الصورة المُسربة‮ .. ‬ سلاحٌ‮ ‬للثائرين أم وثيقةٌ‮ ‬للألم؟ – ‮ ‬محمد العطار‮ ‬

Article  •  Publié sur Souria Houria le 5 mai 2012

إلي رامي‮ ‬السيد ومظهر طيّارة وكل من ضحي ومازال‮ ‬يضحي‮ ‬ليوثق الثورة في‮ ‬سوريا‮ ‬

ناصر الشامي‮: ‬دموع البطل ومأساة مدينة
في عام‮ ‬2004‮ ‬وخلال الألعاب الأولمبية في أثينا تعرف السوريون علي ناصر الشامي،‮ ‬الملاكم الشاب الذي حصد لسوريا ثالث ميدالياتها في تاريخ مشاركاتها الأولمبية‮. ‬الأهم من ذلك أن البرونزية الثمينة هذه أتت من شابٍ‮ ‬حموي لم يكن معظم السوريين يعرفونه من قبل‮. ‬قيل إنه يعمل كجزار كي يُعيل نفسه‮! ‬في الحقيقة وحتي اللحظة لم أتوثق من صحة المعلومة،‮ ‬لكني صدقتها‮ ‬‮ ‬كغيري ربما‮ ‬‮ ‬مدفوعاً‮ ‬بتلك الصورة المُحببة لبطل الملاكمة المُعدم‮ « ‬روكي بالبوا‮ » ‬الذي كان يعمل في مسلخ ليؤمن قوته اليومي،‮ ‬في الفيلم الهوليودي الشهير‮.‬
علي أن أكثر ما أتذكره عن ناصر الشامي،‮ ‬لم تكن دموعه الغزيرة بعد فوزه علي ملاكمٍ‮ ‬أذربيجاني ضامناً‮ ‬بذلك إحدي الميداليات الثلاث،‮ ‬وإنما نزاله في نصف النهائي وابتسامته التي لم تفارق وجهه المُثخن بضربات الملاكم الكوبي العتيد أولدنير سونيس فونت،‮ ‬وهو البطل العالمي لسنين عديدة،‮ ‬وسليل مدرسة الملاكمة الكوبية الشهيرة،‮ ‬التي عادةً‮ ‬ما تحتكر معظم الذهب الأولمبي‮. ‬سونيس فونت،‮ ‬وكما هو متوقع،‮ ‬مضي ليفوز بالذهبية آنذاك،‮ ‬دون أن يغير ذلك أي شيء بالنسبة لعموم السوريين الذين لم يروا إلا بطلاً‮ ‬واحداً‮ ‬آنذاك هو ناصر الشامي،‮ ‬ابن حماة الفقير والمغمور،‮ ‬رياضيٌ‮ ‬نصف محترف كعموم الرياضيين السوريين،‮ ‬تدمع عيناه المتورمتان كطفل ويجوب الحلبة حاملاً‮ ‬علم بلاده منتشياً‮ ‬بإنجازٍ‮ ‬شبه مستحيل،‮ ‬يتلقي ضربات فونت الهائلة برضي وصمود،‮ ‬يعلم أنه حقق أكثر من الممكن بوصوله إلي هذه المرحلة المُتقدمة‮…. ‬هذه كانت أثينا في صيف العام‮ ‬2004
منذ أسابيع قليلة،‮ ‬عاد ناصر الشامي للظهور من جديد،‮ ‬وإن بطريقة مختلفة كل الاختلاف هذه المرة‮. ‬مصادفةً‮ ‬علي إحدي القنوات الإخبارية العربية،‮ ‬أُشاهد الشامي علي عكازات هذه المرة،‮ ‬لا يستطيع تحريك إحدي رجليه،‮ ‬ليس علي حلبة بالطبع،‮ ‬وإنما في‮ ‬غرفة متواضعة الأثاث‮. ‬يُخبرنا الشامي،‮ ‬كيف اخترقته رصاصات قناص في حماة وهو يحاول إيقاف سيارة أجرة،‮ ‬ويخبرنا كيف ترك قبل ذلك بأيام معسكره التدريبي في دمشق وعاد إلي مدينته حماة بعد أن رفض أن يلبي أمراً‮ ‬بالمشاركة في قمع المحتجين في منطقة القابون بدمشق‮. ‬اختفي الفرح الطفولي من وجه ناصر،‮ ‬وبدت هزيمته هذه المرة ثقيلة وغير مفهومة‮. ‬كيف تحول من ملاكم إلي رجلٍ‮ ‬عاجز؟ وبرصاص من؟ لا بأس أن يُهزم في نزالٍ‮ ‬عادل علي حلبة الملاكمة،‮ ‬لكن أين العدالة في هزيمته هذه المرة؟ يداعب ناصر ابنته وهي تجلس علي حجره،‮ ‬يبدو القنوط علي وجهه وهو يستذكر كيف قتل والده خلال مجزرة حماة في مطلع الثمانينات وهو لم يكمل عامه الأول بعد‮. ‬في عهد الأسد الأب أصبح ناصر،‮ ‬ابن العام،‮ ‬يتيم الأب والمدينة بعد أن قُتل أبوه ودُمرت مدينته وسُلبت روحها‮. ‬في عهد الأسد الابن تحول ناصر الملاكم الشديد البأس إلي رجلٍ‮ ‬عاجز يقتسم،‮ ‬بصحبة رفاقٍ‮ ‬آخرين هجروا مدينة حماة المنكوبة من جديد،‮ ‬شقةً‮ ‬متواضعة في عمّان في طابقٍ‮ ‬رابع لبناء ليس له مصعد‮.‬
دور الصورة في الثورة‮: ‬سلاحنا الأمضي‮…‬إلي حين‮! ‬
يتعدي المأساوي في قصة ناصر الشامي الفاجعة التي حلت به وبعائلته وبمدينته مرتين،‮ ‬ليتبدي في دلالة سيرته‮  ‬التي تذكرنا بقسوة كيف يعيد التاريخ إنتاج وحشيته عينها في سوريا،‮ ‬وكيف أن تكرار المصائب هذا لا يرحم ضحايا الماضي،‮ ‬ولا يغض الطرف عنهم،‮ ‬لا بل يعاقبهم من جديد،‮ ‬وكأن جراحهم الأولي،‮ ‬التي لم تندمل أو بالكاد فعلت لا تكفي‮. ‬
مدينة حماة بهذا المعني تمثل‮ ‬غصةً‮ ‬مريرةً‮ ‬لدي عموم السوريين المنتفضين‮. ‬يمثلُ‮ ‬ما تعرضت له المدينة خلال العام المنصرم تجسيداً‮ ‬لآمال خائبة أوحت لنا أن سلاحنا الأمضي في ثورتنا الشابة والعصرية هذه‮: « ‬الصورة‮ »‬،‮ ‬ستردع النظام عن تكرار أفعاله الإجرامية التي مارسها في عقودٍ‮ ‬سابقة،‮ ‬وتوجها بمجزرة حماة في العام‮ ‬منذ الشرارة الأولي كان انتصارنا الواضح هو بالصورة،‮ ‬من درعا ودوما ومن ثم بانياس وحمص وسَلَميّة وكافة المناطق التي‮ ‬توالت في‮ ‬الانضمام إلي ركب الثورة،‮ ‬بدأت الصور بالتسرب‮. ‬مُشوشةً‮ ‬ومهزوزة ومُرتبكة،‮ ‬ربما،‮ ‬لكنها كانت كافية لتخبرنا بوضوح عن شعبٍ‮ ‬ثار لكرامته أخيراً‮. ‬كانت تخبرنا أيضاً‮ ‬كيف‮ ‬يتعامل رجال الأمن مع الهاتفين للحرية ومنذ الأيام الأولي للحراك حين كان خيار عسكرة الثورة‮ ‬غير مطروح حتي في‮ ‬مخيلة عموم المنتفضين‮. ‬كانت الصور المتسربة سندنا الأقوي،‮ ‬ودليلنا علي لا أخلاقية النظام في‮ ‬مواجهة الاحتجاج السلمي‮. ‬كانت هذه الصور صرختنا إلي العالم التي‮ ‬أعادت لنا صوتنا أخيراً‮. ‬لكن قبل كل شيء كانت الصور المُسربة أيضاً‮ ‬رهاننا علي اكتساب الحصانة من فتك النظام وانتقامه،‮ ‬فنحن نتربص له بالمرصاد،‮ ‬مهما حاول إخفاء أدوات تنكيله عبر الإنكار حيناً‮ ‬وقطع وسائل الاتصال في‮ ‬أحيانٍ‮ ‬أخري،‮ ‬فهذا العصر بأدواته‮ ‬يشبهنا أكثر،‮ ‬وهذه لم تعد سوريا الثمانينات والنظام لن‮ ‬يجرؤ علي تكرار فظائعه‮… ‬هذا ما ظنناه علي الأقل في‮ ‬حينها‮.‬
