تهافت المرشحين – سلام الكواكبي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 7 mars 2012

تزاحم المرشحون للرئاسة الفرنسية ومن لاذ بهم منذ أسابيع إلى تلبية دعوة العشاء السنوية التي يقيمها المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا  »الكريف » .المجلس هذا عبارة عن مجموعة ضغط فاعلة، تسمى في الأدبيات الأنجلوساكسونية باللوبي، وهذا اللوبي مساند شرس للسياسات اليمينية للحكومة الإسرائيلية الحالية، ويدافع عنها في جميع المحافل الإعلامية والقضائية .إضافة، فهذا المجلس يعتبر المراقب المتحسب لكل ما تعتبره عقليته النخبوية  »انتهاكاً » لمصالح الجالية، التي تمتزج عسفاً بمصالح الدولة البعيدة لآلاف الأميال عن بلاد الغال .إزدواجية الانتماء، أو بالأحرى، أفضلية الانتماء إلى دولة خارجية ودعم سياساتها مهما كانت منافية لمصالح الدولة الفرنسية لا تعتبر ملاحظة تستحق التحليل ولا يجب التطرق إليها كثيرا إعلامياً هذا اللوبي القوي اقتصاديا وإعلاميا وسياسيا، يمارس قانون  »الحسبة » السياسية على كل من ينتقد ممارسات المحتل الإسرائيلي، معتبراً إياه معادياً للسامية ومع وجود عداء حقيقي للسامية مستنكر لدى فئة يمينية متطرفة من الشعب الفرنسي، إلا أن معاداة السامية أضحت تهمة جاهزة لكل من انتقد سياسات الاحتلال والاستيطان

وفي عشاء المجلس، ظهر المرشحون المتنافسون في أبهى حلة وبابتسامات تجاوزت مساحات وجوههم الطبيعية وكادت تلتف كربطة العنق حول سحنتهم المضيئة تبرّكاً .ويعتبر هذا اللقاء التقليدي من أهم المراحل التي يخوضها المرشحون للرئاسة، وبالتالي يعتقد أيضاً بأنه يمكن أن يلعب دوراً حاسماً في تعبيد الطريق إلى الإليزيه .ووصل  »النفاق » السياسي إلى أن فرانسوا هولاند، مرشح الحزب الاشتراكي، وغريمه الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي، تبادلا التحية الحارة أمام العدسات، في إشارة إلى أن هذه المناسبة تتجاوز بمراحل  »تفاصيل » الخلافات  »المبدئية » على إدارة شؤون البلاد .هذا الإرضاء للجو العام والتوافق على صداقة إسرائيل مهما ترجمت هذه السياسة من عنصرية وتطرّف، ومهما استمرت باحتلال واستيطان الأراضي الفلسطينية، يعبّر عن حالة عامة لم يشذّ عنها إلا المرشح الوسطي فرانسوا بايرو الذي رفض حضور العشاء إياه من دون ربط موقفه هذا بالشأن السياسي الخارجي بل صرّح بعدم قبوله عقلية ارتماء السياسة في أحضان التجمعات الدينية أو العرقية .لقد اعتبر أن حضور السياسيين لهذا الحفل هو سعيٌ لاهث وراء الدعم الانتخابي، وهو مسيء للطرفين من خلال جعل موضوع الانتماء الديني أساساً في السياسة الانتخابية للمرشحين .ومن خلال موقفه هذا، أشار أيضاً إلى رفضه، المستند إلى علمانية جمهورية واضحة، لإقحام الانتماء الديني في المشهد السياسي مهما كان هذا الدين .وبالتأكيد، فتصريحات من هذا النوع تظلّ هامشية في جو الاستقطابات القائم .ومن المؤكد أيضاً بأن أصحاب الشأن لن ينسوا له هذا الموقف الذي سيكون له الوقع السلبي الحتمي في المتابعة الإعلامية لترشيحه ووصولاً إلى عملية التصويت

إن مفهوم اللوبي ما زال مرفوضاً في الأدبيات السياسية الفرنسية، ولم يرد ذكر هذه العبارة بخصوص اللوبي المؤيد للسياسات الإسرائيلية إلا على لسان الرئيس الراحل فرانسوا ميتران الذي تعرّض على إثر ذلك إلى حملة نقد شديدة اللهجة .ولم تشفع له علاقاته الراسخة بأوساط هذا اللوبي الإعلامية والسياسية في تخفيف الانتقادات .وقد غاب هذا التعبير حتى عن الكتب العلمية الرصينة التي استعاضت عنه بمفردات تؤدي جزءاً من المعنى، سعياً لتجنّب النقد العنيف والنكراني الذي يمكن أن ينجم عن مثل هذا الاستخدام  »المسيء »

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فهذه العقدة غير موجودة، وعبارة اللوبي تتكرر يومياً وتشمل، إضافة إلى اللوبيات الدينية، ما ترتبط منها بصناعة السلاح، وبالنفط وبالأسواق المالية

