المادة الثامنة والإصلاح السوري – الطيب تيزيني

Article  •  Publié sur Souria Houria le 6 août 2011

تنشغل أوساط سياسية وثقافية وحقوقية في سوريا الآن، بمناقشة واحدة من أهم المسائل المطروحة للحوار الوطني الديمقراطي، نعني المادة رقم ثمانية من الدستور السوري، والتي تنص على ما يلي: يقود حزب « البعث » العربي الاشتراكي الدولة والمجتمع في سوريا. وكما يظهر، تبدو المادة بمثابة تأكيد على أن « مرجعية سوريا » تتمثل في كونها متحدرة من أصل واحد، دون أصول أخرى موجودة في البلد. إضافة إلى ذلك، وعبر تحديد معطيات أخرى تخص الموضوع، فإن مؤسسات كبرى مثل « مجلس البرلمان أو الشعب والمؤسسة الرئاسية، وكل ما يتمم هذه اللوحة، تستمد شرعيتها الأولية من تلك المرجعية المأتي عليها.
والآن، حين يُطرح الحوار حول المادة المذكورة -وقد طُرح قبل ذلك في مناسبات متعددة ضمت دمشق وحلب ومدناً أخرى، يثير ردود فعل في أوساط حزب « البعث ». أما في مقدمتها، فتبرز الفكرة القائلة إن إبعاد هذا الأخير عن التميّز الذي حصل عليه على مدى عدة عقود يعني حرمان سوريا من قوة تاريخية منظمة حققت الكثير من المنجزات على الصعيد الداخلي والخارجي، كما يعني تعريض البلد لاحتمالات الفوضى والاضطراب وربما كذلك لحرب طائفية.
ولعلنا نلاحظ أن الخطاب المقدم على ذلك النحو يقوم على ركيزتين اثنتين هما الإقصائية الاستفرادية والشمولية: حزب « البعث » المذكور هو وحده المعْنِي بشؤون البلد الكبرى ربما لامتلاكه من « الملَكات والخبرات والطاقة الخاصة »، التي لا يملكها حزب أو هيئة أخرى في سوريا، مِمّا يحتِّم بقاء الحزب لصالح سوريا نفسها. هذا من طرف أول. أما من طرف آخر، فإن إخراج هذا الحزب من موقعه الذي شغله ما يقترب من خمسين عاماً سيكون استجلاباً لقوى دينية سياسية ذات طابع أصولي سلفي وتوجه ظلامي إلى النور ثم إلى السلطة! وهذا بدوره يؤدي إلى مخاطر كبرى في الداخل السوري كما في الخارج.
بيد أن من يدقق في الداخل المذكور، يجد أن ما قام الشباب من أجله، هو حتى الآن مفتقدٌ في سوريا: من الحرية السياسية والكرامة الأخلاقية والكفاية المادية، إلى باقي الملفات الملتهبة وذات العلاقة بالثلاثي المقدس المذكور، انطلاقاً من إلغاء قوانين الطوارئ والأحكام العرفية والمادة الثامنة إياها، إلى تفكيك الدولة الأمنية، وإصدار قانون عصري وديمقراطي للأحزاب، وآخر للإعلام والشروع في التهيئة لانتخابات برلمانية مع انتخابات رئاسية بإشراف لجنة أو لجان حقوقية محايدة حقاً. ولا بد أن يسبق ذلك كله استحقاق يمثل مدخلاً له، هو تشكيل مجلس دائم للحوار الوطني الديمقراطي، يشرف على تشكيله وضبط برنامج عمله ممثلون للمعارضة الوطنية. وهكذا بحيث يطال الأمر مشكلات أخرى، مثل محاكمة مَنْ قتل الشهداء والمظلومين من كل الأطراف، والتأسيس لقضاء حر مستقل مع متابعة دقيقة للعمل على استكمال عملية تشكيل سلطة انتقالية.
وثمة نقطة حاسمة تتصل بالمادة الثامنة من الدستور، وهي إن ما يماثل هذه المادة في الاتحاد السوفييتي السابق، هي التي كانت خصوصاً، من وراء تفككه وتصدعه. فلقد اختزلت هذا البلد الضخم إلى الحزب الشيوعي، وهذا إلى اللجنة المركزية وهذه إلى المكتب السياسي، الذي يقف على قمته أمين عام غالباً حتى مراحل ممتدة من عمره. لقد فقدت البشرية ذلك البلد بما كان يمكن أن يعممه أو يطوره من مسائل تتصل بالعدالة والتضامن بين الناس. لقد سقط كل شيء وتحول ذلك البلد إلى حالة اقتصادية إشكالية إضافة إلى مشكلات أخرى. ولا يهمنا، فما حدث في الاتحاد السوفييتي، يمثل تجربة مليئة بالعبر تستطيع سوريا أن تقرأها نقدياً. وأخيراً: ما الحافز الأخلاقي الكامن وراء الاستفراد بالسلطة وغيرها من قِبل فريق واحد من المجتمع؟!

د. طيب تيزيني

أستاذ الفلسفة – جامعة دمشق
المصدر: http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=60594



Inscrivez-vous à notre newsletter