الشعوب العربية وبداية التحولات الكبرى – * لينا موللا

Article  •  Publié sur Souria Houria le 14 septembre 2011

من أهم سمات عصرنا الحالي، تهاوي قلاع الأنظمة الشمولية الواحدة تلو الأخرى، بدأت مع انحلال الأمبراطوريية السوفيتية، وسقوط جدار برلين ومن ثم تهاوي ديكتاتوريات أميركا الوسطى والجنوبية .

عشرين سنة تلت هي مدة التأخير التي فصلت هذا الحدث عن بداية نهاية الأنظمة الديكتاتورية في عالمنا العربي، مدة أريد لها أن تكون أطول بكثير، وزج فيها كل أنواع معيقات التطور، مما دفع باليأس في شعوب المنطقة، ابتدأت بابتكار معارضات دينية غاية في الرجعية والتخلف وانتهت بالتسويق للجمهوريات الواراثية وكأن هذه المنطقة قد سحبت من خارطة العالم المعاصر لتدفن في رمال عميقة جافة وحارقة .

عشرين سنة عرف فيها الاسلام السياسي عربياً وعالمياً يقظة حثيثة ضد أنظمة متهالكة غير وطنية وزج شباب الوطن اليائس في حرب عبثية لا طائل لها تقوم على حرب بمواجهة الغير المختلف بدل الإلتفات إلى معركة البناء ، حرب أريد لها الخسارة وزج المنطقة في كيانات ممزقة لدويلات أثنية وطائفية، وأهدرت طاقات الدول العربية وتمزقت وزاد القهر والفقر والتخلف، وغاب الأمل في إمكانية اللحاق بركب دول خرجت لتوها من قوقعتها لتنفتح على العالم الحر وتصبح مكونة من مكوناته، فاعلة ومنتجة .

احتضن الغرب المعارضة الإسلامية باعتبارها المعارضة الوحيدة الموجودة على الساحة العربية، إذ فرغت الساحة السياسية العربية بعد أن تهاوت أغلب الأحزاب التقدمية بحكم حرب شرسة قادتها الأنظمة الديكتاتورية بتمويل من الدول العربية النفطية ، وقدم الغرب لهذه المعارضة الوحيدة كل أنواع الدعم من التسهيلات المادية إلى تأمين الإقامة الآمنة، واستخدمها كعصا في مواجهة الأنظمة العربية في مواعيد معينة ليقتنص مزيد من التنازلات من القادة العرب، وكان أن ازدادت حركات الإسلام السياسي قوة وبأساً، لتنقلب ضد الحكومات الغربية التي تبنتها وساعدتها مالياً وسياسياً، فكانت غزوة نيويورك وتفجيرات الرياض ولندن ومدريد والكثير سواها ، هذه العمليات رغم إيلامها أفاد منها الغرب وسخرها في تضييق الحصار على الأنظة العربية، فكان احتلال العراق والقبض على أول زعيم عربي ومحاكته ومن ثم إعدامه، هذه الضغوط دفعت الكثير من الدول العربية كالسعودية الوهابية إلى تقديم تنازلات تخص نفوذها الإقليمي مما أضعف دورها العربي والاسلامي لحساب إمارة قطر التي استضافت على أرضها أكبر قاعدة عسكرية أميركية .

وأخذت قطر تلعب دوراً إقلميا وسيطاً يتجاوز حجمها ودورها التاريخي بكثير، تخدمها في ذلك البحبوحة الاقتصادية التي ظفرت بها بعد بدء استخراج احتياطي الغاز لديها، ودعم غربي قوي، بالإضافة لاستضافتها وتسخيرها لقناة الجزيرة كأكبر آلة إعلامية عربية ذات حرفية ممتازة وشعبية عربية مميزة، فاستطاعت استقطاب الإسلام السياسي وصبغه بصبغة عربية ووطنية .

