بين القتل والمقاومة – سلام الكواكبي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 6 mai 2013

فى عام 2006، إثر العدوان الإسرائيلى على لبنان وتحديدا فى جنوبه، ونتيجة للقصف المدمّر الذى تعرضت له مدن وقرى عدة، لجأ الآلاف من سكان المناطق اللبنانية الأكثر استهدافا إلى سوريا. وتركز اللجوء فى المنطقة الوسطى التى عاصمتها مدنية حمص وتعدى مركزها ليشمل ريفها القريب والبعيد، وخصوصا منطقة القصير.

 كانت الغالبية العظمى من العائلات المهاجرة تختلف مذهبيا عن سكان مناطق اللجوء، ولم يكن لهذا الاختلاف أى تأثير على الاستضافة وفتح الأذرع والأبواب أمامهم، ومقاسمتهم غلال العائلات الفقيرة التى لم تطلها إصلاحات وتطويرات النظام الحاكم فى دمشق، كما لم تطل أيا من السوريين على مختلف مذاهبهم وفى مختلف مناطقهم، إلا من دان بالولاء للسلطة وتشبث بذيولها المتعددة.

●●●

فى عام 2013، تتعرض مدينة القصير وعموم محافظة حمص، التى جرى تدمير عدد كبير من إحيائها منذ بداية الثورة السورية، إلى هجوم شرس ومدمر من قوى محلية وإقليمية. فإلى جانب القصف اليومى والاقتحامات المتكررة من قبل السلطات السورية، انضمت قوى حزب الله إلى آلة القتل مستغلة قرب الحدود اللبنانية وتداخل بعض القرى بين سوريا ولبنان.

ويبدو أن شباب «المقاومة الإسلامية اللبنانية» الذين يشاركون اليوم، وبناء على تأكيد قائدهم حسن نصر الله، فى المقتلة السورية، قد أضاعوا البوصلة التى من المفترض أن ترشدهم إلى الحدود مع العدو الإسرائيلى وتترفّع بهم عن قتل الشقيق السورى. وهم لا يدرون ربما ما حمله التاريخ القريب من إيواء واستقبال ومشاركة فى الألم والحلم بين أهالى هذه المنطقة وأهاليهم. ولربما ذبح بعض «أبطالهم» شابا لعبوا معه فى باحة الدار التى آوتهم فى محنتهم سنة 2006. لربما أيضا قصفوا مستوصفا عالجهم أو مدرسة تحولت إلى مركز استقبال من ضمن الحملات الإنسانية الخيرية التى جابت سوريا حينذاك بجميع مناطقها لنصرة اللاجئين اللبنانيين من دون أى دعم من السلطة التى يقومون اليوم بالقتل من أجلها.

●●●

ويتأكد اليوم أيضا كذب الأبواق الإعلامية التى ما فتئت تنفى انغماس الحزب الإلهى فى الدم السورى رغم كل الدلائل حول هذا التورط غير المشرّف لمن ادعوا يوما الدفاع عن الحق اللبنانى والفلسطينى. وربما سيرفع عديد من «المفكرين»، الذين تحالفوا فى زواج مصلحة غير مكتمل مع قتلة، المرآة من منازلهم كى لا ينظروا من خلالها إلى القباحة المتجسّدة.

فمنذ أيام، انبرى أحدهم، وهو من «مفكرى» الحزب الإلهى، ليرد على نداء وجهه بهدوء وانفتاح رئيس الائتلاف السورى السابق معاذ الخطيب لحسن نصر الله. وقد نفى هذا «الباحث» بكل حدة ما يرد عن التورط المعيب إنسانيا ووطنيا. ووصل به الأمر أن مزج خطابه بشىء من السخرية إزاء النداء الوجدانى للخطيب والذى دعا فيه إلى الحفاظ على أرواح السوريين واللبنانيين ودرء الفتنة التى يسعى إليها أعداء الشعبين.

●●●

فى الماضى القريب، أراد الكثيرون أن ينسوا أو يتناسوا «احتلال» حزب الله لساحة المقاومة فى ثمانينيات القرن المنصرم وإبعاد كل القوى الوطنية واليسارية عن مواجهة العدو الإسرائيلى. وأغمض الكثيرون عيونهم عن اغتيالات بالجملة قام بها الحزب تجاه قامات فكرية وطنية. وسامح الكثيرون سياسة الحزب الاستئصالية والتدميرية إزاء جزء لا بأس به من المجتمع اللبنانى. وتضامن الكثيرون مع «مقاومة» الحزب للاحتلال الاسرائيلى، وفرحوا بانتصاره سنة 2000 منتظرين منه أن ينتقل إلى تمثيل التطلعات السياسية والاقتصادية لفئة لبنانية أساسية عانت كثيرا من الحرمان خلال عقود. وسامح الكثيرون احتلال الحزب لشوارع بيروت واستعراضاته العسكرية والترهيبية سنة 2008 معلنا تحويل البندقية من الحدود إلى الداخل. وبرر الكثيرون للحزب تبعيته لملالى إيران على اعتبارها استراتيجية سياسية تستند إلى توافق عقائدى يفيد بالمطلق مصلحة القضية الكبرى. ولكن الوهم اتضح بجلاء اليوم.

لقد تبين الآن أن هذه المجموعة المسلحة التابعة، ابتعدت، إن افترضنا بأنها كانت قريبة، عن «المقاومة» وانخرطت فى حرب ضد السوريين الذين كانوا يوما من أهم داعميها بالقول وبالفعل.

ستخرج الكثير من التحليلات حول إعلان نصر الله، وسيترجمها الطائفيون من كل جانب استنادا إلى رؤى ضيقة. وستمتزج الشتائم بالتبريرات المهترئة اخلاقيا. وسيستغل المتطرفون الأمر ليفصحوا عن نظرتهم للثورة. وسيسجل الموت فى الروح وفى الأخلاق نقاطا على حساب دماء المدنيين. ولكن التاريخ لن ينسى المقاوم الذى تحوّل إلى قاتل.

 



Inscrivez-vous à notre newsletter