سوريا في معتقل البعث/الأسد – قصة وطن (2) – خلود الزغير

Article  •  Publié sur Souria Houria le 28 avril 2012

 سوريا في معتقل البعث/الأسد – قصة وطن (1) – خلود الزغير 

واحدية الخطاب وتلازم الحل

1964

اضراب 1964

بعد انتشار أخبار قصف حماة في 7 نيسان 1964، عمّ الإضراب العام معظم المدن السورية تعبيراً عن استياء الشعب السوري الذي بدءَ مطالبته بالحريات لشعوره بإهانة كرامته بعد سنة من استلام البعث. وطالبت الجبهة الوطنية الديمقراطية الدستورية وهي مجموعة من المثقفين من محامين وأطباء ومهندسين وصيادلة عبر بيانات عديدة لهم ب:

1. إلغاء حالة الطوارئ

2. إطلاق الحريات العامة وإعادة العمل بالدستور

3. تشكيل حكومة انتقالية من عناصر وطنية تتولى إجراء انتخابات حرة نزيهة لإقامة حكم ديمقراطي سليم.

شارك بهذه الجبهة معظم التيارات السياسية وخاصة اليسار وعلى رأسهم الاشتراكيون العرب الذين لعبوا دوراً في استمرار الإضراب.

التعامل الإعلامي والسياسي مع الإضراب

لم يحتمل حكم البعث هذا الرفض السلمي لوجوده في الحكم، فبدأ (أمين الحافظ) يهدد المضربين، وفوّض (محمد عمران) بالتفاوض مع التجار لإنهاء الإضراب فاستقبل وفداً منهم برئاسة (هاني الجلاد) وبحضور (نور الدين الأتاسي) وزير الداخلية و(يوسف زغين) وزير الإصلاع الزراعي وطلب منهم تحديد مطالبهم فأصرّ وفد التجار على نفس مطالب الجبهة الوطنية الديمقراطية الدستورية.

بعد خروج الوفد أعلنت وزارة الإعلام بياناً كاذباً عن هذا الاجتماع يعكس روح السلطة الأمنية البطريركية للبعث تجاه الشعب السوري. جاء بالبيان:

« زار وفد من تجار دمشق اللواء محمد عمران في دار الحكومة، وأعرب أعضاء الوفد –بعد أن تفهّموا أبعاد المؤامرة ضد سورية في الداخل والخارج- عن استعدادهم للتعاون بما يؤمن المصلحة العامة ووعدوا بفتح متاجرهم بعد أن طمأنهم اللواء عمران إلى أن المحبة والتآخي وحفظ حقوقهم وكرامتهم هي رائدة الثورة، وانتهى الاجتماع بأن شكرهم اللواء عمران على وعيهم« .

الحسم الأمني

لم تكن فترة السنة التي قضاها البعث في السلطة كافية فقط ليمارس « تشبيحه الإعلامي » على الشعب السوري، لكنها كانت أيضاً تكفيه ليُدخل الشعب السوري بحربٍ أهلية وليفتت شعاراته التي ناضل لأجلها قبل وبعد الاستقلال، وليقوم بإثارة الفتن الطائفية التي لم تعرفها سوريا قبله. ففي تلك الفترة أصدرت الجبهة الوطنية الديمقراطية الدستورية بياناً بعد تحطيم الحرس القومي لأبواب المخازن والدكاكين فضحت فيه سياسة البعث وعروبته واشتراكيته وحريته المُدّعاة وفضحت سياسته الطائفية واستغلاله للجيش الوطني:

(أراد حزب البعث أن يجد في مطالب الشعب السوري العادلة والمشروعة والتي تقدم بها متضامناً مع أهل مدينة حماة المجاهدة سبباً لضرب الآمنين وخنق الروح النضالية لدى المواطنين وإلهاء الجيش السوري بخوض غمار حربٍ أهلية ليبرر لنفسه تخاذله في محاربة العدو الاسرائيلي الذي أعلن رسمياً البدء بتنفيذ مشروعاته العدوانية على مياه نهر الأردن.

إنّ حزب البعث قد خلق الفتنة الطائفية في البلاد، واستغلّ جيشهُ العقائدي بتهديم الجوامع على المصلّين وسحق المواطنين الأشراف الذين كانوا دائماً حرباً على المستعمر).