( 1 )

تواكب ذلك مع إضعاف دور مصر الإقليمي لحساب تركيا ( 2  )، ودور سوريا لصالح إيران فباتت مرتبطة  بالفلك الإيراني عضوياً، وتهلهلت الدول العربية لتفقد أي دور سياسي خاصة بعد احتلال العراق وتشرذم القادة العرب بين مؤيد ومعارض، وتقسيم العراق إلى مقاطعات إثنية وقومية, وتبذير كافة إمكانياته في حرب أهلية دامية فيه أتت على مقدرات هذا البلد نهائياً .

( 3 )

هذا الفشل السياسي الكبير واليأس القاتل الذي ألم بالشعوب العربية، هياً للأنظمة العربية مناخاً مؤاتيا  لاستمراء حقوق شعوبها،  فلجأت سوريا إلى التوريث، في ظاهرة خطيرة وفجة خارجة عن المنطق السياسي، بحجة ديمومة الاستقرار الداخلي والخارجي، مما أتاح  لعائلة الأسد سرقة مقدرات البلاد وتوزيعها على الموالين والشركاء، حكم الأسد الذي تميز بالفساد الكامل والذي طال جميع مقدرات وإدارت الدولة وإيجاد طبقة طفيلية تمتص الحراك الإقتصادي تاركة الفتات للشعب الذي بدأ يتضور جوعاً وحنقاً وألماً، هو أحد وصمات العار التي أصابت تاريخنا الحديث .

وفيما أعد علي عبد الله صالح اليمن للوراثة، فعل ذلك مبارك في مصر والقذافي في ليبيا، وبدى أن التجربة السورية الناجحة في حينه مؤهلة للتسويق، مترافقة مع كل أنواع اليأس الذي اصاب المواطن العربي جراء للسرقة المنهجية التي يتعرض إليها المال العام، مال الشعب .. إضافة لانسداد الأفق في التغيير الديمقراطي، فباتت الدول العربية بمجملها مهيأة للثورة والانقضاض على قادتها، وكانت الشرارة الأولى في حرق البوعزيزي لنفسه في تونس، ليمثل هذا المشهد المؤثر قمة اليأس الذي خرج من رحمه ثورة المظلومين والمهمشين والجياع والمحرومين، والتي لن تنطفئ حتى إسقاط جميع الأنظمة العربية الشمولية التي رضيت لأن تكون خارج التاريخ إلى أن لفظها .

الذي فاجأ الغرب أن الثورات العربية لم تخرج من بطانة الإسلام السياسي الذي تعامل معه لعقود وخبر طريقة ابتزاز الأنظمة العربية من خلاله، تفاجأ عندما خرجت الثورة من كامل الشعوب العربية في هبة جبارة ومستمرة، شكل وقودها ملايين المظالم التي أثخنت جسد المواطن العربي، فقام على القهر واليأس مطالباً بدول مدنية تقوم على الحرية والمساواة والعدالة والكرامة، بعد أن شعر بعمق الهوة التي يعانيها مع باقي دول العالم التي سبقته بخطوات طويلة .

وحين حاولت المعارضة الإسلامية الإستيلاء على الثورة الإسلامية بدعم دولي واضح، وذلك عبر رموزه وشعاراته وأيديولوجيته، ثار أغلب المواطنين العرب رافضين استبدال استبداد باستبداد آخر . محددين مطلبهم بدولة مدنية .

وإذ لا ننسى أن الشعوب العربية متدينة بجميع أطيافها، إلا أنها شعوب لم تعد تقبل عن دولة المواطنة بديلاً، وجنحت للمرة الأولى إلى تبدية الحقوق الفردية على حقوق الجماعة، في وعي يشهد لها لسد الذرائع أمام القوى الأجنبية المتربصة للتسلل عبر ثغرة الفئات المستضعفة للدفاع عنها وحمايتها، فتقوم بالتدخل وتفتيت النسيج الوطني ، فعمدت إلى رفع شعار المساواة بين كل المواطنين، شعار يدل على رؤية واضحة وبعد عن المنافع الآنية والضيقة .

