الثورة السورية و تأثرها بإرهاصات العالم المحيط – * لينا موللا

Article  •  Publié sur Souria Houria le 20 août 2011

تدخل ثورتنا شهرها السادس  أقوى وأنضج وأعم .

وبالمقابل فإن النظام يزداد وحشية وقمعاً في مراهنة على نجاعة القمع في وأد جذوة الثورة ولهيبها .

حيث يزج الجيش على نطاق واسع في حصار المدن وقطع الماء والكهرباء وكافة خطوط الاتصال وبقدم على القتل المنهجي والمبرمج، على تشريد الشعب وتدمير البيوت، حتى دور العبادة لم تنجى من همجيته .

لكن ماذا عن الرأي العام العالمي وماوقف الدول المؤثر على مصير الثورة ؟

ولنبدأ بتركيا الدولة المجاورة والفاعلة والتي تشترك مع سوريا بحدود طويلة، تسللت من خلالها فيما مضى مجموعات مسلحة من حزب العمال الكردستاني وبعض القوى اليسارية، وهاجمت أهداف تركية حيوية فأصابت الدولة التركية في موجع، وكلنا نذكر تهديد ديميريل للأسد الأب في أواخر التسعينات، وكيف تحولت بعدها العلاقة بين الدولتين إلى علاقة حسن جوار ومن ثم تشابكت المصالح، حتى غزت الصناعة التركية الأسواق السورية وأدت لخروج المنتجات السورية من السوق السورية ذاتها،  دون أن تقوم الحكومة السورية بدعمها، فالأسد احتاج بالدرجة الأولى إلى دعم إقليمي يقوي مركزه وهو يؤثره عن أي تداعيات اقتصادية يمكن لها أن تصيب بلده . وبالنتيجة حازت تركيا على امتيازات ما كانت تحلم بها إذ بلغ حجم التبادل التجاري عتبة الثلاثة مليارات دولارمع ميلان كامل لكفة الميزان لصالح تركيا ، وشكلت سوريا سوقاً كبيرة للمنتجات التركية، وبوابة لعبورها إلى الأسواق الخليجية،  وفي موازين الربح والخسارة نتساءل لماذا تقدم تركيا على محاربة النظام السوري، وهي تعلم أن ما قدمه لها الأسد لن يتكرر مع أي نظام يخلفه، إضافة إلى أنها لا تريد الاصطدام مع كل من إيران المكشرة عن أنيابها وروسيا المترقبة والمتحفزة .* 1

وليس مصادفة أن يتعرض الجيش التركي لهجوم مباغت يؤدي لمقتل ثلاثة جنود ثم يليه هجوم  ثان أقسى يودي بحياة ثمانية جنود آخرين، بإيقاع تصاعدي وهذه رسالة واضحة من توقيع المخابرات السورية والإيرانية وبتنفيذ حزب العمال الكردستاني .

من جهة أخرى فإن تركيا تحاول قراءة الساحة السورية بتمعن وتحسب لسقوط الأسد، وتمهد لمرحلة قادمة و نظام سوري آخر وشعب جريح مثكول لا ينسى الأسية، تحاول من خلال مبادراتها وإعلامها أن تبقى قريبة من القاعدة الشعبية السورية العريضة عامدة لاتباع سياسة التمهل والتلويح بالعصا، وضمناً تتمنى أن يأخذ النظام بنصائحها ويجنبها المرور بمرحلة صعبة لا تريدها.

الدول العربية

مصر وهي الدولة العربية الكبرى والأكثر حضوراً وتأثيراً وصاحبة تجربة ثورية ريادية نجدها مشغولة بعملية البناء التي تلي الثورة ، غارقة في معالجة ملفات دقيقة تجعل من دعم الثورات العربية الوليدة حلماً يراودها لكن مع عجز شبه كامل من تحقيقه .