وفي هذا الإطار الأكثر وضوحاً، قام الرئيس باراك أوباما، الذي فشل حتى اليوم في إدارة وعوده الانتخابية السابقة داخلياً وخارجياً، الذي أثبت أن كلام الليل (الحملة الانتخابية) يمحوه النهار أو منتصف الليل حتى، بتوجيه خطاب إلى مجلس الشؤون العامة الأمريكي الإسرائيلي، وهو اللوبي الأقوى في الحقل السياسي الأمريكي، وهي المجموعة التي لا تخفي أيضاً دعمها غير المشروط وغير المحدود للسياسات اليمينية الإسرائيلية، التي تفتخر بممارستها الضغط اللازم على مراكز صنع القرار للحصول على مواقف واضحة وجلية في ما يتعلق بدعم السياسات الليكودية أو حتى الليبرمانية في الدولة الإسرائيلية

وفي هذا الخطاب، ابتدع أوباما نظرية جيدة في العلاقات الدولية وفي القانون الدولي والعلوم السياسية :لقد اعتبر أنه من الأمور السيادية قيام إسرائيل بمهاجمة إيران لحماية نفسها من  »احتمال » هجوم إيراني يعتمد على سلاح نووي  »محتمل » إنتاجه في هذا البلد .هذا الملف النووي تم تحريكه إسرائيلياً منذ سبتمبر الماضي بعد تعرّض الحكومة الإسرائيلية لضغوط احتجاجية كبيرة في شوارع تل أبيب التي تعتبر من الموجات الارتدادية للربيع العربي .وقد انعكست هذه الأزمة من خلال تظاهرات ضخمة تعبر عن تردي الأوضاع الاقتصادية وتحتج على زيادة الإنفاق العسكري على حساب الأمور المدنية من تعليم وصحة .وقد كان الملف النووي هو الإنقاذ السياسي الملائم .وكما علمتنا التجارب، فإن الخطر الخارجي والخوف من الآخر هما قاعدتا اللحمة الوطنية الإسرائيلية التي تقوم عليها دولة إسرائيل منذ 1948 وحتى اليوم .وهي الأساس في كل حروبها حيث أن بنيتها الاجتماعية متشرذمة في الحالات الطبيعية لأسباب تاريخية وجغرافية وثقافية معقدة

وفي المقابل، يستعمل القادة الإيرانيون الملف ذاته للمحافظة على مشروعية وطنية، فقدوا أسسها منذ وقت طويل وتعزّز هذا من خلال التزوير الانتخابي الفاضح سنة .2009 وعلى الرغم من أن المعارضة الإصلاحية تعادي السياسات الحكومية بشدة وتدفع أثماناً باهظة في هذه المواجهة، إلا أنها تلتقي معها في الحد الأدنى من التضامن الوطني بخصوص الملف النووي .وبالتالي، يعتبر هذا الملف عنصراً مشتركاً بين إسرائيل وإيران، حيث يستخدمانه في المحافظة، بنسب متفاوتة، على الحكم .ومن الجليّ أيضاً، أن أهم خدمة تقدم لإسرائيل على المستوى الإقليمي والدولي، وتضعها في موقع الضحية وهي الجلاد، تصريحات القادة في طهران، الذين كلما شعروا بإحراج على مستوى الشرعية وإدارة شؤون البلاد، انبروا إلى إطلاق التهديدات والحديث عن رمي اليهود إلى البحر ونكران المحرقة النازية .إنه حلف غير مرئي، أو يكاد يصبح مرئياً، بين طهران وتل أبيب، وذلك، على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني من جهة، وعلى حساب المطالب الشرعية للشعب الإيراني بالتحرر وبالديمقراطية

لكن أن يعتبر السيد أوباما أن اعتداء دولة على دولة أخرى بطريقة وقائية هو فعل سيادي، ففيه من النفاق السياسي الأكبر الذي ستسجله كتب التاريخ وستدرسه الجامعات

وفي إطار هذا المنطق، تذكرت حواراً جرى بيني وبين رئيس بلدية لمدينة فرنسية كبرى اصطحبني يوماً إلى زيارة نصب تذكاري لضحايا شعب مشرقي تعرض لمذابح في القرن الماضي .ولقد أبديت إعجابي بهذه المبادرة، ولكنني أضفت بأنني أتمنى أن أعود يوماً لأزور نصباً تذكارياً يشير إلى معانة التهجير والاحتلال للشعب الفلسطيني المحروم من وطنه .فأجابني بابتسامة ماكرة قائلا :سأقيم النصب الذي تريد عندما يصبح لديّ خمسون ألف فلسطيني ناخب في مدينتي

الجزائر نيوز – الثلاثاء، 06 مارس 2012

http://www.djazairnews.info/analyse/38-2009-03-26-18-28-54/35915-2012-03-06-17-16-29.html



Inscrivez-vous à notre newsletter