المصالح الأمريكية ـ الإيرانية: حتام يضمنها الاسد؟ – صبحي حديدي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 22 février 2013

في مقال بعنوان ‘حان وقت مواجهة الحقيقة حول إيران’، وقّعه مع زوجته هيلاري مان ليفريت، يتابع فلنت ليفريت مقترحاته السابقة حول ضرورات الاتفاق بين واشنطن وطهران، خدمة لمصالح البلدين المشتركة، أوّلاً؛ ولأنّ استمرار التوتر، أو تطوّره إلى أي طراز من المواجهة والصدام، سوف ينطوي على عواقب وخيمة. وهو هنا يتابع، أو يضع في سياقات حديثة العهد، مجموعة الأطروحات الكلاسيكية التي ضمّها كتابه الأخير ‘الذهاب إلى طهران: لماذا تحتاج الولايات المتحدة إلى الاتفاق مع جمهورية إيران الإسلامية’، الذي صدر مطلع العام، بتأليف مشترك مع زوجته أيضاً. وخلاصته تسير هكذا، بإيجاز شديد: ‘المصالح الأمريكية تقتضي التقارب مع الجمهورية الإسلامية، أكثر من أي وقت مضى’.
المرء يسأل، بالطبع: تقارب لخدمة المصالح المشتركة، هذا أمر يمكن تفهمه، ولكن على حساب مَنْ؟ هل يعقل، في السياسة عموماً، وفي العلاقات الدولية المعاصرة تحديداً، أن تربح أمريكا وإيران جرّاء هذا التقارب، ولا تتضرر في المقابل مصالح أي بلد آخر، أو أية مجموعة إقليمية، على صلة باتفاق أو اختلاف واشنطن مع طهران؟ لا يعقل، بالطبع، وهذا ما لا ينكره ليفريت، حتى إذا أحجم عن توصيفه ضمن صيغة فاقعة من تبادل الربح في طرف أوّل من المعادلة (أمريكا وإيران)، والخسارة في طرفها الثاني (الشعوب العربية، وتلك التي انتفضت ضدّ أنظمة الفساد والاستبداد خاصة). رائحة التفكير الذرائعي لا تخفى، بالطبع، ولكنها ليست الطامة الكبرى في هذا الطراز المبتذل من التفلسف ‘المصلحجي’، حسب التعبير الشعبي الشائع، والدقيق تماماً هنا.
يكتب ليفريت: ‘أمريكا تحتاج إلى علاقات أفضل مع طهران لكي تبدأ في تحسين روابطها مع العدد المتزايد من الأنظمة السياسية الإسلامية على امتداد الشرق الأوسط، وهذا أمر جوهري لإنقاذ ما تبقى من موقع للولايات المتحدة في المنطقة. أمريكا تحتاج أيضاً إلى مساعدة طهران في احتواء المدّ المتصاعد للإرهاب الجهادي في المنطقة ـ وهذه ظاهرة تغذيها المملكة العربية السعودية وبقية حلفاء واشنطن العرب في الخليج’… ‘الفارسي’، حسب تعبير فلنت، وليس العربي. وأخيراً: ‘إيران لاعب حاسم لصياغة المستقبل ليس في العراق وأفغانستان فقط، بل في سورية أيضاً’. وكأنّ الفحوى الأبسط لهذه المقايضات هي التالية: عهّدوا المنطقة لإيران، وسوف تتكفل هذه بتأمين أمن أمريكا وأمانها، ضدّ المخاطر كافة!
فإذا غضّ المرء النظر عن هذا التصوير الكاريكاتوري لعلاقة واشنطن بالأنظمة العربية الحليفة لها في الخليج، التي يمكن أن تشقّ عصا الطاعة وتساند ‘الإرهاب الجهادي’ رغم أنف البيت الابيض؛ فإنّ المنطقة الغائبة هي إسرائيل، حليف الولايات المتحدة الأوّل في المنطقة، والتي لا يقول ليفريت الكثير عن موقعها في المشهد الوردي المشتهى للعلاقات الأمريكية ـ الإيرانية: هل هي في عداد الرابحين (إذْ مَن يتجاسر على وضعها في صفّ الخاسرين؟)، وبالتالي مَن الخاسر النظير لربح إسرائيل؟ أهم الفلسطينيون، الذين تزعم إيران الدفاع عنهم إلى درجة التهديد بمحو إسرائيل ذاتها من الخريطة؟
وماذا عن ‘حزب الله’، حين تتوافق واشنطن وطهران؟ هل سيظلّ حامل راية المقاومة، فيفسد الصفاء بين المتوافقين، وضدّ مَن سيقاوم أصلاً؛ أم سينكس الراية هذه، ويستبدلها بأخرى أكثر انسجاماً مع ‘تكليف شرعي’ ما قد يصدر عن الوليّ الفقيه؟
أمّا بصدد سورية، التي سنبيّن لاحقاً مقدار ‘تبحّر’ ليفريت في شؤونها وشجونها، فإنّ المعادلة لا تقوم على مبدأ الربح أو الخسارة، بل على ما يشبه الوضع العالق، أو الدرجة صفر من التحوّل، الممتزج بتوازن الرعب وسيناريوهات الكارثة.
