الثورة السورية والعسكرة – زياد ماجد

Article  •  Publié sur Souria Houria le 2 décembre 2011

جهد الناشطون والكتّاب السوريون المشاركون في الثورة، أو الداعمون لها، في الدفاع عن سلميّتها في مواجهة دعوات البعض الى الكفاح المسلّح ضد النظام، بعد أكثر من ثمانية أشهر من المظاهرات والاعتصامات وتحمّل المواطنين والمواطنات القتل والتعذيب بصلابة قلّ نظيرها، وبتصميم على الاستمرار مهما غلت التضحيات حتى الخلاص من الاستبداد وحكم المخابرات.

الأسطر التالية مساهمة في جهدهم من زاوِيتين: زاوية سياسية، وزاوية « نفعيّة ».

الثورة كفعل تأسيسي

يمكن قول الكثير في أسباب الثورة وخصائصها ورقعة انتشارها وقدرتها التعبوية والخطاب الصادر عن بعض الأجسام المنخرطة فيها أو الممثّلة سياسياً لها. لكن هذا ليس غايتنا هنا. الغاية هي الدلالة على ما سمحت الثورة بتأسيسه الى الآن في سوريا، نتيجة لسلميّتها وتنوّع مشارب المشاركين فيها. ويمكن تعداد أمور كثيرة:

– هدم جدران الخوف كفعل تطهّر جماعي من سطوة الاستبداد.

– استعادة المبادرة الشعبية وكشف النظام على حقيقته العارية: نظام لا تماسك في أدائه في ما يتخطّى القمع ولا سياسة خارج أجهزة الأمن.

– إعادة بناء العلاقة بين الناس والشأن العام، التي حظرها قانون الطوارئ واحتكار السلطة على مدى عقود، بوصفها حقاً مواطنياً لا تراجع عنه، فيها القراءة والكتابة وتحرير النشرات وعقد الاجتماعات والنزول الى الشارع وإصدار البيانات وتشكيل الهيئات واللجان والانتساب إليها. وفيها أيضاً التمسّك بالحق في الاختيار والمحاسبة والملاحقة.

– تقديم الانتماءات الطوعية الوطنية على الولاءات الأوّلية والمكانية الضيّقة، وإعلان تضامن البلدات والمدن مداورةً مع من يُنكب بالجرائم منها لاستعادة اللُحمة العاطفية والسياسية التي عمل التسلّط على تقطيعها منهجياً في البلاد.

– تحفيز العقول ابتكاراً للشعارات والتعليقات والردود والتنافس سخرية وشجاعة وفنّاً لتفكيك الحقل الرمزي في بُنية الاستبداد التي تؤمّن للمستبدّ عادة جانباً أساسياً من هالته القيادية وصورته الحازمة والجدّيّة.

– تحويل فضاء التواصل الافتراضي (لا سيّما الفايسبوك) الى مقهى واسع « للثورة » وللوطن المُستعاد يتناقش فيه ويتّفق ويختلف ويتضامن السوريون في الخارج والداخل، في إقامات العلن والسرّ.

– توسيع المشاركة الشعبية، وكسب سوريات وسوريين جدداً أسبوعياً لصالح الثورة وأهلها.

– تعزيز حضور النساء قائدات ورفيقات وكاتبات ومواطنات يساهمن في انتزاع مزدوج للحقوق: في مواجهة النظام وفي مواجهة قِيم المجتمع البطريركية. وحتى لو اعتُبِر الأمر مؤقتاً، فإن ذلك لا ينفي حصوله وقدرته على التحوّل واقعاً غير استثنائي.
بكل ما ذُكِر إذن وبسواه الكثير، تُعيد الثورة رسم سوريا وثناياها وتؤسّس لمستقبلها، متّكئة الى كونها فِعلاً شعبياً لا يخصّ فئة عمرية أو جنسية أو طائفية أو مناطقية بحالها. وهي تُضعف النظام تدريجياً وتحوّله الى جهاز مذعور يُنفق جهده ويستنزف مخزون « طاقته الإدارية » دون قدرة على حصر « أعدائه » في محلّة أو موقعة، ودون نجاح في ردعهم ولو كوى بعضهم بالنار. فكل شهيد يحشد المئات لوداعه، وكل تضامن مع جيران يستدعي الآلاف، وكل مواكبة لذلك ومناصرة له تُقحِم عشرات الآلاف.

 الثورة وأقصر الطرق الى إسقاط النظام

في مقابل ما ورد، وعلى النقيض من الفلسفة السلمية والقدرة على الحشد الشعبي بواسطتها على امتداد الخريطة السورية، يُعلن تحوّل الثورة الى العمل المسلّح انتقالها من المشاركة الواسعة الى المشاركة الضيّقة قتالاً ونقلاً للسلاح. ويُعلن كذلك انسحابها من العام الى الخاص، وانجرارها لمواجهة النظام على « تُربتِه »، أي تلك التي لا يفقه أساساً غير الضرب بالنار فوقها.

