سوريا من الانتداب الأول إلى الانتداب الثاني – آرام الدمشقي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 27 juillet 2011

عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 جرى اقتسام « الغنائم » بين المنتصرين، ومن نتائج تلك « القسمة » أنه جرى تلزيم سوريا، مثل غيرها من الدول التي كانت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية المهزومة، للاحتلال الفرنسي تحت مسمى الانتداب ووفقاً لاتفاقية سايكس– بيكو.
في العام 1939 نشبت الحرب العالمية الثانية، وقبل أن تضع أوزارها بقليل، عقد المنتصرون مؤتمر يالطا واتفقوا من خلاله على إعادة اقتسام مناطق النفوذ في عالم ما بعد الحرب، وكانت إحدى نتائج يالطا إنهاء تلزيم سوريا إلى فرنسا فحصلت بالتالي على استقلالها في العام 1946.
(لا نقصد هنا بالطبع التقليل من نضالات وتضحيات السوريين في سبيل الاستقلال، لكن في نفس الوقت يجب عدم إغفال الظروف الدولية ومصالح القوى الكبرى التي يمكن أن تساهم إيجاباً أو سلباً في تطلعات الشعوب للحرية).
تميزت الفترة اللاحقة باضطرابات متعددة ومتلاحقة في معظم أنحاء العالم نتيجة الحرب الباردة التي نشأت بين قطبي العالم الجديدين اللذين برزا عقب انتهاء الحرب الكونية الثانية، ومنها الحرب الكورية وحرب فيتنام وحرب السويس وحروب الاستقلال في القارة الإفريقية ومحاولات استقلال شعوب في الكتلة الشرقية واضطرابات أميركا اللاتينية.
مع بروز السلاح النووي وسياسات الردع والردع المضاد وأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، دخلت الحرب الباردة منعطفاً جديداً وحاسماً بعد أن تبين استحالة نشوب حرب كونية ثالثة، وبدأ العالم يدخل مرحلة جديدة من الوفاق بين القطبين الأعظمين جرت ترجمتها في مناحٍ عديدة.
نشبت الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة « حرب 1967 » وكادت أن تطيح بسياسة الوفاق الوليدة مما اقتضى، من جملة قضايا أخرى، « اتفاقاً » جديداً بين الجبارين.
في تلك الأجواء وتحديداً في الفترة ما بين 23 و 25 حزيران 1967 عقدت قمة ثنائية بين ألكسي كوسيجين وليندون جونسون في قرية جلاسبورو – ولاية نيو جيرسي الأميركية، جرى تسميتها فيما بعد بـ (يالطا 2)، وأشيع أنه تم خلالها عقد مقايضة بين الجبارين مفادها أن تتنازل الولايات المتحدة الأميركية للاتحاد السوفييتي في فيتنام ومنطقة الهند الصينية مقابل تنازل الأخير للأولى عن منطقة الشرق الأوسط.
كانت هذه الصفقة مهمة جداً للسوفييت في سعيهم الاستراتيجي آنذاك لمحاصرة الصين الشعبية في ذروة الخلاف العقائدي الناشئ بينهما والثورة الثقافية التي فجرها ماوتسي تونغ في الصين مهدداً بنقلها إلى دول الجوار بما فيها الاتحاد السوفييتي نفسه، ناهيك أنهم ما كانوا يعولون أصلاً على وجودٍ مؤثرٍ لهم في الشرق الأوسط بحكم أنهم لم يكونوا على ثقة من صدق وجدية حلفائهم فيه الذين كانوا دائمي التقلب والتذبذب بينهم وبين الولايات المتحدة حسبما تقتضيه مصالحهم و/أو ردود أفعالهم.
تم تنفيذ جزء الاتفاق المتعلق بفيتنام، ولكن عبر مفاوضات باريس الماراثونية، حيث جرى تسليم فيتنام الجنوبية في العام 1975 إلى قوات الفييتكونغ المتحالفة مع هانوي والسوفييت وتوحدت فيتنام بشطريها الشمالي والجنوبي وأضحت شوكة في خاصرة الصين كما أراد السوفييت وخططوا لذلك.
أما في منطقة الشرق الأوسط فقد جرت منذ ذلك الاتفاق تغيرات وتبدلات جوهرية واستراتيجيه أعادت رسم وجه المنطقة:
في العام 1968 تمكن حزب البعث من العودة للحكم في العراق عبر انقلاب دموي على عبد الرحمن عارف، الأمر الذي مهد لاحقاً لاستلام صدام حسين السلطة من حيث انه كان الرجل القوي وراء هذا الانقلاب.
أعلنت بريطانيا في العام 1968عن قرارها بالانسحاب من شرق السويس بنهاية العام 1971 مما أدى إلى استقلال اليمن الجنوبي وسلطنة عمان وقطر والبحرين ونشوء دولة الأمارات العربية المتحدة.
في عام 1969 سقط النظام الملكي في ليبيا على يد النقيب معمر القذافي.
تم توقيع اتفاق القاهرة بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية.
في العام نفسه آلت السلطة في السودان إلى العقيد جعفر النميري.
