انتصار الثورة السورية – مانيا الخطيب

Article  •  Publié sur Souria Houria le 28 janvier 2012
السوريون وهم يغيرون مجرى التاريخ في ملحمة دموية نادرة
من هنا لا نفعل شيئاً سوى البكاء والمرارة، والركض بين الجهات الحكومية وغير الحكومية ونتوه في سراديب البيروقراطية وإخضاع كل هذه المأساة إلى مباضع الدراسات الاستراتيجة
!!
انطلقت هذ الثورة الاستثنائية في 15 آذار
باغتت العالم بأجمعه بعد أن ساد صمت القبور على سوريا لما يزيد عن أربعة عقود
ظلّ الناس فيها في حال من الذهول والصدمة، في تسلسل أحداث المنطقة، من حرب إلى أخرى …ومن مجزرة إلى تاليتها .. وتجار الحروب يسرحون ويمرحون ويواصلون الجلوس في كراسي الحكم
!!
لن يعود بعد اليوم أي سوري في العالم إلى ما كان عليه قبل 15 آذار
إنها عملية فرز لا مثيل لها
ومواجهة نادرة مع الذات
رغم هذه المجازر التي يندى لها جبين البشرية
ورغم كل الدعم الإقليمي، والعالمي، الذي يقدّم بعلم الجميع إلى عصابة حكم بشار الأسد
ورغم تجاهل العالم المخيف لكل هذا النزيف البشري
والفجائع وعدد مرعب من المفقودين  وجرائم لم يقم بها أحد قبل اليوم
إلا أن السوريون يعلمون أكثر من أي وقت مضى ماذا يعني أن انتصار الثورة المتمثل بالدرجة الأولى برحيل منظومة حكم بشار الأسد ومن حوله عن كرسي الحكم في سوريا تأخر حتى هذا اليوم
نحن اليوم أما سوريا التي سأشبهها بالجسد الذي ابتلي بمرض أليم
ونحن  أمام شيء يشبه العملية الجراحية
وتصادفنا فيها أجزاء متقيحة، ملتهبة، معفنة تقوم الثورة بتيظيفها وعلاجها
وفي هذه العملية سأورد أهم تحدياتها، والتي في حقيقة الأمر يحتاج كل منها إلى دراسة منفصلة ولكني سأورد هذه الأمور اليوم، على أمل أن أقدم الفكرة التي أعتبر أن استمرارالثورة حتى اليوم هو أحد أسباب نجاحها الباهر حتى قبل السقوط الحتمي والفعلي لبشار الأسد وعصابته
وسأبدأ بأخطر ما ابتليت به سورية خلال العهد البائد وهو داء الفساد، الذي ضرب أهم عنصر من مكونات سورية في الصميم وهو الإنسان
 استشرى هذا المرض وصار الكثير من المواطنين  يسمونه
« شطارة »
« حربقة »
وسادت تعابير رديئة من قبل
« مرّقتي وخذ لك عباية »
« حق فنجان قهوة »
« اللي ما بيرتشي بتصير تحكه إيده »
« شعبنا من يوم يومه فاسد »
وووو الخ من هذه الأمور التي لم يعشها الشعب السوري إلا في هذه العقود السوداء واليوم الثورة تعيد تطهير النفوس وسنحتاج إلى زمن حتى التعافي التام
الموضوع الثاتي هو أن أسلوب الحكم المخابراتي الذي عاشه الشعب السوري وخصوصاً في الثمانينيات قد خلق حالة من الفوبيا بين الناس في داخل سوريا وخارجها من بعضها البعض
حتى أصيب الإنسان السوري بحالة من البارانويا والتي جعلت الناس تعاني من حالة شك مرضية وقضي على أهم عنصر للتضامن الإجتماعي الذي ميز السوريين على الدوام وهو الثقة، لدرجة اختلاط الحابل بالنابل ولدرجة الحاق الأذى والظلم حتى بالشرفاء بسبب التشكيك والتخوين العشوائي والمجاني ..حتى صار الإنسان يشك بأقرب المقربين إليه لئلا تكون المخابرات قد جنّدته، وساد أيضاً قول شعبي « للجدران آذان » وهذا أحد الأمور التي تقوم الثورة بتنظيفها
الموضوع الثالث، هو الهوة السحيقة التي فصلت الشعب  عن « النخب » الثقافية والسياسية حتى أدى ذلك إلى مايلي
تقوقع وعزلة الكوادر التي يفترض  أن تكون قريبة من الناس لتتأثر وثؤثر بها
وهذه الهوة أدت إلى إصابة هذه الكوادر بداء الغرور والأنانية  ولهذا نشاهد اليوم ونحن نعيش هذه الملحمة الشعبية الاستثنائية حالات سقوط الأقنعة عن وجوه مدّعي النضال
وتعبيرهم الفاضح عن المحاولات الغبية لاحتكار الثورة وكأن هذه الثورة هم من صنعوها… وفي حقيقة الأمر هي التي صنعتهم والشارع السوري سبقهم بأميال.. هم فقط يحاولون الركض خلفه  بكل ما لديهم من أساليب في بعض الأحيان ليست نظيفة، وبل وتعيد انتاج نفس أساليب الاستبداد التي يقولون أنهم قضوا حياتهم يحاربوها