الآن وبعد مرور أكثر من عام علي اندلاع الثورة،‮ ‬ومع عشرات آلاف الصور المٌسربة والتقارير المصورة،‮ ‬التي‮ ‬تخبرنا‮ ‬‮ ‬بتفاصيل مكررة‮ – ‬عن أشكال القمع المُمنهج الذي‮ ‬مارسه النظام،‮ ‬يبدو أننا وللأسف الشديد،‮ ‬قد خسرنا رهاننا هذا‮. ‬
عامٌ‮ ‬كامل انقضي منذ تسرب ذلك الفيديو لمجموعة من جنود وشبيحة النظام السوري،‮ ‬وهم‮ ‬يدوسون علي ظهور شباب مُكبلين في‮ ‬قرية البيضا قرب مدينة بانياس‮. ‬في‮ ‬حينها صدمت هذه اللقطات العالم،‮ ‬فيما احتار إعلام النظام في‮ ‬كيفية إنكار الفيديو المُسرب واختلاق الروايات الكاذبة عنه،‮ ‬والتي‮ ‬وصلت أحياناً‮ ‬إلي حد التناقض،‮ ‬قبل أن‮ ‬يعود للتسليم وإن بشكلٍ‮ ‬مبطن بحقيقة اللقطات هذه‮. ‬شعر كلا الطرفين حينها أن المعركة ستُحسم هنا‮: ‬المنتفضون الذين‮ ‬يمتشقون هواتفهم المحمولة،‮ ‬في‮ ‬مقابل سلطة وطدت لعقود أسس متينة من الرقابة والقيود والتحكم بوسائل الإعلام والاتصال المختلفة‮.‬
‮ ‬لم تعتد السلطة علي التعامل مع مثل هذا التحدي‮ ‬الجديد،‮ ‬ارتبكوا وكذبوا بشكلٍ‮ ‬مفرط بالفظاظة والسخف،‮ ‬ثم انتقلوا من الإنكار إلي حرب الصور عبر بث صورٍ‮ ‬مُضادة تناقض روايات الثوار،‮ ‬دون أن‮ ‬يكلل مسعاهم بنجاحٍ‮ ‬ملموس‮. ‬طبعاً‮ ‬ترافق ذلك كله مع حملات اعتقال وتنكيل بكل من‮ ‬يصور أو‮ ‬يثبت تواصله مع وسائل الإعلام‮. « ‬مسلحو الموبايل‮ » ‬في‮ ‬المظاهرات كانوا‮ ‬يدركون أنهم الهدف الأول لرجال الأمن‮. ‬كل ذلك بقي‮ ‬لفترة طويلة‮ ‬يزيد من قناعتنا بأن الصورة هي‮ ‬من ستلجم النظام عن الاستخدام المفرط للعنف،‮ ‬وستردعه عن استعارة ممارسات تعود لحقبة مملكة العتمة والصمت في‮ ‬ثمانينات القرن المُنصرم‮.‬
من ردعٍ‮ ‬للعنف إلي وثيقةٍ‮ ‬للألم‮  ‬
لقد تشكل وعينا المشلول بالخوف علي قصصٍ‮ ‬متناقلة شفاهةً‮ ‬عن مجازر النظام وبطشه بمعارضيه،‮ ‬لعل أبرزها ما حدث في‮ ‬مدينة حماة مطلع الثمانينات أثناء الصراع بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين‮. ‬يعرف جميع السوريين من أبناء جيلي‮ ‬والأجيال التي‮ ‬تلت تلك الحقبة،‮ ‬كيف أننا كنا نستذكر تلك المجزرة مستخدمين مصطلحا مبهما ويحمل دلالاتٍ‮ ‬مُضلِلة‮: « ‬أحداث حماة‮ »! ‬استُبدل مصطلح‮ « ‬المجزرة‮ » ‬بمصطلح‮ « ‬أحداث‮ »! ‬لا ذكريات مصورة توثق جرحنا وتسهم في‮ ‬تطهير آلامنا،‮ ‬فقط أحاديث هامسة واعتقادٌ‮ ‬راسخ أن الناس في‮ ‬سوريا وخارجها لو كانوا‮ ‬يعلمون بما كان‮ ‬يجري‮ ‬آنذاك في‮ ‬حماة التي‮ ‬دُكّت خلال‮ ‬27‮ ‬يوماً‮ ‬كاملاً،‮ ‬لما كانت فصول المجزرة اكتملت‮!‬
