الشطرنج الدموي في سورية- الياس خوري

Article  •  Publié sur Souria Houria le 17 septembre 2013

زمط بشار الأسد من الضربة الامريكية، وتحقق انتصار قوى ‘الممانعة’ على الامبريالية! هكذا صار تدمير الأسلحة الكيميائية السورية التي قيل انها وجدت من اجل بناء توازن استراتيجي مع اسرائيل النووية، انتصارا على امريكا واسرائيل!
يا عيني على اللغو الذي حل مكان اللغة.
‘الممانعة’ انتصرت اليوم كما انتصرت في هزيمة حزيران/يونيو عام 67. يومها افتى فلاسفة البعث ان العدوان الاسرائيلي فشل لأنه لم ينجح في اسقاط الأنظمة التقدمية! ومرت الكذبة وعاش العرب نشوة انتصارهم الكبير وسط مشاهد النابالم واللاجئين الجدد والجنود الهائمين على وجوههم حفاة، وبعدما احتلت اسرائيل سيناء والجولان والضفة وغزة.
اما معسكر المعارضة السورية الذي اهلكنا على الشاشات بحتمية الضربة، فإنه رغم كل امراضه، لم يصل الى احترافية ترقى الى احترافية الممانعين في صناعة الكذب، لذا انكفأ على نفسه، لاعنا خيانة الحليف الامريكي الذي لم يكن يوما حليفا الا في الاوهام.
كان من الممكن ابتلاع هذا الخواء والقول ان لا جديد تحت سماء العرب المرصّعة بفارغ الكلام، لولا ان هذا الكلام يأتي كي يحجب الدم، ويغسل جريمة سفاح الشام وديكتاتور سورية، محولا سؤال الجريمة الى سؤال عن الأداة وليس عن مسؤولية المجرم.
والله صار الكلام معيبا ومخجلا، كيف تتكلم وسط ‘عصفورية’ المحللين الاستراتيجيين، الذين حولوا السياسة الى مسخرة؟
وبدل ان نستنتج دروس الشطرنج الأمريكي الروسي المغمس بالدماء، تاه الكلام وضاع التحليل، وصارت السياسة احجية تحتاج الى المنجمين!
تعالوا نحاول الخروج من هذا النفق المعتم، من اجل ان نقرأ لعبة الشطرنج التي وصلت الى ذروتها المفاجئة والمدهشة في الاقتراح الامريكي بتدمير السلاح الكيميائي السوري، الذي تحول الى مشروع روسي، ما لبث نظام الأسد ان وافق عليه ‘بأريحية’ مدهشة ومن دون اي تحفظات.
لا شك اننا امام لاعبَين ماهرَين يحسنان تحويل نقاط الضعف الى نقاط قوة، وهذه واحدة من تعريفات الديبلوماسة.
لكن لا بد من ان نشير اولا الى غياب اللاعب السوري او العربي، فهذا اللاعب لم يستطع الوصول الى مرتبة البيدق، بل كان مجرد رقعة الشطرنج. وكل محاولات وليد المعلم وبشّار الجعفري لبيدقة (اي تحويله بيدقا) معلمهما الكيماوي، باءت بالفشل.
الولايات المتحدة كانت تواجه مأزقا حقيقيا، فالخط الأحمر جرى تجاوزه في مجزرة الكيماوي الوحشية في الغوطة، وكان على باراك اوباما الذهاب الى عمل عسكري صغير ورمزي رغما عنه وفي ظل رفض الرأي العام الأمريكي والغربي لأي مغامرة عسكرية بعد البهدلة الامريكية في العراق.
اوباما المتردد والحمائمي والذي لا يريد اسقاط الأسد، (وهنا يقع جوهر الحكاية) لاقاه بوتين الصقري ولكن العاجز عن دخول الحرب من اجل انقاذ زبونه السوري. هكذا التقى التردد بالعجز من اجل صوغ واحدة من اكبر الخدع الديبلوماسية في زمننا. بزلة لسان اخرج كيري مشروع الكيماوي من كمه، فألتقطها لافروف وحولها الى اقتراح، ولم يكن على وليد المعلم سوى ان يقرأ بصوت مرتعش وكأنه يقرأ نصه للمرة الأولى، الموافقة السورية والى آخره…
زلة اللسان الامريكية كانت مسرحية اما الاتفاق فرُسمت ملامحه في قمة بيترسبورغ في مناخ ساده التجهم بين الزعيمين الامريكي والروسي، لكنه لم يكن تجهم الخلاف في وجات النظر فقط، بل كان ايضا تجهم الورطة السورية التي وجد الزعيمان نفسيهما عالقين فيها.
الأمور لم تنته هنا، لكن الاتفاق الكيماوي قد يكون الخطوة الأولى نحو تقنين الحالة السورية من قبل الدولتين الكبريين، وتحويلها الى معزل او كرنتينا للقتل والارهاب والى آخره، عبر ضبط تداعياتها ومنعها من الانتشار. اي ان قراءتي لهذا الاتفاق هو انه ليس خطوة نحو انهاء الحرب في سورية، بل هو خطوة نحو تنظيمها ومحاولة محاصرة تداعياتها.
نزع الكيماوي يطمئن اسرائيل وهذا هو بيت القصيد الامريكي، ويعطي مظلة حياة مؤقتة لنظام الأسد، وهذا ما يريده الروس، ولا يسمح بانتصار الشعب السوري على جلاديه، وهذا ما تريده الولايات المتحدة وروسيا!
لا شك اننا امام ديبلوماسية مبهرة جاءت لتغطي العجز والتردد، وتوحي بأن ما يسمى بالنظام العالمي الذي لا يزال في طور تشكله، نجح في سحب فتيل الحرب في سياق معالجته لاحدى المشكلات الدولية المستعصية.
النظام السوري ومعه جوقة الممانعين، يرقصون طربا لانتصارهم، وهم يعلمون ان احـــد اســباب التردد الامريكي، ليس الخوف منهم بل الخــــوف علـيــهم من السقوط. فالامبــــريالية الامريكية لا تثق بقدرة اصــــدقائها وعمــــلائها على بناء نظام يضمن امن اسرائيل مثلما فعل نظام الأسد خلال اربعة عقود.
كما انها تتخوف من نفوذ التيارات الاسلامية المتطرفة في المعارضة السورية، وهو نفوذ يعود في جوهره الى عملائها العرب، الذين وجدوا في التيارات التكفيرية وصفة جاهزة لقتل روح الثورة الديموقراطية وتحويلها الى صراع سني شيعي مدمر.
المأزق اذا ليس مأزق الولايات المتحدة وروسيا في لعبة الشطرنج السورية، التي جعلها بوتين نافذته للعودة الى السياسة الدولية كشريك مضارب، بل هو مأزق الشعب السوري في مواجهة الاستبداد، الذي اثبت ان اسلحة الدمار الشامل التي يملكها ليست معدة ضد اسرائيل، بل مخصصة لابادة الشعب السوري، وتدمير احتمالات التغيير.
نجح الاستبداد في تحويل سورية الى رقعة شطرنج يتبارى فيها اللاعبان الدوليان فوق انهار الدم والدموع، واثبت ان الجريمة لا حدود لها. لكنه لن ينجح في البقاء في السلطة، ولن يتمكن من سحق ارادة شعب التضحيات والمقاومة والصمود.
وهذا هو الرهان.



Abonnez-vous à notre newsletter