لكن أمين الحافظ بصفته الحاكم العرفي أصدر في 30 نيسان 1964 إنذاراً يقضي بمصادرة المحلات المُضربة وتحويل ملكيتها للدولة إذا وجدت مغلقة بلا مبرر قانوني، كما ويحال مالك المحل للمجلس العرفي العسكري بتهمة التخريب والإخلال بالأمن وزعزعة الثقة العامة. وأصدر قانون بإحالة كل شخص يقوم بتهديد الغير أو يدفعه لاغلاق محله بأي وسيلة من الوسائل بشكل مباشر أو غير مباشر، وكل شخص يحرض على الاخلال بالأمن أو الشغب، إلى المجلس العرفي العسكري مع مصادرة أملاكه وأمواله المنقولة وغير المنقولة.

قُمِعَ الإضراب العام في سوريا عام 1964تحت عَسفِ الأوامر العرفية والإرهاب الأمني. حيث انتهى اضراب دمشق بعد ساعات من صدور هذا الأمر العرفي. لكن أصحاب المحلات المنهوبة من التجار وقّعوا عريضة رفعوها لأمين الحافظ ومحمد عمران لا لأنهم كانوا يأملون بتلبية مطالبهم من هكذا سلطة، لكن لأنهم أرادوا تعرية البعث أمام نفسه وأمام الرأي العام وأمام خطابه الإعلامي المزيف الذي يتهم الشعب المنتفض لحريته بأنه عصابات مسلحة. فجاء بالعريضة التي قدمها التجار وأصحاب المحلات المنهوبة يشكون فيها شبيحة البعث الحاكم: « قامت أمس وأول أمس عصابة مسلحة بكسر أبواب محلاتنا التجارية وانتهاك حرمتها واحتلالها ونهب موجوداتها بشكل وحشي لم يسمع بمثله قبل اليوم، وقد أشاعت هذه العصابة أنها تقوم بعملها تنفيذاً لأمر الحكومة، وإننا نعتقد بأن أي حكومة في العالم لا يمكن أ تسمح لبعض رعاياها بالقيام بأعمال السلب والنهب والقرصنة لأي سبب كان، وقد سبق لبلادنا أن أضربت مدة ستين يوماً خلال الاستعمار الفرنسي البغيض ولم تجرؤ سلطات الاستعمار على القيام بمثل هذا العمل الوحشي… ولمّا كانت الحكومة تنادي وترفع شعارات الحرية والديمقراطية وتؤكد حرصها على مصلحة المواطن ولاسيما صغار التجار والحرفيين أمثالنا، فإننا نعتقد بأن العمل الذي تم أمس قامت به عصابة مسلحة مجرمة غايتها إشاعة الفوضى وبث التفرقة بين أبناء الشعب، وأنها تريد أن تسيء إلى سمعة الجيش السوري فلبس بعض أفرادها الملابس العسكرية وحملوا رشاشات عسكرية … إننا نطلب من سيادتكم إتخاذ الإجراءات التالية:

1. إصدار بيان تستنكرون فيه أعمال هذه العصابة المجرمة وتتبرؤون مما نسبته إليكم.

2. التحقيق مع الفاعلين الحقيقيين والدافعين لهذا العمل وإنزال أقصى العقوبة بهم.

3. التعويض عما لحقنا من أضرار والعمل على إعادة الأموال التي نهبت من محلاتنا.

4. إصدار بيان تؤكدون فيه أن الإضراب مظهر من مظاهر الحرية وحق من حقوق المواطنين وأنكم ستعالجون مطالب المضربين. »

تأسيس ميليشيا مقاتلة لحماية النظام وفرضه بالإرهاب

قبل انقلاب 8 آذار كان د. رفعت الأسد موظفاً صغيراً في دائرة الجمارك، لكن بسبب التسريحات الكبيرة التي طالت الضباط بعد الإنقلاب تحت ذرائع شتى واستبدالهم بالضباط الإحتياط وبالمعلمين وبأشخاص من طائفة معينة جرى استدعاء رفعت ليكون ضابطاً عاملاً في الجيش السوري، ويردد عن أمين الحافظ أن حافظ الأسد تكلم عنه بشكل سلبي وتردد بقبوله حينها لكن تعيينه جاء تملّقاً له.