لكن‮ ‬يا للصدفة المُروعة،‮ ‬في‮ ‬العام‮ ‬2012‮ ‬وبتوفر الصور مع الصوت والبث المباشر أحياناً،‮ ‬تم حصار حي‮ ‬بابا عمرو الحمصي‮ ‬وقصفه لمدة‮ ‬26‮ ‬يوماً‮ ‬كاملاً،‮ ‬الأدهي أن إحياء ذكري مجزرة حماة في‮ ‬3‮ ‬شباط المنصرم ترافق مع مجازر مصغرة في‮ ‬أرجاء متفرقة من سوريا وبوجود الصور ولقطات الفيديو هذه المرة‮. ‬ليس هذا فحسب،‮ ‬فمن استطاع إغماض عينيه سهواً‮ ‬أو عمداً‮ ‬عن صور الخراب والقتل اليومي‮ ‬في‮ ‬سوريا،‮ ‬متذرعاً‮ ‬بمصداقية الصور المُسربة،‮ ‬فتحهما علي اتساعهما مع مقتل الصحفية الأميركية ماري‮ ‬كولفين،‮ ‬والمصور الفرنسي‮ ‬ريمي‮ ‬أوشليك خلال القصف الأرعن علي حي‮ ‬بابا عمرو‮. ‬لقد اختلطت دماءٌ‮ ‬أخري مع الدم السوري‮ (‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يبدو‮ ‬غالياً‮ ‬في‮ ‬بورصة الدم العالمي‮ ‬هذه الأيام‮)‬،‮ ‬العالم حينها أبدي امتعاضاً‮ ‬أكبر،‮ ‬أو كان مُضطراً‮ ‬لفعل ذلك علي الأقل‮.  ‬
حتي ساعة كتابة هذه السطور،‮ ‬يدك الجيش النظامي‮ ‬أحياء في‮ ‬حمص وريفها وريف إدلب ومناطق متفرقة من سوريا،‮ ‬صور الأشلاء والشهداء والنزوح المتوفرة وبكثرة باتت خبزنا اليومي،‮ ‬وهي‮ ‬بالمناسبة لا تقتصر علي وسائل الإعلام العربية،‮ ‬فالصور هذه باتت حاضرة في‮ ‬نشرات الأخبار العالمية،‮ ‬لا بل أحياناً‮ ‬علي أغلفة المجلات والصُحف اليومية المرموقة‮. ‬ولم تعد فقط أصوات الناشطين والثوار السوريين وكاميرات هواتفهم المحمولة هي‮ ‬من‮ ‬ينقل هذه المشاهد المُروعة،‮ ‬بل مراسلين أجانب تسلل معظمهم خلسة إلي الأراضي‮ ‬السورية مثل المصور البريطاني‮ ‬بول كونروي‮ ‬والصحافية الفرنسية أديت بوفييه والصحفي‮ ‬الإسباني‮ ‬خافيير اسبينوزا،‮ ‬وحتي الطبيب الفرنسي‮ ‬جاك بيريز،‮ ‬أحد مؤسسي‮ ‬منظمة أطباء بلا حدود‮. ‬القتل في‮ ‬سوريا اليوم إذن لا تعوزه الشهادات ولقطات الفيديو والصور الملونة،‮ ‬علي عكس سوريا مطلع الثمانينات حين كان روبرت فيسك شاهداً‮ ‬يتيماً‮ ‬وبالصدفة علي خراب المدينة بعد المجزرة‮. ‬