على أن النفعية التي أشرنا إليها في المقدّمة، توجِب تقييم أمرين يتخطّيان قضايا المشاركة وأشكالها وأبعادها. والأمران هما موازين القوى العسكرية، وأثر الصدام المسلّح على سوريا بُعَيد انتهائه. وتقييمهما يبدو اليوم في غير صالح الثورة. فلا الحسم العسكري متاح بسرعة خاطفة لصالح الثوار إن حملوا السلاح، ولا إسقاط النظام بعد قتال طويل وخسائر باهظة في الأرواح والأرزاق يؤسّس لاستقرار مستقبلي أو لقيام مشاريع وطنية مشتركة. كل هذا من دون ذكر ما يُسمّى « اقتصاد القتال » ودخول لاعبين مختلفي الأهداف على خطّ تمويله وتأمين مُستلزماته اللوجستية، ونشوء مجتمع موازٍ في سوريا مرتبط به وبخطوط التماس التي قد يرسمها لفترة، والتي يصعب ألا تتحوّل الى خطوط طائفية.

على هذا الأساس، لا يبدو – اليوم على الأقلّ – أن عملية الإطاحة بالنظام قد تكون سريعة إن اعتُمد القتال وسيلة، ولا هي تلِد وعياً سياسياً ووطنياً جديداً يسهّل جمع أكثرية السوريين حوله لاحقاً. وللذين يقولون إن الموت المجاني على نحو ما يجري يومياً لم يعُد مقبولاً، وكلامهم بكل تأكيد مبرّر، يمكن القول أيضاً إن التصدّي لبعض القتَلة والانتقام منهم قد يشفي غليلاً ليوم أو يومين، لكنه لن يوقِف القتل ولن ينجح في تعطيل آلته، إلا بعد تدفّق الأسلحة وانتظام الثائرين في أطر عسكرية مدرّبة ومنسّقة. وهذا ما يتطلّب زمناً قد لا يكون أقصر من ذاك الذي يتطلّبه إسقاط النظام سلمياً بعد التسبّب بخنقه اقتصادياً وإفلاسه مالياً وعزله ديبلوماسياً وتوثيق جرائمه قانونياً تحضيراً لمقاضاة أركانه؛ وأنه إن تمّ، فسينقل جوانب من قيادة الثورة من هيئات مواطنية مدنية الى هيئات عسكرية تنبثق منها مشروعية للمقاتلين في مرحلة ما بعد القتال ليس من السهل التعامل معها وفق معايير ديمقراطية.

السلميّة بالتالي ليست خياراً سياسياً وأخلاقياً متفوّقاً فحسب، بل هي أيضاً خيار نفعيّ لصالح الثورة وأهلها. لكنها، رغم ذلك ورغم الجهود المخلصة المبذولة للمحافظة عليها وحمايتها، ورغم استمرارها نهجاً طاغياً على حيويّات الثورة في مختلف المناطق، صارت بخطر.

فالنظام يفعل أقصى ما يمكنه للقضاء عليها، وما استهدافه لأبرز الناشطين اللاعنفيين وتنكيله الهمجي بهم وقتل بعضهم تحت التعذيب سوى دليل على حجم غضبه عليها وخوفها منها. وهو في الكثير من جرائمه يحاول الدفع نحو ردود الفعل ليستثمرها ولو مؤقتاً، إذ لم يعد قادراً على التفكير والتخطيط خارج المؤقت الدموي.

والانشقاقات في صفوف الجيش مرشّحة للتزايد على نحو مضطرد، وهذا أمر محمود نتيجة رفض الجنود والضباط الأوامر بقتل أهلهم، لكنه سيُفضي أكثر فأكثر الى مواجهات موضعية.

التطوّرات إذن قد تخرج من إمكانيات التحكّم المواطني بإدارتها، وتسبق تبلور النقاش حول السلمية والعسكرة، وهذا يستدعي جهوداً إضافية في الداخل، وضغوطاً إضافية في الخارج، عن طريق العقوبات ضد النظام وأفراده والمتعاونين معه وقطع العلاقات به، والسعي بكل السبل القانونية الممكنة لحماية المدنيين السوريين من بطشه.

وواحدنا في أي حال لا يملك، مع تجديد تأكيده على إيثار السلمية سبيلاً للتغيير، سوى التأكيد في الوقت عينه على الاستمرار في دعم الثورة وخياراتها، من دون إغماض العيون عمّا قد يعتري مساراتها المقبلة من ممارسات وتعقيدات. فالخلاص من النظام يبقى الهدف والأولوية المطلقة، وطيّ هذه الصفحة الدميمة من تاريخ سوريا والمنطقة إنجاز لن يوازي أهميّته شيء، مهما بلغ الثمن.

http://www.ziadmajed.net/المصدر



Inscrivez-vous à notre newsletter