وحاولت الأنظمة العربية قاطبة ومثال عنها النظام السوري إثبات أن من يقوم بهذه الثورات هي جهات أصولية متطرفة، وأن البديل عنها هو الدمار وإقامة إمارات إسلامية راديكالية، وأن وجودها هو الضامن الوحيد لحقوق الأقليات الدينية والمذهبية والإثنية والقومية .

لكن ممارسات النظام السوري في هذا المثال، وحربه الشعواء ضد الأحزاب الوطنية والتقدمية لمدة عقود طويلة، وزج قياداته في السجون لعقود أو تهجير الكثيرين منهم ونفيهم ومنع سفر الكثيرين، وتعطيل الحياة السياسية كما ومنعه لأي حراك مدني، لم يسعف مزاعمه وقضى على أي مصداقية أشك أنه تحلى بها يوماً .

لقد شكل التطور التكنولوجي وخاصة في حقل الاتصالات نافذة كبيرة رغم أنف الأنظمة العربية، تدفقت من خلالها جميع الأفكار الحداثية لتنعش مخيلات ووجدان المواطن العربي، ممهدة لثورة عربية شعبية، وبذلك اختلف هذه الثورة عن الثورة الأولى التي قادها الرواد فقط، اليوم من يقود الثورة هو الشعب بكامله وتدار من قبل أجهزة الميديا كوسيلة للتعريف والانتشار.

الثورة اليوم بأبعادها الإقتصادية والاجتماعية والسياسية، تهدف إلى بناء دولة معاصرة لم يشتهيها الغرب لنا، إيماناً منه بصعوبة التأثير عليها، وما نزوال الشعب المصري إلى الشارع وحصارهم للسفارة المصرية إلا البداية، إنه عهد جديد كلياً .

ثورة شعوب غاضبة حانقة مؤمنة بالتغيير الديمقراطي، وهذا ما أوقع دول العالم في تردد و حيرة عن طريقة وكيفية التعامل معها .

شعوب خرجت نهائياً من إملاءات رجال الدين والقهر والعبودية وشهوات السلطة، تشق طريقها بثبات وعناد تجاه الحرية، مسددة أكلف الأثمان من دماء أبنائها البررة، دون أدنى تردد  أو تلكؤ .

لذلك فهي ثورة للتغيير الحقيقي وجديرة بالاحترام حتى من أشد الأطراف عداوة لمبادئها .

 ( 1 ) أقدمت إمارة قطر على انتزاع ورقة هامة من سوريا وإيران باستضافة قيادات حركة حماس على أراضيها، مقدمة الدعم المالي والإقامة .

( 2 ) تسللت تركيا عبر الملف الفلسطيني لتسجل مواقف لقت استحسان أغلب المواطنين العرب، وجعلت منها الدولة الإسلامية الجريئة في مواجهة الصلف الإسرائيلي وهو له كبير التأثير في عواطف العرب عموماً، وما طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة إلا إحدى هذه الخطوات التي تمنحها دوراً إقليمياً متعاظماً، واليوم يخطب أردوغان في القاهرة ليوضح للجمهور العربي إيمانه بعدالة القضية الفلسطينية وموقفه المتغير من أحد أصدقاء الأمس وهو النظام السوري لصالح الشعب، وهي خطوة سيكون لها ثمنها .

( 3 ) يبدو أن إيران التي تحاربت مع العراق لسنوات طوال في حرب لا غالب ولا مغلوب، هي الفائز الأكبر من تفتيت العراق وإضعافه، بالإضافة إلى إسرائيل التي نظرت على الدوام إلى العراق كقوة إقليمية تهدد وجودها، في إسقاط لبعض الأسفار التلمودية التي سبي البابليين لليهود لسبعين سنة كاملة
قادمون

لينا موللا
*صوت من أصوات الثورة السورية



Inscrivez-vous à notre newsletter