لم تقطع الصور الطريق أمام التنكيل،‮ ‬ولم تردع آلة قتل النظام كما كنا نمني‮ ‬النفس؟ قد‮ ‬يقول قائل‮: ‬لا مجال للمقارنة،‮ ‬ففي‮ ‬مجزرة حماة وحدها‮ ‬يتراوح أعداد الضحايا بين‮ ‬15‮ ‬و40‮ ‬ألفا بحسب تقديرات مختلفة ومتفاوتة،‮ ‬بينما لم تُسجل أعدادٌ‮ ‬كهذه في‮ ‬أي‮ ‬من المناطق الثائرة في‮ ‬سوريا،‮ ‬فوجود الصورة بحسب هؤلاء لن‮ ‬يسمح لدول العالم‮ (‬حتي المتواطئ منها‮) ‬أن تكتفي‮ ‬بالصمت أو بالمراقبة‮. ‬البعض الآخر،‮ ‬وفي‮ ‬السياق نفسه،‮ ‬يشير إلي أن النظام وللأسباب عينها لم‮ ‬يستخدم كل ترسانته العسكرية،‮ ‬ويدللون علي ذلك بسلاح الطيران المُستثني تقريباً‮ ‬إلي الآن،‮ ‬من العمليات العسكرية‮. ‬قد‮ ‬يكون هذا الرأي‮ ‬وجيهاً،‮ ‬فيما‮ ‬يتعلق بالإمعان في‮ ‬التدمير وعدد الضحايا الناجم عن ذلك‮. ‬لكني‮ ‬شخصياً،‮ ‬وبعد مرور أكثر من عام،‮ ‬لا أري فيه حُجةً‮ ‬قوية،‮ ‬هذا بالإضافة إلي ضرورة رفض القياس القائم علي فداحة المجازر وعدد الضحايا،‮ ‬وكأن قتل سوريٍّ‮ ‬واحد‮ ‬يطالب بالحرية لا‮ ‬يعتبر بحد ذاته حدثاً‮ ‬جللاً‮! ‬كيف إذن الحال وقد تم قتل آلاف السوريين وتهجير واعتقال أضعافهم؟ ناهيك عن عمليات التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاعتقال التعسفي،‮ ‬والتي‮ ‬تستمر حتي اللحظة علي الرغم من وجود عشرات آلاف مقاطع الفيديو والصور التي‮ ‬تشهد علي هذه الممارسات‮.‬
اليوم وبعد مرور أكثر من عام،‮ ‬يبدو أن انزياحاً‮ ‬تراجيديا‮ ‬ً‮ ‬قد طرأ علي دور الصورة في‮ ‬الثورة‮. ‬اليوم‮ ‬يتجنب الكثير من السوريين تصفح صور أو فيديوهات الشهداء والقتلي والمجازر،‮ ‬تماماً‮ ‬كما‮ ‬يخفضون صوت التلفاز أحياناً‮ ‬حين‮ ‬يسمعون استغاثات خالد أبو صلاح وهادي‮ ‬العبد الله وآخرين لم‮ ‬يكفوا عن التوثيق وإرسال قصص الموت والرعب،‮ ‬لتتحول شهاداتهم بالنسبة إلينا من مصدرٍ‮ ‬لإحساسٍ‮ ‬غامر بنشوة انتصار علي نظام‮ ‬يقتات علي التعتيم الإعلامي،‮ ‬إلي شهادات عجزٍ‮ ‬مؤرقة‮. ‬وهل نستطيع نسيان أن البعض قد دفعوا أرواحهم ثمناً‮ ‬لها؟ هل ننسي‮  ‬رامي‮ ‬السيد النموذج المُذهل للمواطن المُراسل في‮ ‬سوريا،‮ ‬والذي‮ ‬أرشف لنا حصار بابا عمرو حتي سقط هو نفسه ضحيةً‮ ‬للقصف الوحشي؟‮  ‬أكاد أجزم أن رفاق رامي‮ ‬ممن لا‮ ‬يزالون أحياء أو طلقاء،‮ ‬يعلمون علم اليقين اليوم أن لا كاميرات هواتفهم المحمولة ولا حساب السكايب سيحميهم من رصاص قناص‮ ‬يتململ علي أحد الأسطحة،‮ ‬أو قذيفة كادت تصدأ في‮ ‬مخازن الجيش قبل أن تجد طريقها نحو حي‮ ‬أو قريةٍ‮ ‬سورية هنا أو هناك‮. ‬لكنهم،‮ ‬وعلي الرغم من ذلك،‮ ‬مستمرون لا‮ ‬يحيدون عن هدفهم‮.‬
