تحول مقلق ! – ميشيل كيلو

Article  •  Publié sur Souria Houria le 30 août 2011

والآن وقد اقترب الصراع في ليبيا وعليها من نهايته، يحسن بنا أن نقف قليلا عند جانب رئيس منه، علّه يفيدنا في قراءة الوضع السوري، هو: حقيقة أن من حسم الصراع هناك لم يكن ميزان القوى المحلي بل الدولي، وأن نظام القذافي ارتكب جميع الأخطاء الضرورية لتبرير هذا التدخل، وفي مقدمها رفضه السعي إلى تسوية مع شعبه تفضي إلى مصالحة تغلق الباب الذي يمكن أن يدخل منه الأجانب، بغض النظر عن نوع تدخلهم وحجمه. رفض القذافي مطالب شعبه، واعتبرها مؤامرة تنفذها عصابات إسلامية مسلحة، وقال إن وراءها خطة غربية تستهدف دور ليبيا ونظامها، فلا يجوز الرد عليها بغير القوة، الوسيلة الوحيدة التي ستتكفل بسحقها، والتي يدعمها شعب ليبيا الوفي له، خاصة أنه لا يقاتله بل يحرّره من «الجرذان والمقملين»، الذين يجبرونه على الانضواء في الخطط الأجنبية، وأن نظامه تعرض للتآمر ليس لأنه أخطأ ـ لا سمح الله ـ هنا أو هناك، بل لأنه لم يرتكب أي خطأ، فالمطلوب إذن الإبقاء عليه كما هو من دون تغيير، ما دام تغييره يعني الانصياع للمؤامرة والمشاركة في تنفيذها.

ليس من الضروري أن تتشابه المضامين، وإن تشابهت الأشكال، وفي النهاية فإن سوريا ليست ليبيا لألف سبب وسبب. لكنه توجد مع ذلك علامات مهمة تشير إلى المسار المحتمل للحدث السوري، أعتقد أنها تتجلى في إمعان الدول الغربية: أميركا وأوروبا وما يشبههما من دول، في إغلاق طرق الرجوع إلى وضع سياسي طبيعي مع النظام إغلاقاً متزايداً وفي سائر المجالات، وتسارع هذا التوجه وتفاقمه وتوسعه بعد إعلان أصدره مجلس الأمن الدولي، وافقت عليه روسيا والصين أيضا، ركز على شخص رئيس الجمهورية بشار الأسد، الذي اعتبر مسؤولاً عن القسم الأكبر من السياسات المعتمدة اليوم حيال المظاهرات الشعبية، وجزء رئيس من المسؤولية عن وقفها، ثم أعقبه بعد أيام مطالبة الرئيس بالتنحي، في حين أحيلت إلى لجنة حقوق الإنسان ملفات تتصل بالوضع الداخلي السوري، أرسلتها هذه بدورها إلى مجلس الأمن كي يتخذ قراراً نهائياً بشأنها، يحيل الرئيس الأسد وعدداً كبيراً من المسؤولين الأمنيين والسياسيين إلى محكمة الجنايات الدولية، في ما يحتمل أن يكون تمهيداً لقرار يتصل بحماية المدنيين يشبه القرار حول ليبيا، الذي فتح باب الإجراءات المتصاعدة ضد النظام هناك، الذي وضع في عزلة تكاد تكون تامة: سياسية واقتصادية، هدفها خنقه قدر الإمكان ريثما يحين وقت اتخاذ تدابير عملية ليس من الضروري أن تكون مشابهة لما وقع في ليبيا، وإن كان من المحتمل بصورة متزايدة أن تتضمن جانباً عنيفاً أو عسكرياً. كما يبدو من إشارات متعددة أخذت تتراكم على الأصعدة العربية والإقليمية والدولية، تدخل الصراع في حلقة إقليمية تتخطى مكوناته وأطرافه الداخلية وأهدافها المختلفة، ويرجح أن تعمل على حله في أطر تتخطى هذه المكونات ومواقفها، وتكون مستقلة عنها وعن حراكها وأهدافها، بحيث تنفصل أهداف الخارج عن ملابسات وعلاقات الداخل، من دون أن تقلع عن استغلالها في إعداد البيئة الضرورية لنجاح سياساتها، التي ركزت طيلة سنوات على فك علاقة دمشق بطهران، ويبدو أن الظروف قد نضجت في نظرها لإحداث تحول أو انعطاف جدي فيها، يؤدي إلى قطعها وحصر إيران في زاوية خانقة، مع ما يمكن أن يتطلبه ذلك من تدابير عملية، عنيفة كانت أم غير عنيفة