وإذْ يعلّق على ‘ما يُقال في واشنطن’ بصدد احتمال أن تسفر ‘الصحوة العربية’، كما يسمّيها، عن خسران طهران لنظام بشار الأسد؛ فإنّ ليفريت يشدد على أنّ ‘صانعي السياسية الإيرانيين لا يعتقدون بأنّ الأسد سوف يسقط (و’ليس بأيدي السوريين على الأقلّ’، كما يقول)، قبل أن يتابع: ‘ولكن حتى لو شعر الأسد أنه مضطر للتنازل عن دمشق، فإنه وقوّاته سيظلّ مسيطراً على جزء لا بأس به من سورية’. وعلى نحو ما يعفّ صاحبنا عن تسمية الأشياء بمسمياتها الفعلية، فلا يحدد المقصود بالجزء الذي سيظل الأسد مسيطراً عليه، وهل سيصبح كياناً انفصالياً؟ دولة أخرى؟ وسوى ‘الميليشيات’، ماذا يمكن أن تُسمّى ‘قوّاته’ في هذه الحال؟
درّة الكلام تأتي عند هذا المفصل من ‘تحليل’ ليفريت: في ظلّ هذه الشروط (أي خسران دمشق، وتراجع الأسد إلى مواقع قتال أخرى) فإنه ‘ليس من المرجح أن تكون سورية حليفة للغرب. وفي الواقع فإنّ أية حكومة تمثيلية تعقب نظام الأسد لن تكون أكثر انحيازاً لأمريكا أو لإسرائيل من الأسد نفسه، وقد تكون أقلّ حرصاً مما كان الأسد عليه بخصوص تهدئة الحدود مع إسرائيل’. في عبارة أخرى، ضماناً للتوافق الأمريكي ـ الإيراني، وحفاظاً على مصالحهما، وكذلك لضمان أمن إسرائيل على طول خطوط احتلالها للأراضي السورية؛ فإنّ المطلوب ليس سقوط نظام الأسد، بل إسقاط الانتفاضة الشعبية، ومساندة نظام لن يأتي المستقبل بما هو أفضل منه كضامن لشبكة المصالح هذه.
لا مناص، هنا، من وقوع ليفريت في إغواء عقد المقارنات السطحية، التي لا تقرأ التاريخ على النحو الأشدّ ركاكة وجهلاً وتنميطاً، فحسب؛ بل تقلب التاريخ ذاته، رأساً على عقب: ‘غير أنّ هوس الولايات المتحدة بنسف الجمهورية الإسلامية عن طريق تشجيع الجهاديين المدعومين من السعودية، في قتالهم ضدّ الأسد، سوف ينتهي إلى الإضرار بالأمن الأمريكي، تماماً على غرار ما فعل الجهاديون المدعومون من السعودية، في أفغانستان وليبيا’. المشكلة أنّ ليفريت، بعد سطر واحد فقط، سوف يجزم بأنّ حليف الجمهورية الإسلامية الأهمّ في المنطقة ليس النظام السوري، بل العراق: ‘أوّل دولة في التاريخ يحكمها الشيعة العرب’!
والحال أنّ هذا النسق من التنميطات المبتسرة ليس جديداً على ليفريت، حين يستذكر المرء كتابه السابق، والأشهر ربما، ‘وراثة سورية: بشار أمام اختبار النار’، الذي كان قد صدر سنة 2005؛ وكذلك حين توضع آراؤه في نصابها الصحيح من حيث ‘خبرة’ المؤلف: العمل في مجلس الأمن القومي الأمريكي خلال ولاية جورج بوش الأولى، ثمّ في وزارة الخارجية، وكذلك في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (مديرها الأسبق، جورج تينيت، اعتاد أن يطلق على ليفريت صفة ‘رأس حربة’ الوكالة في تحليلات الشرق الأوسط). النزوع إلى التنميط يبدأ من العنوان ذاته، حيث يستعير ليفريت مصطلح ‘اختبار النار’ من تراث لاهوتي مسيحي، قوامه تبرئة أو إدانة متهم ما، عن طريق قضبان الفولاذ المحمّى.