‮ ‬بعد مرور عام هل‮ ‬يعلمون أن صورهم المُسربة وشهاداتهم الحية لم ولن تردع آلة القتل؟ أغلب الظن‮: ‬نعم‮. ‬هل‮ ‬يتعللون بالأمل؟ ربما‮! ‬لكنهم بكل تأكيد‮ ‬يعلمون أنهم‮ ‬يوثقون ألمنا وعجزنا وعجز العالم بأسره،‮ ‬وتخاذل بعضه وتواطئه‮. ‬يعلمون أيضاً‮ ‬أنهم‮ ‬يوثقون للمُستقبل،‮ ‬ولأجيال نريد لها أن تعيش في‮ ‬سوريا مختلفة،‮ ‬ليخبروهم كيف ضحي سوريون بسخاء،‮ ‬وكيف دفعوا ثمناً‮ ‬باهظاً‮ ‬في‮ ‬سبيل هذا المُستقبل‮.‬
‮ ‬الصورة المُسربة‮: ‬الطوباوية في‮ ‬مواجهة متاهات السياسة
ولكننا عندما ظننا أن توثيق ما‮ ‬يحدث حولنا وبثه إلي الخارج،‮ ‬سيردع النظام عن تكرار أفعالٍ‮ ‬قديمة‮ (‬ولا أقولها دفاعاً‮ ‬عن حلمٍ‮ ‬تبدد بعضه‮)‬،‮ ‬لم نكن في‮ ‬الحقيقة نعول علي الصورة بمعزل عن ما ستحدثه من تأثيرٍ‮ ‬وردود فعل سياسية وشعبية‮. ‬بكلمات أخري كان تعويلاً‮ ‬علي ضمير أخلاقي‮ ‬إنساني‮ ‬ظننا بإمكانية وجوده الفاعل في‮ ‬زمن الثورات العربية‮. ‬هنا جوهر المشكلة،‮ ‬أو جنوحنا الطوباوي‮ ‬ربما‮.‬
‮ ‬اليوم‮ ‬يبدو جلياً‮ ‬أن الإحراج أو الردع الذي‮ ‬يمكن أن تسببه الصور المُسربة للنظام لا‮ ‬يساوي‮ ‬شيئاً‮ ‬أمام مكالمة هاتفية من موسكو أو طهران أو واشنطن أو‮ ‬غيرها،‮ ‬فعواصم القرار هذه‮ (‬أقله في‮ ‬الشأن السوري‮) ‬لا‮ ‬يبدو أنها تكترث كثيراً‮ ‬بهذه الصور،‮ ‬وإن تعاملت معها بالطبع بأشكال مختلفة عن النظام السوري‮ ‬الذي‮ ‬دأب علي إنكارها جملةً‮ ‬وتفصيلاً‮. ‬وحتي إن تأثرت قراراتها بهذه الشهادات المُسربة والوثائق المُزعجة في‮ ‬إلحاحها،‮ ‬فإن هذا التأثير‮ ‬يبقي،‮ ‬حتي اليوم علي الأقل،‮ ‬هزيلاً‮ ‬بالمقارنة مع ما تمليه مصالح هذه الدول والمنطق البراغماتي‮ ‬الذي‮ ‬يتحكم بسياساتها‮.  ‬
فشل الصورة في‮ ‬ردع النظام إذن هو فشلٌ‮ ‬لا تتحمل فيه الصورة المُسربة والممتزجة بدماء مصورها‮ ‬في‮ ‬بعض الأحيان أية مسؤولية،‮ ‬الأجدر بالقول إنه فشلٌ‮ ‬أخلاقي‮ ‬مدوٍ‮ ‬لكل من تجاهلها،‮ ‬ولكل من كان‮ ‬يمكنه التأثير لوقف نهر الدم في‮ ‬سوريا‮. ‬وعليه فإني‮ ‬اليوم أميل للاعتقاد أن أحد أهم مبررات اندفاعنا للتصديق بأن بعض ممارسات النظام لا‮ ‬يمكن تكرارها في‮ ‬عصر الصورة،‮ ‬تعود إلي مبالغة في‮ ‬سرديات الماضي‮ ‬التي‮ ‬صورت أفعال النظام الوحشية وكأنها نُفذت فقط بسبب‮ ‬غياب الصورة،‮ ‬علي حساب اقتضابٍ‮ ‬مُريب في‮ ‬ذكر تفاصيل أُخري مثل معرفة وتواطؤ قوي دولية وإقليمية وحتي شرائح داخلية في‮ ‬الجريمة‮. ‬هذا‮ ‬يذكرنا من جديد بحجم المسئولية التي‮ ‬تقع علي كاهل النظام بالتشارك مع مراكز صنع القرار العالمية