أصبح رفعت الأسد ضابطاً (بالقوة) في الجيش السوري لكنه تصرف كشبيح (بالفعل)، حيث كان للجنة العسكرية (الجناح العسكري) للبعث قوة صغيرة لحمايتها تتألف من عناصرها المخلصين، كان يقودها بالأصل محمد عمران، ولكن بعد نفيه والتخلص منه من قبل جناح (صلاح جديد – حافظ الأسد) استلم هذه القوة رفعت وأصبحت تسمى « القوة الضاربة » لرفعت الأسد، وشكلت نواة ما تطور فيما بعد ليصبح سرايا الدفاع الحامي لحكم الأسد.

استخدمت هذه القوة في عمليات التصفية والاغتيالات وفي الهجوم على بيت أمين الحافظ للإنقلاب عليه يوم 23 شباط 1966. كما استغل رفعت وجماعته سلطته اللامحدودة ليجعل من عصابته ما يشبه المافيا تماماً، فجمع ثروة غير مشروعة منذ أواخر الستينيات، أي قبل استيلاء حافظ على السلطة كلّياً. « فعندما أمّم العراق شركة بترول الآي بي سي أمّمت سورية أيضاً خطوط نقل البترول العراقي عبر أراضيها كما « أمّم » رفعت الأسد لحسابه الخاص كل محتويات المحطات البترولية من سيارات وناقلات ومعدات بلغ تقدير ثمنها آنذاك بمئتي مليون ليرة سورية وقد أحيلت القضية إلى مكتب التفتيش المركزي ولكن إيعازاً صدر للمكتب بطي القضية، ثم تتابعت صفقات رفعت الذي أصبح وراء كل صفقة تجارية حكومية أو خاصة تتم في سورية، وذلك خلال السبعينات عندما كانت المساعدات الخليجية والعراقية تنهال على سورية لدعمها فيما أطلق عليه آنذاك الصمود والتصدي، كما أصبح له شركاء كثيرون من التجار في مختلف المدن السورية، بالإضافة إلى صلاته التي وثقها مع السعودية والعراق. »

1982

حماة مرة ثانية في وجه المدافع وراجمات الصواريخ، « القوة الضاربة » لرفعت أصبحت جيشاً يسمى « سرايا الدفاع »، المدينة تستباح بأهلها وأرضها ومبانيها من قبل القوات الخاصة (علي حيدر) وسرايا الدفاع (رفعت الأسد) و(شفيق فياض) لتقصف ثلث المدينة ومعظم الأحياء على رؤوس أهلها، اغتصاب، اعدامات ميدانية، تهديم للمساجد الأثرية وتُغيّيب للكثير من المعالم التاريخية للمدينة منها قصر العظم الأثري الذي كان متحفاً. كلّ هذا بحجة القضاء على عصابة إجرامية من بضع مئات!

لماذا لم يكن هناك اضراب عام 1982؟

ما يختلف عن عام 1964 أن اضراباً عاماً كان من الصعب تحقيقه في سوريا، فقبل سنتين فقط وتحديداً في 7 نيسان 1980 تمّ إصدار مرسوم بحل كل النقابات المهنية بحجة أن العناصر الرجعية تسربت إليها وأصبحت هذه النقابات المهنية خطراً على المجتمع. لقد تمّ اختراق هذه النقابات بالبعثيين المواليين وإجهاض استقلالها ووقوفها بجانب الشعب وقضاياه، هذه النقابات التي لعبت دوراً مهماً في المعارضة اللاعنفية للنظام عام 1978 وكانت نقابة المحامون في مقدمتهم

« ففي حزيران عام 1978 أصدرت نقابة المحامين في دمشق قرارات تطالب فيها بالرفع الفوري لقانون الأحكام العرفية الذي كان سائداً منذ كانون الأول 1962، وأدانت ممارسة التعذيب وحذرت المحامين أنهم سيتعرضون لتدابير مسلكية من قبل النقابة إذا شاركوا في نشاطات غير قانونية بانسجام مع السلطات. وفي 17 آب 1978 تقدم رئيس النقابة صباح الركابي إلى السلطات طالباً احترام أحكام القوانين وإطلاق سراح المعتقلين بدون محاكمة. وفي 11 تشرين ثاني صوّت مؤتمر المحامين العام في حلب داعماً قرارات مجلس نقابة محامي دمشق. في أول كانون أول دعا المؤتمر العام للمحامين في سورية إلى عقد جلسة طارئة وطالب باستقلالية القضاء، وإنهاء الأحكام العرفية وإلغاء المحاكم الخاصة. وبعد فترة وجيزة من ذلك الاجتماع تعدى أعضاء من فرق سرايا الدفاع – الحرس الرسمي – الذي يرئسه رفعت الأسد– على أحد المحامين وزوجته. وأعلن محامو دمشق الإضراب ليوم واحد احتجاجاً ودعمتهم في ذلك نقابات المحامين في حمص وحلب وحماه ودير الزور

