن الهوية العمومية. وبدورها، الهوية العامة، تشتمل على الهويات الخاصة التي شكلت حيّزها العام ليكون في خدمتها وخدمة اختلافاتها. يغني الإختلاف الثقافتين الخاصة والعامة في علاقتهما، التي سيحدد السوريون السياق الملائم لها من دون أن يكون شكلياً، ومجتزأ إيديولوجياً على الطريق البعثية. من النافل القول إن السوريين في ثورتهم على سلطات البعث يرفضون كل أشكال الديكتاتورية المعلنة أو المخفية. فسوريا « عادت إلى الحياة، فإما النصر وإما النصر »
بهذه الثقافة الجديد تسير الثورة، ولو لم تكن تتمتع بالنظرة الإختلافية لما استمرت. فبرغم تخويف النظام لما يعرف بـ »الأقليات » الدينية أو القومية، وبث الذعر في صفوفها، فقد أثبتت الأيام لاجدوى « الورقة الأقلوية ». بيد أن « الأقليات » أعلنت في الكثير من المناسبات أن الشعب هو « الأقلية » الوحيدة والمنبوذة تحت حكم البعث. وفي الثورة، كل فرد منه هو ذاته أكثرية. في حماة، رفعت الصلبان، في نهار الأحد المخصص للدفاع عن الراهب اليسوعي باولو داليلوا، الذي قرر النظام إبعاده عن سوريا على خلفية دعوته إلى « الإعتراف بالتعددية، وبحرية الرأي، ثم حرية التعبير عنه، ثم حرية النشر مع احترام الآراء الأخرى وتقديرها والمحافظة على سلامة المواطنين وكرامتهم ». لم يرد داليلوا على النظام بخطاب أقلوي، فهُدّد بالطرد من ديره ومن سوريا. وفي ذكرى انطلاق « ثورة الحرية »، رفع شباب تنسيقية الشباب السريان الآشوريين لافتة كتبوا عليها: « يا يسوع… عن ثورتنا ما في رجوع »، إلى جانبها لافتة أخرى تطالب « ببناء دولة ديموقراطية علمانية تكون لجميع السوريين كما كانت الثورة من صنع كل السوريين ». في داريا، رفعت لافتة تعارض خطاب السلطة: « ما المانع أن يكون رئيس الجمهورية إمرأة مسيحية؟! ». أما جبل العرب والجزيرة العليا فشعارهما: « الموت ولا المذلة ». كل المناطق، التي صوّرها النظام على أنها مغلقة نتيجة وجود « الأقليات » فيها، الخطاب الذي تتكلمه ليس « أقلوياً »، بل عمومي، شعبي، يطال كل الناس التي تختلف ثقافياً فقط، بعدما ألغى الفوارق الإيديولوجية التي عززها النظام في الطبقات الفقيرة والمتوسطة، لتقسيمها طائفياً. حتى الإختلافات الثقافية لم تسلم من نقد السوريين. يتعرض كل جزء من أجزاء « السيستام » الثقافي الخصوصي والعمومي، كالعادات والتقاليد والأعراف، إلى المساءلة والنقد. المعيار النقدي المتبع هو جدوى هذه الأجزاء في تحقيق حرية الإنسان وكرامته باستمرارية لا تعيد الماضي وأخطاءه، كما لا تهمله كي لا يعيد نفسه مواربةً بأشكال أخرى، في النظرة الى الاخرين وادراك دورهم البناء في التغيير وما يترتب عليه من نقض للأساطير الثقافية القديمة. نجد أن عدداً من المواقع والصفحات الإلكترونية تهتم بحقوق الإنسان وتدافع عنها وعن المساواة والعدالة الإجتماعية، وتدعم حرية الرأي والتعبير والمعتقد، وتنتقد سياسات النظام التمييزية والإقصائية، وتخلخل السلطات الدينية، ممثلةً برجال الدين، الذين أعلنوا ولاءهم للبعث، أو الذين ينتهجون خطاباً طائفياً مضاداً، من أمثال العرعور أو غيره. فقد علم السوريون أن السلطة الدينية هي ظل السلطة السياسية، وستسقطان معاً. لذلك كتبوا في إحدى التظاهرات: « في سوريا طائفتان فقط: النظام والشعب »، وطالبوا بالديموقراطية والمدنية التعددية، وأسسوا صفحات فاعلة كصفحة « لا لعرعرة الثورة المدنية في سوريا »
بعد ذلك، يأخذ القسم الثاني من صرخة النازح محمد أحمد عبد الوهاب، « وهلعالم كلها متلي »، بعده الإجتماعي من التعاضد الحقيقي الذي يبديه الشعب في ثقافة جديدة، عملت صفحات إلكترونية، مثل « الشعب السوري عارف طريقه »، و »شبكة الملحدين واللادينيين لدعم الثورة السورية »، على تعميمها وفتح فضائها الفكري على أسئلة طارئة وضرورية، كما فعلت صفحة « سوريا عصرية ديموقراطية علمانية » (الفرنسية والعربية) إزاء ظاهرة جريمة الشرف في سوريا مثلاً. بالإضافة إلى التجمعات الشبابية الناشطة في الميادين، كتجمع « أيام الحرية »، أو « تجمع نبض للشباب المدني السوري » الذي وزّع ناشطوه، في ذكرى الثورة، ملصقات الحرية في حافلات النقل العام بدمشق