والإقليمية بالطبع،‮ ‬في‮ ‬إبقاء تلك الحقبة السوداء طي‮ ‬الكتمان،‮ ‬فلا النظام أكترث‮ ‬يوماً‮ ‬بالعمل من أجل مصالحة داخلية ولو شكلية،‮ ‬ولا المُطَّلعون علي الأسرار في‮ ‬عواصم ذات صلة،‮ ‬أفشوا لنا بخفايا تلك المرحلة‮. ‬اليوم وفي‮ ‬ظل ما‮ ‬يجري‮ ‬الآن،‮ ‬يصعب التصديق أن كل ما حدث في‮ ‬حماة مطلع الثمانينات كان خافياً‮ ‬عن بعض السياسيين والقادة حول العالم،‮ ‬أو حتي شرائح من السوريين في‮ ‬داخل سوريا‮. ‬بالطبع لم‮ ‬يكن بالإمكان‮ ‬يومها معرفة طبيعة الأهوال وحجم الفاجعة،‮ ‬كما هو الحال اليوم،‮ ‬فهذا امتياز الصورة المُسربة ووسائل الاتصال الحديثة‮. ‬لكننا بالغنا أيضاً‮ ‬في‮ ‬نسب كل تلك الأفعال الوحشية إلي الستار الحديدي‮ ‬الذي‮ ‬فرضه النظام آنذاك علي حركة المعلومات‮. ‬اليوم نعلم علم اليقين،‮ ‬أن أفعالاً‮ ‬كهذه لا تتم بدون تواطؤ بل ومباركات أحياناً‮. ‬
خسارة الرهان علي قدرة الصورة في‮ ‬خلق ردعٍ‮ ‬حاسم ومنع إعادة إنتاج نفس نهج العنف المُفرط الذي‮ ‬استخدمته السلطة مع شعبها في‮ ‬أزمنة ماضية،‮ ‬تعني‮ ‬أولاً‮ ‬وأخيراً‮ ‬هزيمة أخلاقية للإرادة السياسية الدولية،‮ ‬ولفرقاء سياسيين إقليميين ودوليين ساندوا النظام سراً‮ ‬أو جهراً،‮ ‬كما تعني‮ ‬أيضاً‮ ‬تخاذل شرائح من السوريين‮. ‬إنها بالتأكيد ليست هزيمة لرامي‮ ‬السيد ومظهر طيّارة وحسين‮ ‬غرير ومازن درويش وداني‮ ‬عبد الدايم‮  ‬وآلاف‮ ‬غيرهم من مواطنين مراسلين وصحفيين ومدونين شهداء أو معتقلين،‮ ‬أو سائرين علي هذا الدرب‮. ‬
الصورة والمُستقبل‮: ‬بين الإلهام‮ ‬
والأمل وذاكرة جراحٍ‮ ‬لا تندمل
وإن خاب جزءٌ‮ ‬كبير من آمالنا المعقودة علي منع النظام‮ ‬من الذهاب بعيداً‮ ‬في‮ ‬عنفه،‮ ‬من خلال نجاحنا في‮ ‬تسريب الصور والمعلومات وتحدي‮ ‬الحصار الإعلامي،‮ ‬فلا بد لنا الآن من مقاربة الموضوع بشكلٍ‮ ‬أكثر واقعية‮. ‬إن الإصرار علي المضي‮ ‬قدماً‮ ‬في‮ ‬دحض بروباغندا النظام وتوثيق كل ما‮ ‬يجري‮ ‬قدر المُستطاع،‮ ‬هي‮ ‬مهمة‮  ‬تتجاوز في‮ ‬طموحها محدودية تأثيرها الراهن،‮ ‬لتتطلع إلي مستقبلٍ‮ (‬يأمل السوريون أن‮ ‬يكون قريباً‮) ‬ستلعب فيه هذه الصور والقصص والأفلام دوراً‮ ‬محورياً‮ ‬في‮ ‬كتابة تاريخ مرحلة مفصلية من حياة بلد‮. ‬وربما تساهم بالرغم من قسوتها وكم الوجع الذي‮ ‬تختزنه في‮ ‬صياغة عقدٍ‮ ‬اجتماعي‮ ‬ومدني‮ ‬متين للدولة المنشودة‮. ‬يبدو التحدي‮ ‬هنا عظيماً،‮ ‬بين أن تكون هذه الذاكرة البصرية ذاكرةً‮ ‬للألم الجمعي‮ ‬نتقاسمه جميعاً‮ ‬كخطوة لا مفر منها لمداواة جراحٍ‮ ‬عميقة،‮ ‬أو أن تكون هذه الذاكرة،‮ ‬مرجعاً‮ ‬مريراً‮ ‬للعبث بهذه الجراح وجعلها نازفةً‮ ‬علي الدوام‮. ‬