السعودية تخشى الثورات العربية، وهي وإن لم تكن راضية يوماً عن حكم آل الأسد، لكنها آثرت مصالحها، واليوم لا تجد نفسها مضطرة لدعم ثورة تنادي بالديمقراطية وتداول السلطة، وهي الدولة الأكثر رجعية في العالم، ربما قامت بتوجيه بيان للشعب السوري كنوع من رفع العتب أمام شعبها والعالم فقامت بما عليها لكنها لم تجد من النظام السوري أذناً صاغية . من جهة أخرى فإن للسياسة السعودية اعتبارات تتعلق باللهفة والنخوة ونجدة المظلوم .* 2

السعودية المعادية للصفوين تتمنى بالمقابل زوال النظام السوري وحلول حكم آخر أقرب إليها ولتوجهاتها، وهي ستعمل في الفترة القادمة على قيادة دول الخليج العربي في إقامة عزلة خانقة لنظام الأسد وربما أذعنت للطلب الأميركي في الطلب من الرئيس السوري بأن يتنحى ..  ولكل شيء ثمن .

أما الإمارات العربية فهي تفضل بقاء أموال آل الأسد وعصاباته في بنوكها عن التقدم بأي موقف سياسي يحسب لها، فدبي تحتاج اليوم  إلى كل قرش لكي تعيد نهضتها الاقتصادية من جديد ، أما الكويت فقد قام مجلس الأمة  بما عليه حين طالب بطرد السفير السوري من بلاده،  ومن المستبعد أن يتطور موقفها في الفترة القريبة القادمة .

الأردن مشغول بما يعانيه من مشاكل شتى، وهو منغمس بمعالجة مطالب المعارضة بطريقة العصا والجزرة وهو يمشي بين الحبال بتوازن دقيق ويخشى الوقوع، ونذكر أن الملك عبدالله الثاني قد نصح نظيره السوري بأن يكون قريباً من شعبه وأن لا يستعمل العنف وأن يقوم بالإصلاحات التي يطلبها هذا الشعب، وظن أن هذه النصائح تكفي لرفع كاهل العتب عنه وهو يترقب ما يجري في الدولة الجارة بحذر واهتمام ..  أما لبنان فتقوم عليه وزارة موالية وضعها النظام السوري ذاته، كما لا توجد لدى المعارضة اللبنانية اليوم الرغبة في مواجهة نظام شرس عانت منه طوال ثلاثة عقود والتاعت من أسلوبه الشرس في التعامل مع من يخالفوه الرأي والمصالح، وتستأثر الانتظار على أن يدفع الشعب السوري الثمن لأجل التغيير، ويبقى تأثير المظاهرات التي تقوم في طرابلس والتي يغلب عليها الطابع الديني والمذهبي متواضعاً، لكن هذه المعارضة تنتظر هذه الأخرى لحظة ينهك فيها النظام السوري لتنقض عليه في معركة انتقامية تترقبها منذ سنوات .

العراق يخشى من نظام سوري موال وداعم للقوى السنية فيه،  الأمر الذي  يؤثر سلباً على التركيبة السياسية الحالية الهشة ويهدد بقاءها، وقد أرسل النظام السوري للحكومة العراقية رسائل عدة على شكل أعمال إرهابية مرعبة، كانت تفجيرات البارحة الدامية آخرها، وهي رسائل اشتهر بها النظام السوري لدى انحشاره أمام استحقاق ما، وأظن أن الحكومة العراقية لم يفتها المضمون، ولن تكون راغبة اليوم بأي تعديل لموقفها من النظام لصالح ثورة الشعب السوري .

روسيا  تعتبر أن النظام السوري هو أهم جزء من إرثها السوفيتي، وهي قد حصلت على استثمارات طيبة في مجالات الغاز والنفط والكهرباء ولديها قاعدة بحرية على الساحل السوري ذات قيمة استراتيجية هامة، ولا تجد نفسها مستعدة للمقامرة بكل هذا  بدعم الثورة السورية، خاصة أنه لا يوجد في المعارضة السورية  أو الثورة ممثل قوي  قادر على ضمان استمرار سير مصالحها بعد سقوط النظام الأسدي .

