انسداد النافذة الدبلوماسية أمام الأزمة السورية – عيسى الشعيبي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 5 mars 2013

قد لا يختلف اثنان، داخل سورية وخارجها، على أن وقف عدّاد الموت المتسارع هو الهدف الذي يعلو كل ما عداه من أهداف أخرى، لدى السوريين ومن يشفقون عليهم، جراء هذا التفاقم في حدة الأزمة، وهذا الارتفاع المروع في تكاليفها الإنسانية الباهظة. وقد تتفق أكثرية المخاطبين بتداعيات هذا الصراع الذي لا يرحم أحداً، على أن أقصر الطرق وأنسبها لتحقيق مخرج ملائم لسائر أطراف اللعبة الدامية هي طريق الحوار والمصالحة الوطنية.
غير أن هذه الغاية النبيلة حقاً، تبدو بعد نحو عامين من التغيرات المتراكمة في البيئة الداخلية، والاستقطابات الشديدة في المحيطين الإقليمي والدولي، أقرب ما تكون الى الأمنيات المحلقة في سماء بعيدة عن متناول أيدي المتحاربين والوسطاء والدخلاء في هذه الأزمة التي دخلت في طور من الاستعصاء الشديد، واستقطبت الكثير من الفرقاء المتحفزين لتسوية حسابات سياسية معلقة، وإعادة التموضع بصورة أفضل على جانبي المعادلة الأوسع نطاقاً من حدود الرقعة الملتهبة.
ولعل مرد هذا الإخفاق الذي رافق كل المساعي الدبلوماسية المتعثرة، وأعقب جميع المبادرات العربية والدولية، يكمن في شدة اتساع الفجوة، والتباس المفاهيم المتداولة، وعمق الاختلاف في تعريفات الحالة السورية، بين طرف يرى أنها مجرد مؤامرة كونية تنفذها عصابات إرهابية، وآخر يؤمن أنها ثورة شعبية اجتازت مرحلتها السلمية عنوة، ثم دخلت في طورها المسلح، وراحت بعد ذلك تجب مطالبها الإصلاحية، وتنسخها لصالح مطلب التغيير الشامل لبنية النظام الأمنية.
كانت النافذة الدبلوماسية واسعة ومتاحة في الأشهر الأولى من عمر هذه الثورة. وكانت الحلول الوسط حينها وجيهة وممكنة وذات مصداقية. إلا أنه بعد أن أوغل النظام الاستبدادي في توحشه، واعتمد الحل الأمني الذي لا يملك في واقع الأمر حلاً غيره، وقارف جرائم لم يقارفها أي طاغية في حق شعبه، انغلقت النافذة الدبلوماسية، وطارت الحلول الوسط من تلقاء ذاتها، لتحل محلها لعبة صفرية مميتة، يربح في نهايتها هذا الطرف أو ذاك ربحاً كاملاً، مقابل خسارة تامة للطرف الآخر.
في المقابل، كانت الثورة الشعبية السورية تزداد زخماً مع مرور الوقت، وتشبّ عن الطوق، وتتحول إلى قوة غير قابلة للكسر، بل وتراكم ثقة متعاظمة بالنفس، الأمر الذي غيّر المشهد الداخلي، وأعاد بناءه على نحو تتكافأ فيه عناصر القوة المتقابلة شيئاً فشيئاً؛ وهو ما مكن الثوار لاحقاً من كسب مزيد من الأرض والجدارة والدعم، إلى أن عبروا بشجاعة تبلغ حد الإعجاز من حالة الدفاع عن النفس، إلى عتبة الهجوم الشامل، وسط مظاهر لا حصر لها من الإنهاك والضعف والتشتت لدى نظام يواصل إنكار الحقائق الماثلة.
وإذا كان هناك من شك في صحة هذه المقاربة لمكونات المشهد السوري القائم، فما الذي يفسر كل هذا الإلحاح من جانب النظام المتهالك وحلفائه على طلب الحوار مع المعارضة الموصوفة في خطابهم كعصابات إرهابية مرتزقة؟ ثم، بماذا تشي كل هذه الانتصارات العسكرية المتنقلة من موقع الى آخر، ومن ثكنة هنا إلى قاعدة جوية هناك، غير ما تنبئ به الحقائق المصورة عن تقدم حثيث لقوى الثورة؟ ثم، ما علّة هذا التورط المتزايد من جانب إيران وأتباعها المذهبيين في القتال على المكشوف لصالح نظام خسر بالمعنى الاستراتيجي حربه؟
صحيح أن هناك الكثير مما يؤخذ على الثورة التي شابتها مظاهر مقلقة، إلا أنه من الصحيح أيضاً أن هذه الثورة التي تمتلك حصانتها الذاتية، ورشدها، وزمام أمرها في الميدان، وتُظهر بأسا شديدا وصلابة لا متناهية في التمسك بهدف تغيير النظام من أساسه، وتقيم رأس جسر ثابت الأركان على تخوم العاصمة، وتواصل تحرير الأرض شمالاً وشرقاً، والحصول على الكثير من الغنائم الحربية، لم يعد يعوزها اليقين بالانتصار، ولا ينقصها الدافع والسلاح والرجال كي تتوقف في منتصف الطريق وتخسر المعركة، حتى وإن كان ذلك بكلفة بشرية ومادية مؤلمة. فالحرب هي الحرب، وهذا هو قانونها الذي لا يتبدل، ولا يبدل تبديلا.

http://www.alghad.com/index.php/crew/152724.html



Inscrivez-vous à notre newsletter