سوريا الحديثة ما بين الحـراك الداخلـي والاسـتقواء بالخـارج – بطرس الحلاق

Article  •  Publié sur Souria Houria le 22 juillet 2011

«منذ حملة بونابرت على مصر والمشرق العربي
يلجه الغربيون كما لو كان طاحوناً»
مجال مباح
(جورج قرم)
من الوهم فصل الحراك الداخلي عن المؤثرات الخارجية لا سيما في سياق العولمة الراهن. غير أنه من السذاجة والخطورة بمكان أن نتوهم دعماً خارجياً لوجه الله أو قدرة الالتفاف عليه في الوقت المناسب.
تستحق شبيبة الانتفاضة السورية كامل الإعجاب لحفاظها على زخمها من دون اللجوء إلى العنف أو التدهور إلى مواقف فئوية طائفية. أثبتت بذلك وجاهة موقف الشبيبة في تونس ومصر كما في اليمن، متجنبة الفخ الذي علقت فيه المقاومة الليبية مما أعطى لذلك «الثوري» السفاح، القذافي، ذريعة للإيغال في سفك الدم، ولحلف الأطلسي موطئ قدم لن يتخلى عنه بيسر. شرفها أنها أعادت الشرعية الفعلية للمجتمع المدني بعد أن استأثرت بها نخبة ثقافية متعددة المشارب إلى حد التناقض.
لذلك بقيت منسجمة مع منطقها حين أدانت من ارتأى، عن سذاجة أو تدبير، الانسياق إلى مبادرة برنار هنري ليفي في باريس، وكذلك حين تخوّفت من أن تتسلم زمام الأمور نخبة من المعارضين – مع أنهم متمرّسون بنضال دفعوا ثمنه غالياً مما يدفع كل شبهة عن نواياهم ومواقفهم -، فبادرت إلى التنبيه. تصرّفت كما لا تزال تتصرف شبيبة مصر حين أبقت على قدرتها التعبوية في مواجهة أي ضعف قد يسري إلى موقف الحكومة مع أنها منبثقة عن الانتفاضة. ومن الضروري أن تتخذ الموقف نفسه من مبادرات رسمية أجنبية شأن زيارة السفيرين الأميركي والفرنسي إلى حماه مؤخراً، لا سيما أن بعض وجوه المعارضة في الخارج استطابت التنويه بهذه المبادرة، فاعتبر بعضهم أنها بمثابة «تقديم أوراق اعتماد للشعب السوري» بعد سحبها من النظام القائم. فعجباً ممن نسي أو تناسى منطق الانتفاضة الشعبية المنبثقة من بؤرة المجتمع المدني فتبنى، في سبيل الدفاع عنها، موقفاً مناقضاً لها بمجرد أن ذلك يربك الخصم، أي السلطة. مناورة سياسية مبتذلة، مقتبسة من القاموس السياسي التقليدي الذي انتفضت عليه حركة الشبيبة. فكيف نصفق لسفير دولة لا يزال عدوانها جاثماً على تاريخنا ولم تفه بكلمة حين تجاوز الاسرائيليون الأعراف الدولية، فمنعوا مواطنين أوروبيين من الوصول إلى فلسطين للاحتجاج على الجدار العنصري؟ ولم لم يتسن لها منذ خمسين سنة أن تقدم «اوراق اعتمادها» لشعب فلسطين ومؤخراً لشعب البحرين أو اليمن؟ أو كيف نصفق لسفير دولة أخرى، هي فرنسا، زجت بقوتها في ليبيا لحسابات داخلية، فضلاً عن أن سفيرها – حسب المصادر الفرنسية – تصرّف من رأسه، ربما لحساب مجموعة مشبوهة (قد تكون مرتبطة ببرنار هنري ليفي)، ولن يمر وقت طويل قبل أن يصرف من عمله؟
لا بد لنا من الاعتبار بماضينا القريب. خُذل كل من وضع نفسه تحت عباءة دولة أجنبية. فها قائد الثورة العربية، الأمير فيصل، بعد أن ساهم في الثورة على الدولة العثمانية، يستجدي على أبواب مؤتمر باريس (عام ١٩١٩) مقابلة مع مسؤولين غربيين كانوا للأمس القريب حلفاءه، ثم يرتدّ ذليلاً ليجمع حقائبه في دمشق قبل أن يرتضي ثمناً لانصياعه كرسياً شكلياً هو عرش العراق، كرسياً مسخ تاريخه، تاركاً لذلك الضابط الشهم، يوسف العظمة، سذاجة الدفاع عن أحلام شعبه، وإن بعملية عسكرية رمزية. شبيبة اليوم هم أبناؤك، يا يوسف. وكما فعل فيصل، كذلك تصرف أنور السادات حين ارتهن للأميركي ضد إرادة شعبه ومصلحته فكان ما كان. وألا يحق لنا اليوم القول إن رمز الثورة الفلسطينية، ياسر عرفات، كبا الكبوة نفسها بعد أوسلو فاستعاض عن زخم ثورة شعبه وانتفاضتيه بوعود أميركا وأموال المجموعة الأوروبية فأوصل القضية الفلسطينية إلى الحضيض، إلى مجرد مفاوضات ثنائية بين طرفين؟ وألم يكبُ قبلها، حين تخلى عن ثوابت دولة فلسطينية ديموقراطية وعلمانية للحفاظ على مساعدات آل سعود؟
إن تاريخ سوريا منذ الاستقلال شاهد على مآسي الاستقواء بدولة أجنبية. لم يقم انقلاب عسكري إلا ووراءه علم أو أعلام أجنبية، منذ انقلاب حسني الزعيم حتى آخر انقلاب قدر له أن ينجح. ولا بد أن يذكر التاريخ لشكري القوتلي، مهما كان موقفنا منه، أنه أكثر من اعتمد على الحراك الداخلي ووظف علاقاته مع الخارج خدمة لهذا الحراك لا تقييداً له. أما قادة البعث التاريخيون فقد استمرؤوا كرسياً قدمه لهم ضابط استقوى بسيد له، فأطبقوا على أنفسهم وعلى الحزب فخاً قضى على الحزب، وعلى أحلام جميلة أناطها به عدد كبير من المواطنين، كما دفع حزبيون شرفاء كثيرون حياتهم أو سنوات طويلة منها في السجون في سبيل تحقيقها. لا يبقى منه اليوم إلا هيكل عظمي منخور، يرى أمينه العام المساعد أن الشعب السوري أقصر من يختار ممثليه بوعي كاف، تبريراً منه لاستمرار الاستفراد بالحكم. فهل من أمل في انتعاش تلك الجذوة للمشاركة في يقظة المجتمع المدني بعد التخلص من وهم قيادته؟
أما الفترة الأخيرة الممتدة على أربعة عقود، فتقوم هي أيضاً شاهداً على الاستقواء بالأجنبي. لا ينكر أحد أن آخر موقف مشرف للجيش السوري كان في حرب تشرين التحريرية. بعدها، تخلّص النظام من أفضل قادة هذا الجيش وحوّله، كما الحزب، إلى أداة للديمومة، مستقوياً به وبجهاز أمني متشعب على المجتمع نفسه. لا مجال هنا لرسم حصيلة هذه الفترة. المهم هو التأكيد على أن السلطة استطاعت بمهارة عالية أن توظف دورها الإقليمي لاكتساب شرعية دولية، من الأصدقاء والأعداء على السواء، تفرضها على المجتمع المدني نفسه. الشرعية وُهبت له من الخارج، من الجوار العربي والإقليمي كما من الدول الغربية التي رأت فيه – وفي أمثاله في مصر وتونس وغيرهما – حصناً ضد الفوضى وضد التطرف يخدم مصالحها. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما امتنع عن إجراء انتخابات حرة نزيهة. مسار هذه الحقبة، رصدته دراسات كثيرة، أنوه هنا باثنتين منها بقلم شاهدين كبيرين على العصر، هما جمال الأتاسي وأنطون مقدسي في كتاب صدر عن دار النهار عام ١٩٩٨، بعنوان «مسألة القومية على مشارف الألف الثالث». وأهمية هاتين الدراستين أنهما بمثابة وصية مناضلَين، كانت آخر ما نشراه من تحليل مستفيض.
الاستقواء بالخارج هو الكارثة الكبرى على المجتمع. إنه آفة الآفات، لأنه يُسلّم مصير المجتمع لمن ليس منه، فيفتت الهمم، يخذل الإرادة ويستهين بالنفس. أليس مخزياً على سبيل المثال أن الرأي العام العربي، منذ خمسة عقود، يرهن حلاً عادلاً للمقضية الفلسطينية بتدخل الاتحاد السوفياتي تارة، وفرنسا الديغولية مرة أخرى، وحتى السيد باراك أوباما أخيراً؟ أليس مأساوياً أن تُفرّغ المقاومة الفلسطينية الرائعة من زخمها بعد انتفاضتين مجيدتين أملاً بمنة تمنحها «الأسرة» الدولية، يا لها من أسرة؟ ولعل الشيخ إمام، ذلك الوجه الجميل، لم يتحاش زلة لسان معبرة حين تغنى بانتصار الشعب الفيتنامي تيمناً بانتصار شعب فلسطين: «آه لو أن مليون مقاتل … !». لا يا شيخنا، وهل يساوي مليون مقاتل يزحف من الشرق مقاتلاً واحداً ينهض من موقعه ومن تربته منتصب الرأس؟