وإن كانت الصورة قد‮ ‬غُيّبت قسراً‮ ‬في‮ ‬العقود الماضية،‮ ‬فغُيبت معها العدالة وأُخفيت الجرائم والأدلة،‮ ‬لينجح المستبد في‮ ‬تشويه الذاكرة والتاريخ وإن إلي حين،‮ ‬فإن الإصرار علي بث الصورة التي‮ ‬توثق المُعاناة وتخترق ستاراً‮ ‬حديدياً‮ ‬يتآكل رويداً‮ ‬رويداً،‮ ‬يعني‮ ‬فيما‮ ‬يعنيه هزيمة نظام‮ ‬ينتمي‮ ‬إلي الماضي‮ ‬ويعاكس مسار التاريخ،‮ ‬ويستمد أسباب بقائه فقط من استخدامٍ‮ ‬مفرطٍ‮ ‬للقوة ومن تعقيداتٍ‮ ‬إقليمية لطالما تلاعب بها وعاش عليها‮. ‬إن استمرار تسرب الصور بكل التضحيات الجليلة التي‮ ‬تجعل ذلك ممكناً،‮ ‬فيه انتصارٌ‮ ‬لروح الثورة الشابة والطموحة والعصرية والشُجاعة أيضاً‮.‬
قد‮ ‬يصح القول‮ (‬مجازاً‮ ) ‬أن ثقباً‮ ‬أسود ثقيل الظل قد نجح في‮ ‬الماضي‮ ‬القريب في‮ ‬حجب جزءٍ‮ ‬من ذاكرتنا،‮ ‬فدُفنت بصمت آلام حماة وغُيبت صور والد ناصر الشامي‮ ‬وآلافٌ‮ ‬غيره سقطوا بفعل آلة قمع همجية،‮ ‬كما‮ ‬يصح القول بفشل الصورة المُسربة الآن في‮ ‬منع تكرار معاناة مدينة مازالت جراحها‮ ‬غائرة،‮ ‬وفي‮ ‬حماية ناصر الشامي‮ ‬الذي‮ ‬ترعرع‮ ‬يتيماً‮. ‬إلّا أن الرهان‮ ‬يبقي في‮ ‬قدرة هذه الذاكرة البصرية المُتسربة من قبضة الجلّاد علي تأسيس مستقبل لن نسمح فيه بإعادة إنتاج آليات العنف عينها،‮ ‬ولا بوجود سلطة متغطرسة ومستبدة فوق كل قانون‮. ‬الرهان هو أن لا تبقي هذه الصور وثيقةً‮ ‬لألم‮ ‬ٍلا‮ ‬ينتهما،‮ ‬ومرجعاً‮ ‬لتغذية ضغائن قد تودي‮ ‬بما تبقي من تماسك النسيج الاجتماعي‮ ‬السوري،‮ ‬الذي‮ ‬أنهكته عقودٌ‮ ‬طويلة من سياسات سلطة شمولية ومُستبدة‮. ‬
الأمل المعقود هو أن‮ ‬يبقي السوريون أوفياء لتضحيات وشجاعة من سرب هذه الوثائق المصورة،‮ ‬ففي‮ ‬سوريا اليوم،‮ ‬تستمد الشهادات والوثائق البصرية قيمتها أولاً‮ ‬من شجاعة من‮ ‬يصورها ونبل مقاصدهم،‮ ‬هذا دينٌ‮ ‬علينا‮ ‬يجب أن لا ننساه رغم هول ما تنقله لنا هذه الصور‮. ‬
الأمل المُتبقي‮ ‬إذن بأن‮ ‬يرقد والد ناصر الشامي‮ ‬قرير العين،‮ ‬لأنه‮ ‬يعلم أن حفيدته ستحظي بسوريا أفضل من التي‮ ‬حظي‮ ‬بها ابنه اليتيم،‮ ‬الأمل بأن تعيش حفيدته في‮ ‬مدينة تدفن آلامها سويةً‮ ‬مع سجانها وتعيش دون جراح جديدة‮. ‬
مسرحي‮ ‬سوري

Source : http://www.dar.akhbarelyom.org.eg/issuse/detailze.asp?mag=a&said&field=news&id=4440#.T57sR8p6JJY.facebook



Inscrivez-vous à notre newsletter