مستوى التنميط الثاني هو مقاربة نظام الأسد الابن على قواعد الخلاف، أو التوافق، مع ثلاثة منظورات كانت في نظره تحكم الرؤية الأمريكية للأوضاع السورية: الأوّل يرى أنّ الأسد إصلاحيّ النوايا لأنه ‘درس في الغرب، وهو عليم بالإنترنيت، وزعيم من جيل شاب يقرّ بمشكلات سورية العديدة، ويريد تحسين الامور، ويريد علاقة أفضل مع الولايات المتحدة والغرب عموماً، ولكنه مقيّد بالحرس القديم’. المنظور الثاني يعتبر الأسد ‘قوّة استمرارية للنظام، وليس للتغيير’، وهو ‘نتاج النظام الذي خلقه أبوه’، ولهذا فهو ‘جزء من المشكلة في سورية، وليس أبداً جزءاً من الحلّ’. وأمّا المنظور الثالث فهو أن الأسد ‘جديد على الصنعة’، كما سنترجم مفردة Neophyte، و’قليل الخبرة، رديء التأهيل، غير ذي اطلاع، الخ…’ على نحو لا يجعله صالحاً لتنفيذ ‘مسؤولياته كزعيم وطني’…
أيّ المنظورات تبدو أقرب إلى تفكير ليفريت؟ ليس الأمر واضحاً تماماً وعلى نحو جازم، لكنّ الرجل يبدو أقرب إلى المنظور الأوّل، وإنْ كان لا ينفض يديه تماماً من المنظورين الثاني والثالث: ‘في الواقع أظن أن صورة بشار ينبغي أن تكون أكثر تمايزاً وتمازجاً. وبشار في يقيني عنده حوافز إصلاحية. وهو يقرّ بأنّ سورية تعاني من مشكلات كثيرة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. ويرى أن الأمور ينبغي أن تكون افضل. ولكني أجادل بأنّ حوافزه الإصلاحية هزيلة واهنة. ليست لديه رؤيا شاملة كاملة عن تحويل سورية’. وبعد الاستفاضة في الحديث عن عقدة ‘الحرس القديم’، يكتب ليفريت: ‘بشار مقيّد، لكنّ القيد ليس اثنين أو ثلاثة من الجماعة المسنّين في أعلى الهرم، بل الأمر يخصّ النظام ذاته أكثر’. والمرء يتساءل: أيّ نظام؟ ثلّة ‘البيروقراطيين’، ‘العاديين’، ‘المتحجرين’… حسب توصيفات ليفريت؟ أم نظام تحالف الحرسَين القديم والجديد، ضمن ائتلاف الاستبداد والنهب والفساد والمافيات العائلية؟
طراز ثالث من التنميط، هو الأعجب هذه المرّة، يدفع ليفريت إلى رهن مستقبل الأسد السياسي، كـ’زعيم وطني’، بمبدأ واحد تقريباً: أنّ البيولوجيا لصالحه، وليس لصالح الحرس القديم! وصدٌقوا أو لا تصدّقوا أنّ هذا ‘الخبير’ الأريب يبلغ الخلاصة التالية: الأسد ‘مقيّد بالحرس القديم. وأعتقد إجمالاً أنه لا يريد مواجهة مع الحرس القديم. إنه في الجوهر يفضّل العمل من حولهم. وأعتقد أيضاً أنه يفترض أنّ البيولوجيا تقف إلى جانبه. سوف يبلغ الأربعين هذا العام. وأظنّ أنه إذا اتخذت السياسة السورية مسارها الطبيعي، خصوصاً وأنّ رئاسته غير مقيّدة بعدد محدد من الولايات، فإنّني لا أعتقد أنه يجب أن يقلق من خسران انتخابات في أيّ يوم قريب’!
السنوات القليلة كذّبت صاحبنا المنجّم، فغادر أفراد ‘الحرس القديم’ المشهد، واحداً تلو الآخر، بضجيج تارة (عبد الحليم خدّام)، أو دون حسّ أو خبر (مصطفى طلاس)، أو اغتيالاً حين استوجب الأمر (غازي كنعان)؛ والبيولوجيا لم تحل دون اندلاع الانتفاضة الشعب، وارتفاع شعار إسقاط النظام، وابتداء العدّ العكسي لانطواء صفحته من التاريخ السوري المعاصر. وليست، البتة، مفارقة صارخة أنّ ليفريت يحثّ الإدارة الأمريكية على وقف السياسة الراهنة تجاه الأسد، واستبدالها بأخرى كانت في الأزمنة السابقة تُسمّى الدبلوماسية، كما كتب، وصار اسمها اليوم ببساطة: لعبة العصا والجزرة! وضمن المنطق ذاته لا يتردد في سحب صفة ‘الزعيم الوطني’، التي أسبغها على الأسد قبل ثماني سنوات، ليستبدلها بأحد أسوأ نقائضها: أنّ الأخير هو الضامن لشبكات المصالح الإيرانية ـ الأمريكية ـ الإسرائيلية، الأفضل من أيّ نظام سبقه، وأيّ نظام سيعقبه.
إلى حين، وشيك وآتٍ، ومن هنا قلق ليفريت؛ اللاهث خلف بوصلة معطوبة، تسير به خبط عشواء.

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\21qpt995.htm&arc=data\2013\02\02-21\21qpt995.htm



Inscrivez-vous à notre newsletter