لم تكف نقابة محامي دمشق عن إصدار قرارات تطالب بالحقوق الديمقراطية – للمواطنين- وإنهاء الأحكام العرفية. وفي 28 شباط 1980 أصدر المؤتمر العام لنقابة المهندسين قراراً يطالب برفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين، وحرية التعبير والتجمع. وفي الثاني من آذار أعلنت نقابة محامي حلب الإضراب لساعتين لتأكيد مطالبها بالإصلاح. وفي الثامن من آذار – ذكرى الانقلاب البعثي لعام 1963 عصفت بسورية موجة من الاضرابات – والمظاهرات ضد النظام، وفي اليوم التالي أصدرت النقابات المهنية في حمص مطالب مشتركة للإصلاح وتبعت ذلك بعد يومين أصداء في حماه بإعلان نقاباتها المهنية لنفس المطالب »

بعد المجزرة جسر الشغور في آذار 1980 حيث قتل جنود القوات الخاصة مابين 150 إلى 200 متظاهر في تلك البلدة، وقتلت بنفس الشهر حوالي خمسين متظاهر أيضاً في إدلب والمعرّة. دعت نقابة المحامين إلى إضراب وطني يوم 31 آذار وبادرت نقابة الأطباء ونقابة المهندسين والنقابات المهنية الأخرى لتأييدها. بعد اسبوع وفي 9 نيسان صدر مرسوم بحل جميع النقابات المهنية « المخترقة » بالرجعية وفق رواية النظام والتي أصبحت تشكل خطراً على المجتمع على حد تعبيره

لذلك حين ارتكب النظام المجزرة الكبرى في حماة 1982 كان أكثر اطمئناناً إلى أن أحداً في الداخل لم يعد يمتلك مؤسسة مدنية أو سياسية أو حكومية يرفع صوته من داخلها أو عبرها ليقول للقتل والتعذيب توقف.

2011

رسائل سلمية

حين بدأ دفء نار الثورات العربية يصل سوريا في بدايات عام 2011، بادر عدد من المثقفين والإعلاميين والطلاب والمعارضين والموالين من أصدقاء النظام وحتى المواطنين العاديين إلى التجرؤ لكتابة رسائل مباشرة لرأس النظام « بشار الأسد » داعيين إياه وناصحينه، من منطلق الثقة به حتى تلك اللحظة، كشاب متعلم ومثقف متمايز عن الزمرة المحيطة به إلى إجراء إصلاح « فعلي » يقوم أولاً وقبل كل شيء: بمحاسبة وإبعاد أفراد أسرته، مؤسسي واقع الفساد والرشوة والإستثناء، ومنعهم من نهب اقتصاد البلد وسرقته. ثانياً: تحجيم سلطة الأجهزة الأمنية الحاكم المطلق والآمر الناهي على أعناق السوريين وأجسادهم وآرائهم

كان الهدف من هذه الرسائل تحقيق غاية الثورة دون المرور بسلبياتها وخسائرها البشرية والمادية، لأنها، قدرٌ لم يعد ممكناً الفرار منه. أحداً لا يعرف إذا كان الرئيس المنفتح الذي أدخل المعلوماتية إلى سوريا قد قرأ تلك الرسائل الإلكترونية أم لا؟ لكن الجميع متأكد أنه لم يستفد من حرفٍ منها وكذلك من جميع البيانات التي أصدرت بعد بدء الثورة وبدء القتل والإعتقال والحصار للمدن والأحياء المنتفضة