شرارة نهضة المجتمع العربي المنطلقة من تونس – صدق شاعرها إذ تغنى: «إذا الشعب يوماً أراد الحياة…»- تستمد طاقتها من الإرادة والوعي الذاتيين. فلا نُفتشَنّ عن بؤرة خارجية، لن تكون إلا دماراً. منطق الدول، على إطلاقها، هو المصلحة الذاتية، قالها تشرشل بل أوضح حين أعلن: ليس لبريطانيا أصدقاء، لها مصالح، لا غير.
وإن كان لا بد من الاستقواء، فليكن بالمجتمعات المدنية في العالم، من باب التضامن. هذه المجتمعات على اختلاف مشاربها تنصاع لمنطق غير منطق الدول. تتأثر بالقيم وبالعلاقات الإنسانية، أقله بقدر ما تتأثر بمصالحها، وقد تنساق لسياسات دولها أحياناً، غير أنها قادرة على التحكم بهذه الدول وعلى فرض إرادتها في أحيان كثيرة. إنها في صراع مستمر مع دولها لتجبرها على الاستجابة لمطالبها: ذلك هو زخم هذه المجتمعات ونبلها. وهل من ينكر أن مناهضة المجتمع الفرنسي لحرب الجزائر الاستعمارية لم يحل محل المقاومة الجزائرية ولكنه ساهم في نجاحها. وكذا القول عن حرب الفيتنام … نرى عادة الغرب وجها واحدا، ولم نبدأ إلا مؤخرا باكتشاف معنى «تقدمه» الحقيقي من خلال فاعلية مجتمعه المدني. أليس من الجدير بالتأمل أن الدول الأوروبية لا تزال شديدة الحذر من انتفاضة المجتمعات العربية، بينما مجتمعها المدني شديد التأييد لها وبكثير من الإعجاب، فكأن احتقاره لما يسمى «الشارع العربي» تبدل انبهاراً وإعجاباً حين لمس يقظته، وحين رأى في وجوه شبيبتنا صورة لأحلامه هو؟ عبر عن ذلك الصحافي المخضرم جاك جوليار في مجلة ماريان الفرنسية بكل وضوح، متوسماً انتقال هذه الانتفاضة شمالاً إلى المجتمعات الأوروبية. لأول مرة منذ قرون، ينعكس اتجاه مسار القيم.
الرهان الآن هو في الإبقاء على استقلالية حراك المجتمع المدني سلمياً ديموقراطياً وطنياً جامعاً، وإن كان لا بد له في القريب العاجل من أمرين: – اعتماد هيئة تمثله على المستوى السياسي لتساهم بشكل فعال في انتاج مؤسسات مدنية صلبة هي الضمان الوحيد لاستمرار الديموقراطية، – وخلق روابط تضامن مع القوى الديموقراطية في الوطن العربي وفي العالم. والمحك هو في اختيار ذلك الشريك على المستوى الإقليمي كما على المستوى العالمي.
من حق الشبيبة علينا، نحن الرعيل القديم من مثقفين وسياسيين، أن نتخلى عن منطق الألاعيب و«الشطارة» كما عن شهوة القيادة، حتى نساهم في نجاح نهضة لم نقوَ عليها، وتجند لها بوعي مذهل من نظرنا إليهم من شاهق ثقافتنا. ومن حق الشبيبة والوطن على المسؤولين أن يكفوا عن اللعب والمناورة ليشاركوا في انتقال سلمي لسلطة هي أساساً ملك الشعب.
حمى الله سوريا حصناً لأهلها ومنعة لأمة عربية عريقة في قيمها وفي انتمائها إلى الإنسانية جمعاء، إنسانية استفادت من الصرح الحضاري الذي شيّده آباؤنا من بغداد إلى قرطبة. عسانا نكون بهم جديرين!

Date : 22/07/2011

المصدر: http://www.assafir.com/WeeklyArticle.aspx?EditionId=1902&WeeklyArticleId=81461&ChannelId=10751&Author=%D8%A8%D8%B7%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D8%A7%D9%82




Inscrivez-vous à notre newsletter