!!!
لينطبق عليهم قول الشاعر محمود درويش
ولأن العاصفة
كنّست صوت العصافير البليدة
والغصون المستعارة
عن جذوع الشجرات الواقفة
الموضوع الرابع
هو أن أهم الأشياء التي دأب حافظ الأسد على تثبيتها من أجل استمرار حكمه كل هذه العقود، وبعدها توريثه إلى ابنه الجاهل، هي محاولة ضرب وتفتيت اللحمة الوطنية وإثارة كل أنواع النعرات التي تؤدي إلى تمزيق النسيج السكاني المنوّع للشعب السوري
ولهذا الحديث شجون أليمة وأذكر أهمها وهي مجزرة العصر حماة
الجرح الغائر في وجدان الشعب السوري
أقولها بكل ألم وحسرة أنه من كبر حجم المأساة… هذه الثورة احتاجت إلى كل هذا النزيف والرعب حتى يفتح هذا الملف الذي قضينا أعمارنا ونحن نتساءل  كيف مرت كل هذه العقود… وهذا الملف وأهله يئنّون في عتمة شعبيّة و إعلامية رهيبة… ومرتكبي هذه الجرائم والمجازر،  يسرحون ويمرحون في خمارات أوروبا على مرأى العالم ومسمعه
لماذا لم تنفتح هذه الملفات ؟ لماذا؟
!!
هل كان على سورية أن تقدم كل هذا العدد من الشهداء حتى تنحل عقد ألستنا
هل كان يجب أن يحدث كل هذا الرعب لنفرض عدالة قضيتنا
مأساة حماة وعقود مرت بعدها، حاولت عصابة الحكم بكل ما لديها من قذارة أن تدمّر الثقة بين أهالي المنطقة مستعملةً،  كل ما يمكنها من إثارة النعرات تارةً بين الريف والمدينة ..  وطوراً بين أبناء المذاهب والأديان المختلفة، بين من يظهر ولاءه وبين من لا يظهر
اليوم كان علينا أن نعيش كل هذه الشهور الدامية ليظهر الشعب السوري دفعةً واحدةً وأولهم شعب حماة الجريح،  كل هذا الحب والتلاحم والوحدة ويصيح بصوت قوي واضح لا لبس فيه
كما اعتاد دوماً أن يكون « واحد واحد واحد الشعب السوري واحد
ويصيح بكبرياء أثير
« إيد وحدة إيد وحدة
لو لم تمر كل هذه المدة الكابوسية التي غيرتنا إلى أبد الآبدين ولو لم نعش هذه المرارة ولو لم يهتز الضمير العالمي أمام ما يحدث للشعب السوري
لو أن الثورة أطاحت ببشار الأسد من أول أسبوع
كنا سنواجه بكل تأكيد ثورة مضادة في أسرع مما نتخيل
ولهذا فإن جيلاً يهزم وحيداً بجهود وطنية صرفةً أعتى نظام استبدادي دموي عرفه التاريخ
لهو قادر على هزيمة أي محاولة من أي نوع لتبديد تضحياته والانتقال بها إلى أي استبداد مهما كان نوعه
هذا الشعب اليوم مثل البحر تماماً ينظف نفسه بنفسه ..
يعرف تماماً ماذا يريد
صار لديه مناعة ثابتة ضد أي نوع من الاستبداد
لن يستعصي عليه شيء
لقد تغير الزمن لن تسطيع أي إيديولوجية أو حزب أن يختزل هذا البحر
لن يكون بعد اليوم أي قيمة لغير العمل الحقيقي والمخلص ضمن إطار الدولة المدنية الديمقراطية التعددية التي تسير سوريا وشعبها باتجاهها
أظهرت هذه الثورة أيضاً كما لم تفعل أي ثورة قبلها مستوىً عالياً من الأخلاق الشعبية
وأظهرت حدّاً أدنى من الأخطاء البشرية الفردية
الثورة الفرنسية التي غيرت وجه أوروبا احتاجت إلى ما يقارب العشر سنين حتى استطاعت أن تحقق أهدافها
وحصلت فيها أخطاء أكبر بكثير مما نراه اليوم فزمن الثورات يختلف عن أي زمن غيره
الثوار الفرنسيون أعدموا عالم الفيزياء لافوازيه بسبب ميوله الملكية،  صاحب نظرية
المادة لا تفنى ولا تخلق من عدم
وقد قيل حينها فيما معناه
أن المقصلة التي قطعت ذلك الرأس ستحتاج البشرية إلى سنوات طويلة لتنجب مثله
اليوم في سوريا الفاتورة الهائلة التي دفعها ولا يزال الشعب السوري من اجل حريته وكرامته هي أكبر ضمانة أن من يدفع مثل هذا الثمن الباهظ لن يسمح بعد اليوم بأي شكل من الأشكال لأن يكون في بلده ودولته إلا قيم المواطنة الحقيقية
التي دفع من أجلها الغالي والنفيس ولهذا فإنها ثمينة … إلى حد لا نهائي

27.1.2012



Inscrivez-vous à notre newsletter