قلت إنني لا أريد مقارنة الوضع السوري بالليبي، لكن وقائع متماثلة أو متوازية تدعو إلى مقارنة مآرب السياسة الدولية هناك بمقاصدها هنا، وبالتالي خطواتها في ليبيا بخطواتها في المجال السوري. ومن المؤسف أننا سنكتشف تماثلاً يكاد يشكل تطابقاً بين الحالتين، سواء على صعيد التخطيط أم التنفيذ أم العمل مع المؤسسات الدولية. ولعله من الجلي أن العمل بدأ بالسعي إلى فرض طوق من الإجراءات الخانقة، التي تخرج النظام من المجال الدولي بصورة تكاد تكون تامة، وها هو يرمي إلى وضعه خارج الشرعية الدولية، بينما تنهمر عليه تهم لا نهاية لها تبعد عنه أصدقائه وتؤلب المحايدين والأعداء عليه، يجري السعي على قدم وساق إلى تقويض وضعه الاقتصادي وتجفيف موارده، ويدفع إلى ارتكاب أخطاء يصعب إصلاحها في كل مجال وموقف، بانتظار ساعة يبتعد أو يحيّد فيها الأصدقاء، ويتصاعد صراخ عالمي عاصف بضرورة التدخل، لوقف المجازر ضد المدنيين، أو تنحي من يجب أن يتنحى من كبار المسؤولين

هناك رافعة رئيسة تستطيع قطع الطريق على هذه الخطط المحكمة: إنها الإصلاح السياسي الشامل للنظام وللمجال السياسي برمته، الذي يلبي مطالب الشعب ويؤسس لمصالحة وطنية عامة تسد سبل التسلسل إلى البلد والدخول إليه، إبطالاً لحجج المتدخلين وتوحيداً لصفوف قواه السياسية ولخيارات مواطناته ومواطنيه، وتخلصاً من أي شكل من أشكال النزاع الداخلي يمكن أن يتذرع به أي متدخل يريد تبرير سياساته وتدابيره وربما عدوانه، وتحصيناً للشعب والبلد. هنا، لا يجوز بأي حال اللعب بالخيارات والخطأ في الحسابات والسياسات. وإذا كان المتدخلون يتذرعون بالافتقار إلى الديموقراطية كي يتدخلوا في شؤون البلد، فإن خير رد عليهم يكون بإقامة نظام ديموقراطي يبطل حججهم. وإذا كانوا يسوّغون سياساتهم بحماية المدنيين من العنف، فإن أفضل تدبير لقطع الطريق عليهم يكون بوقف العنف ضد هؤلاء وملاقاتهم إلى ما بعد منتصف الطريق، ما دام يفترض بالحاكم أن يكون خادم شعبه، وأن يعالج أخطاء نظامه كي يحرّره منها وليس لكي يغير أشكالها فقط. ومن يجد في نظامه عوجاً عليه إصلاحه، لأن إزالة عوجه هي السبيل الوحيد إلى إنقاذه واستمراره

تذرع الغربيون في الحالة الليبية بالعنف ضد المدنيين كي يتدخلوا عسكرياً، وها هم يُعدّون العدة لتكرار الشيء نفسه في سوريا، حيث صار التناقض الخارجي مع النظام أكبر من تناقض شعبه معه أو تناقضه هو مع شعبه. في ظل هذا الوضع، لن يكون مهماً من الآن فصاعداً موقف الداخل والمعارضة من أي عمل أو عدوان مبيّت، ما دام الخارج قد كدّس من الأوراق في يده ومن نقاط الاحتكاك مع النظام ما يمكنه من التضييق عليه إلى أبعد حد، والحيلولة بينه وبين الخروج من مأزقه، وما سيمكنه عند اللزوم، حين تدنو ساعة التدخل، من إيجاد الغطاء الدولي الضروري لإضفاء الشرعية على ما يخطط له، هذا إذا تناسينا أنه يتدخل منذ أشهر بنشاط وبالطريقة التي يريدها، وأن وضع النظام الحالي هو إحدى النتائج المباشرة والواضحة لهذا التدخل المتعدد الأشكال، الذي لم ينقطع خلال هذه الفترة المديدة، بتسهيل أكيد من الخيار الأمني الذي اعتمده، وحذرنا شخصياً من نتائجه الخارجية على البلد، وقلنا إنه يفتح أبوابه على مصراعيه أمام كل من يريد التدخل في شؤونه

حصر الخارج النظام، الذي يفقد غطاء المعارضة نتيجة امتناعه عن الإصلاح، بينما يفقده الحل الأمني دعم قطاعات واسعة من الشعب، فإذا ما وقع التدخل ـ لا سمح الله – وجده الخارج مكشوفاً من دون حماية سياسية داخلية جدية وفاعلة، وغلبه ميزان القوى الدولي المتفوق، وقضمه قطعة بعد أخرى، مثلما حدث في ليبيا

يعتقد كثيرون أن الوقت قد فات لتدارك الوضع. وأعتقد أن وقت الإصلاح الحقيقي لا يفوت أبداً، وأن معظم الذين ينزلون إلى الشارع لا يموتون حباً بالموت بل طلباً لحقوق مشروعة، إن حصلوا عليها حقنوا دماءهم. واليوم، والمعركة لم تعد مع هؤلاء أساساً، إن كان من لزوم أصلا لمعركة معهم، بل تتحول أكثر فأكثر إلى معركة مع خارج يتحفز ويجهز نفسه للانقضاض، لم يعد هناك من سبيل إلى اتقاء الخطر الداهم بغير الانتقال إلى إصلاح شامل، يوقف العنف ويصالح الشعب ويحمي استقلال البلد، الذي تهبّ عليه العواصف من كل حدب وصوب

Source : http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1933&ChannelId=45638&ArticleId=3359&Author=%D9%85%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D9%84%20%D9%83%D9%8A%D9%84%D9%88
Date : 29/08/2011



Inscrivez-vous à notre newsletter