الإهمال هو المصير الذي لاقته المطالب في بيانات لاتحصى كتبت ووقعت من السوريين بالداخل ومن دول عربية وغربية متضامنة. تجاهل النظام بعنجهية استفزازية المطالب الأولى للشعب وسَخِرَ منها مرتين، الأولى حين لم ينفذها والثانية حين أصدر قوانين تدّعي تطبيقها شكليّاً بينما بقيت ممارساته الأمنية القمعية بتزايد مرعب

التشهير والتخوين هو المصير الثاني للموقعين على البيانات، كلنا يذكر مسلسل التخوين الذي بدأ بعد البيان الإنساني المتواضع جداً في صيغته ولهجته ومطالبه في نيسان 2011 عندما طالب مجموعة فنانيين ومثقفين بإيصال مساعدات غذائية لأطفال درعا المحاصرة عن طريق وزارة الصحة السورية نفسها، وضجة « بيان الحليب » آنذاك! وما سماه البعض « بيان الخيانة العظمى » أو العناوين التي ظهرت من قبيل « للفنانين والمثقفين الذين يتهمون الجيش الوطني بحصار أطفال درعا: المندس من يهاجم حماة الديار » وتساؤلات من قبيل « من وراء بيان الفنانين حول أطفال درعا ؟؟ « 

لم تتوقف البيانات المنددة بهمجية الحل الأمني والمطالبة بحرية وكرامة الشعب السوري وكان عمل الأجهزة الأمنية هو نقل أسماء الموقعين على تلك البيانات لقوائم العار والخيانة والإعتقال لتشهر بهم وتطلق عليهم أحكام الإعدام الميداني والإعلامي

النظام يصل متأخراً دائماً .. وغالباً لمكان آخر

طالب الشعب السوري بالأشهر الأولى بالمصارحة الوطنية والإعتراف بوجود معارضة وشعب ثائر في الشارع والحوار معه ومعها، فأنكر النظام ولايزال وجود ثورة ومعارضة وشعب منتفض وأكد عبر إعلامه وأبواقه أن هؤلاء « قلّة » قليلة من المندسين والعملاء والمتآمرين والعصابات المسلحة التي لا تمثل إلاّ الرعاع والحثالة من الشعب السوري الذي يعبد « إصبع رجله الصغير لبشار الأسد » حسب اسم احدى الصفحات الموالية!! لكن حين أصبحت أعداد الشهداء بالآلاف والمعتقلين بعشرات الآلاف وتحول الشعار في الشارع من طلب الإصلاح إلى طلب اسقاط النظام ومحاكمته على التنكيل والقتل المقصود وبعد وصول صوت الثورة بعيداً وتحرك المواقف الدولية على ضعفها، قرر النظام الحوار بعد ستة أشهر لكن على طريقته التقسيمية والانتقائية. بدأت جولات الحوار الوطني مناطقياً بكل محافظة على حدى مع بعثييها ومنافقيها وزعمائها الدينيين أوالعشائريين أو العائليين وبالتالي، الرجعيين، بالمعنى الثوري للكلمة. الحوار الذي هو انتقائي أصلاً ويقوم على سياسة الإستثناء والولاء للنظام كشرط اول للحوار حيث روجت وسائل الإعلام أن هذا الحوار سيكون مع السوريين الشرفاء! وتحت « سقف الوطن » الذي يعني النظام متمثلاً بكرسي بشار وأجهزته الأمنية. وكان أن وعد (وليد المعلم) في حزيران 2011: « سنقدم نموذجا ديمقراطيا غير مسبوق صنعه السوريون بأيديهم وعبر حوارهم الوطني، وستكون هناك عدالة اجتماعية ومساواة أمام القانون ومحاسبة للمقصرين »

ربما كان يكفي أن يحاسب (عاطف نجيب) ببداية الثورة وأن يتفرغ بعدها (رامي مخلوف) فعليّاً لنشاطات خيرية تُكفر عن سرقاته وتسلم المناصب السياسية والعسكرية المحتكرة بيد العائلة للسوريين الشرفاء وأن يعوض السوريون على صبرهم الطويل بدستور مدني يحترم انسانيتهم ومواطنيتهم جميعاً ليبقى بشار بضع سنين قليلة بالسلطة تتهيأ فيها سوريا ونخبها ومؤسساتها لفرز كوادر وبنى سياسية واقتصادية وثقافية حداثوية.. لكن.. قدراً آخر من الدم والدمار اختاره الديكتاتور لهذا البلد، بدأت ملامحه بأول مظاهرات درعا وأخذ يزداد وضوحاً بمشهد إنزال الجيش والدبابات للشارع ولم يكن ضرب الجامع العمري إلاّ إشارةً لإستعادة « بطولات » القوة الضاربة للعَمْ (رفعت الأسد) أيام الستينات والسبعينات ولسرايا الدفاع في الثمانينات. لم تكن ميليشيات 2011/2012 لِ (ماهر الأسد) و(آصف شوكت) وباقي شبيحة عائلة الأسد ومخلوف وشاليش سوى امتداد لفرق الموت القديمة التي رافقت مسيرة نظام البعث/الأس