لا شك أن الأوروبيين بمجموعهم يتمنون انهيار الحكم السوري، وهم أبدوا انزعاجهم وذهولهم من الطريقة الوحشية التي يعامل بها النظام المحتجين، وكانوا المبادرين على معاقبة الرموز السوري بمجموعة كبيرة من العقوبات وطالوا فيها شخصية الرئيس لأول مرة،  لكن أوروبا اليوم ليست في أحسن أيامها وتعاني من أزمات مالية غير مسبوقة تهدد وحدتها الإقتصادية وبالتالي لا تجد نفسها مستعدة لدفع أو تمويل كلفة الحرب التي يمكن لها أن تزيح النظام، خاصة أن سوريا التي تقوم بدور انفردت به منذ عشرات السنين، دور تأسس على نشاط ترويعي وتهديدي لدول الجوار،  دور حيوي أيضاً سمح للقوى العظمى بالتدخل في المنطقة وبناء أحلاف عسكرية وتشييد قواعد عسكرية وحيازة بعض الامتيازات التجارية، هذا الدور الهام يجعلها مترددة في إيجاد خليفة يقبل بأن يكون استمراًراً لسلفه، وهو أمر لا تخفى صعوبته أو استحالته في الظروف الحالية ، لذلك تؤثر أوروبا التريث وترك الثورة تقلع أظافرها بأيديها دون تدخل منها وتحمل أي كلفة لا يمكن استردادها في يوم قريب .

الصين التي ما تزال تمارس سياسة خارجية تقليدية  شبيهة بجارتها الروسية ، لا تملك قراءة عميقة لطبيعة المتغيرات الدولية، وهي تخشى امتداد هذا الثورات إلى حدودها لتقتحم سور الصين العظيم، اقتحام يذكرقيادتها السياسية باجتياح المغول لأرض الصين الشاسعة، لذلك فهي تؤثر المراقبة والتلويح بالفيتو عن أي تدخل قد يكون مكلفاً لها .

أما عن الولايات المتحدة الأميركية فاهتمامها ينصب على سلامة الدولة العبرية وعدم رسم حدودها من جديد .

وهي غير معنية بأي تدخل عسكري أو ضغط سياسي مكلف، خاصة أنها غارقة في ديون تفوق قدرتها على الوفاء، ولم تشفى بعد من أزمتها الإقتصادية المزمنة، وهي تراهن على سحب قواتها العسكرية من بؤر النزاع والتي أغرقت الخزينة بنفقات خرافية،  لذلك نجدها تلقي الكرة في ملعب حلفائها، للنجاة من أي استحقاق يمكن أن يطالها .

إسرائيل الممتنة لخدمات النظام الأسدي الجليلة في الحفاظ على أمن حدودها المتاخمة للدولة السورية تراهن بالمقابل على قيام حرب أهلية تقضي على البنية التحتية لسوريا وتقض مضجع  جيشها، بحيث تحتاج الدولة الفتية إلى سنوات طويلة لإعادة بناء ما تهدم مما يمنحها زمناً كافياً لتغيير ديمغرافي يجعل من استرجاع الجولان أمراً عسيراً .

الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا هذه القوى الدولية الصاعدة تعمل على مبدأ خالف تعرف، فهي حديثة في مجال بناء الأحلاف السايسية وصياغة المصالح ينقصها الكثير من الخبرات، ومع ذلك تحاول جاهدة بلورة موقف دولي يميزها عن الآخرين، وهي تقف عثرة ضد إجماع دولي لاستصدار قرار  إدانة للنظام السوري وتعريضه إلى عقوبات أممية في مجلس الأمن  .

مع هذا الوضع الدولي المتشابك  نتساءل ما هي حظوظ الثورة السورية في كسب دعم قوى دولية يدعم موقفها ويقوي لديها فرص النصر والقضاء على نظام مجرم .

إن ما دعى العالم للتحرك هو عناد الشعب السوري واستمرار الثورة طوال هذه المدة القياسية، وكان لهذا التحرك أن يكون أسرع وفعالاً أكثر فيما لو وجد للمعارضة والثورة ممثلين متفقين على اتباع سياسة واحدة ورؤيا واضحة لسوريا ما بعد الأسد ومكلفين من قبل الشارع وبطريقة ديمقراطية وشعبية للتحدث باسمه ومطالبه .

يقيني أن المعارضة السورية والثورة تحتاجان منذ اليوم الأول إلى جهة تمثلهما وهما لم تنجحا حتى اليوم في تحديد زمن يتمخض عنه ولادة قصرية لقائد سياسي فذ، قائد ثورة يتحرك على الأرض بين الثوار يخطب فيهم يشجعهم ويلهمهم ويكون الدينامو لجميع السوريين بكافة أطيافهم . ثورة تحتاج إلى غيفارا سوريا .