والمرأة تسترد زمنها المسلوب

خرجت تظاهرة نسائية في عامودا ترفع لافتة: « هل سيتخلص الرجل من العقلية الأسدية بسقوط النظام؟ ». تواجه المرأة في سوريا شبكة إستبدادية، تسعى إلى تفكيكها بربط تحررها الخاص بتحرر المجتمع من النظام الذي يترك آثاره في كل علاقة مفبركة في ماكينة القمع الكلي، يُعتبر قمع الرجل للمرأة جزءاً منها. وإذا أخذنا بجدلية القامع- المقموع، يقمع النظام الرجل، في المؤسسة العسكرية مثلاً، والرجل يتخلص من هويته كمقموع بتحوّله قامعاً يوجّه قسوته نحو المرأة. إذاً، يقف النظام خلف الرجل في مرآة القمع. فضلاً عن ذكورية النظام في إطلاقه اتهامات جنسية على المتظاهرات والمتظاهرين. تهدف المرأة إلى تدمير هذه المرآة، بنفي الواقفين أمامها: النظام وسلسلته الإستبدادية، و »الرجل » كمفهوم قمعي. ينتج من هذا النفي، إسقاط خطاب الذكورية الذي يتكلمه الرجل. لا تقف المرأة عند حدود نفي المكوّن الذكوري، بل تؤمّن لها وللرجل قيمة إجتماعية جديدة، لا تقوم على الثنائية الجنسية. بالنسبة إليها: « المرأة والرجل شريكان في المصير… شريكان في الثورة… شريكان في القرار: متساويان في الحقوق والواجبات »
تنظر المرأة إلى الثورة كحركة شعبية ثقافية ستغيّر بمشاركتها فيها تركيبة المجتمع السوري. النظام الذكوري سيسقط بفعل « ثورة أنثى » بحسب فوتوغرافية غالية سراقبي التي نُشرت في الثامن من آذار. لهذا التاريخ رمزية تدل على نفي النظام من روزنامة الحيّز العام، وتبديل الزمن الذكوري بالزمن الأنثوي الخاص. خصص البعث هذا النهار للإحتفال بذكرى انقلاب 1963، إلا أن المرأة السورية أعلنته يوماً للإحتفال بحضورها في قلب ثورة الكرامة، كمناضلة وناشطة تشارك قولاً وعملاً في رسم ملامح سوريا الجديدة، بحيث لا تعود « تاء التأنيث فيها مربوطة بل حرة »، حتى لو قُتلت أو اعتقلت. وتبتكر المرأة السورية لغتها الخاصة، تتذكر جدّاتها المناضلات، وتكتب للأجيال المقبلة عن المعركة التي خاضتها من أجل استعادة كرامتها في كل الميادين. إذ تطالب مثلاً بقانون أحوال شخصية، لا ترتهن فيه إلى الرجل، في الميراث والزواج والطلاق. ويسمح لها بإعطاء الجنسية لأولادها، الذين سيحيون في مجتمع بنته هي بتضحياتها
قالت المرأة كلمتها الخاصة في وجه كل السلطات التي تجدها واحدة، من سلطة الأسد إلى سلطة الرجل، نتيجة الخطاب الذكوري الذي يفرض على المرأة قوانينه. ستنقل المرأة السورية ثقافة الحرية التي تتمتع بها إلى الأجيال المقبلة، وهذا سيغيّر المجتمع الذي يحيا اليوم ثورةً تسقط فيها الهوية الإيديولوجية الجنسية، لتقف المرأة إلى جانب الرجل ليصنعا التاريخ معاً

ملحق النهار – السبت 24 آذار 2012

http://www.annahar.com/article.php?t=mulhak&p=6&d=24686&dt=2012-03-24+00%3A00%3A00 



Inscrivez-vous à notre newsletter