رفعت الأسد – رجل المافيا في زمن حافظ، سيد المال والسلاح يحلّ محله في زمن بشار رامي مخلوف زعيماً لسلطة المال وماهر الأسد زعيماً لسلطة السلاح والميليشيا

إضراب الكرامة والحل الأمني ذاته

فجر يوم الأحد 11 كانون الأول 2011 بدأ في سوريا إضراب الكرامة بدعوة من نشطاء الثورة لبدء مرحلة جديدة في الثورة تتصاعد وصولاً للعصيان المدني. لبّت المدن والأحياء المنتفضة نداء الإضراب بشكل رائع وتجاهلته بعض الفئات المترددة والموالية طبعاً، خاصة من يتوجب عليها الإضراب للضغط على النظام، « تجار دمشق وحلب ». على مدى صباحاتٍ عديدية تعيد لنا الفيديوهات المُصورة من نوافذ المنازل المُطلّة على الأسواق والمحلات المضربة ذكرى تلك العصابات المسلحة التي رفع ضدها التجار وأصحاب المحلات السوريين عام 1964 عريضة يشتكون من بطشها في تكسير أقفال المحال وخلعها وسرقتها والحجز عليها واعتقال أصحابها تحت حماية الجيش والنظام نفسه لتلك العصابات

في ثاني أيام الإضراب 12/12/2011 تقوم وكالة سانا بعمل تقرير حول الإضراب بسوريا تحت عنوان: « إضراب الكرامة: دعوات وراءها الإرهابيون » أكّدت فيه على الحركة الطبيعية للأسواق وأن الفعاليات الاقتصادية والتجارية والخدمية واصلت عملها اليوم « غير آبهين بكل الدعوات التحريضية المغرضة التي تقوم بها المجموعات الإرهابية المرتبطة بالخارج والتي تستهدف ضرب النشاط الاقتصادي والاجتماعي في البلاد وتعطيل الحياة العامة مؤكدين رفضهم أي شيء يضر بالمواطن ومعيشته أو باقتصاد سورية. » وفي رحلة إلى معظم المدن السورية يعمل التقرير من خلال آراء التجار الذين يقابلهم على تطميننا لعدم وجود أي مظهر من مظاهر الإضراب أولاً، ثم إيصال رسالته بأن الإضراب مؤامرة خارجية والداعين له عملاء وأن الشعب السوري كلّه ملتف حول سيادته ومشروعه الإصلاحي و « بيحبو ». يختم التقرير الصحفي « المستقل » بدعاية مجانية لمؤيديه « الوطنيين » تقول:  » يشار إلى أن فريق شباب دمشق التطوعي يقوم بحملات تطوعية بشكل مستمر تحض على الوحدة الوطنية وأهمية مواجهة المؤامرة التي تستهدف سورية والنيل من سيادتها واستقلالية قرارها الوطني »

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحوراني، أكرم، مذكرات أكرم الحوراني، ج4، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2000م، ص 3240

2 المصدر السابق، ص 3544

3 آلن جورج، سورية لا خبز ولا حرية، ترجمة حصيف عبد الغني، دار الشروق، 2003، بيروت – لبنان، الفصل السادس

4 تصريح لوليد المعلم وزيرالخارجية السوري في مؤتمر صحفي بدمشق، الوطن أون لاين،

5 إضراب الكرامة: دعوات وراءها الإرهابيون، الوكالة العربية السورية للأنباء- سانا

6 المصدر السابق

7 المصدر السابق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 سوريا في معتقل البعث/الأسد – قصة وطن (1) – خلود الزغير 

Source : http://www.alsabahsyria.com/index.php/opinion/202–2



Inscrivez-vous à notre newsletter