ولهذا فإني وأتحدث اليوم باسم فصيل كبير من الثوار، و ألقي باللائمة على وجوه المعارضة السورية التي تقاعست إلى اليوم عن حراك جمعي مطلوب وضروري، وغلبت خلافاتها على ما يجب فعله، لا بل إني اليوم أتحدث بنبرة عالية أننا لن نغفر لهم أي تردد أو تضييع في الفرص والوقت، وأذكرهم أن الدماء السورية الطاهرة التي أريقت تكفي لأن يتفقوا وبسرعة قصوى على تمثيل الثورة والاتفاق على المبادئ العامة والجوهرية التي يتفق عليها عموم الشعب السوري وليتركوا خلافاتهم لتحل في زمن لاحق، على أن يبقوا حقيقة لا قولاً قريبين من الثوار ويتنفسوا هواءهم وينطقون بجوهر الثورة وعنفوانها .

كما أذكر أيضاً أن كل تأخير في تمثيل الثورة وقيادتها ليس من مصلحة الشعب الماضي ببسالة لا سابق لها بتضحياته مقرونة بحراك سلمي في مواجهة أعتى أنواع القمع المعروف عالمياً وتاريخياً .

إنه رهان واضح وصريح لا يمكن للثورة السلمية أن تنال النصر على النظام فلولا غاندي ملهم الهنود لكان النصر السلمي على البريطانيين مستحيلاً، إنه نداء لكل القائمين على الثورة والضالعين فيها بالتحرك لخلق قائد مشهود له بالوطنية والقدرة على الخطابة والتأثير وبتاريخه النظيف، نداء نضع من خلاله الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية الجسيمة في الوقوف مع شعبهم جميعاً وتسريع زمن النصر لأنه بات علينا جميعاً تذوق نكهته .

1 – رشحت أوساط صحفية قريبة من وزير الخارجية التركي أن هذا الأخير قد عرض على الرئيس الأسد في زيارته لدمشق منذ أيام استضافته في تركيا في حال فشل في معركة الانتخابات المزمع قيامها بعد سنتين كنوع من اللجوء السياسي، فما كان من الأسد إلا أن استشاط غضباً ووقف بطوله الفارع ليقول انتهت المقابل مما حدا بوزير الخارجية السوري المعلم لإجراء وساطة نجحت في إكمال جلسة المباحثات . ومعروف أن الأسد صاحب الابتسامة المشرقة ينقلب حاقداً وعدواً شرساً غير قادر على الاستيعاب وحتى التفكير لدى سماعه لأي كلمة يعتبرها زلة من محدثه، ويكون رده قاسياً لا يرحم وخارج حدود الكياسة التي يتحلى بها القادة عموماً.
  • 2 – كان الملك عبد الله قد اتصل بالرئيس السوري قبل يوم واحد من إصداره الخطاب الشهير، وفي ذات اليوم وفي مقابلة لطريف شحادة أحد أبواق النظام السوري قال ان لسوريا أوراق يمكن استعمالها في كل دول العالم، وألقى مثلاً على دول الخليج بأن سوريا قادرة على تحريك النزاع السني الشيعي، وهذا ما جعل الخطاب السعودي يصدر في اليوم التالي مباشرة ليتضمن عبارة ذات دلالة واضحة، أن التصرفات التي يقوم فيها النظام تجاه شعبه لا تقرها أخلاق ولا قيم ولا دين، وهي تعبير ديبلوماسي يعني أن الرئيس الأسد بلا أخلاق ولا قيم ولا دين .

  • لامت أجهزة الأمن السورية طريف شحادة على تصريحه ومنعته بعد هذا اللقاء من الظهور ثانية فليس كل ما يقال في الكواليس السياسية يصلح للتسويق الإعلامي .

  • صرح جمال الخاشقجي وهو صحفي سعودي بارز ومقرب من الملك السعودي، أن الخطاب الذي وجهه هذا الأخير للشعب السوري سيشكل فيصلاً ونقطة تحول في تعامل السعودية ودول الخليج مع النظام السوري .

قادمون

*صوت من أصوات الثورة السورية



Inscrivez-vous à notre newsletter