تميز العام 1970 بتغيرات دراماتيكية أيضاً حيث توقفت حرب الاستنزاف التي بدأتها مصر عبر قناة السويس ثم قبلت مبادرة روجرز تمهيداً للبدء في محادثات سلام، وبعدها غاب جمال عبد الناصر عن مسرح الأحداث، وتم دفن الشهابية في لبنان بفوز سليمان فرنجية على منافسه الشهابي الياس سركيس فيما اشتهر يومها بديمقراطية الصوت الواحد (أكد أحد الخبثاء أن كلفته بلغت 4 ملايين دولار)، كذلك قامت الحركة التصحيحية في سوريا، بعد أن كان حافظ الأسد قد قدم « أوراق اعتماده » خلال حرب الأيام الستة، وأنهت هذه الحركة النظام الموالي « عقائدياً » للسوفييت. أيضاً خرجت المقاومة الفلسطينية نهائياً من الأردن إلى لبنان بعد أحداث أيلول 1970 وظلت فيه حتى العام 1982 حيث أخرجها الإسرائيليون من بيروت أولاً ثم السوريون تالياًً من طرابلس في العام 1983.
عاد العسكر للحكم في تركيا بعد أن قام الجيش الأتاتوركي بانقلابه على حكومة سليمان ديميريل عام 1971، بعد ثلاث سنوات من الاضطرابات السياسية والاقتصادية في البلاد.
قام أنور السادات بطرد الخبراء السوفييت عام 1972 وبتصفية الوجود السوفييتي على أرض مصر.
أعلن السادات « وفاة » الاتحاد السوفييتي، قبل سقوطه بعقدين، من خلال إعلانه بأن 99% من أوراق الحل في منطقة الشرق الأوسط هي بيد أميركا، وقد كان صادقاً في إعلانه هذا حتى الثمالة!
قامت حرب 1973 « التحريكية » التي أدت إلى سلامٍ معلن بين كل من مصر والأردن مع إسرائيل وآخر غير معلن بين سوريا والدولة العبرية.
بهذا يمكننا القول أن منطقة الشرق الأوسط بكاملها قد تمت إعادة « ترتيبها » لصالح نفوذ الولايات المتحدة الأميركية وفق ما تم الاتفاق عليه بين جونسون وكوسيجين.
لقد كان دور الاتحاد السوفييتي في منطقة الشرق الأوسط، منذ جلاسبورو وحتى انهياره، هو دور المكمل والمتمم للسياسات الأميركية ولمصالحها فيها، التزاماً منه بذلك الاتفاق، ويبدو أن الاتحاد الروسي « وريث الاتحاد السوفييتي » لا زال يمارس الدور نفسه حتى الآن، ولئن لأسباب مختلفة.
تأكيداً لهذا الطرح فلنتذكر، على سبيل المثال لا الحصر، موقف الاتحاد السوفييتي من دخول القوات السورية إلى لبنان بغرض سحق الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية (المدعومتين من السوفييت) بعد أن كانتا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الانتصار في تلك الحرب الأهلية، وكذلك رفضه استقبال حليفه التاريخي كمال جنبلاط رغم توسط أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني آنذاك جورج حاوي لمنحه تأشيرة دخول لمدة ثلاثة أشهر فقط تلافياً لتصفيته في لبنان، الأمر الذي أوصله بالتالي إلى مصيره المحتوم على أيدي القوات السورية « العاملة في إطار قوة الردع العربية »!
ومما يؤكد أيضاً ما ذهبنا إليه هو أن هذه المنطقة لم تشهد أية تبدلات ذات مغزى بعد السقوط المدوي للاتحاد السوفييتي على غرار ما حصل في كافة الدول التابعة للمعسكر الاشتراكي في العام 1990 وما تلاه، والسبب في تقديرنا، كما أسلفنا، أنه لم يكن قد تبقى فيها أية مواقع للاتحاد السوفييتي يتوجب إعادة « ترتيبها » بعد انهياره.
حتى حرب الخليج الأولى (الإيرانية-العراقية) والثانية (اجتياح الكويت وتحريرها) والثالثة (غزو العراق) لم تكن أكثر من ترتيب « داخلي » للبيت أملاها تطور وتعقد المصالح الأميركية نفسها، دون تدخل من قوى « خارجية »، حيث قررت، على سبيل المثال، إنهاء تلزيم العراق لبعث صدام حسين وتلزيمه من جديد لإيران بعد أن تم تلزيم أفغانستان لها في وقت سابق.
وهنا أيضاً لنتذكر السفيرة أبريل كاثرين جلاسبي وشهادتها أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ حول حديثها التاريخي مع صدام حسين قبيل اجتياح الكويت ثم اختفاؤها المحير من الحياة العامة!
في هذا الإطار من المفيد إعادة قراءة كتاب زبغنيو بريجينسكي (لعبة الشطرنج الكبرى) ورؤيته الجيو –  استراتيجيه ومحاوره الجيو – بوليتيكية في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي (صدر الكتاب بنسخته الانكليزية في العام 1997).
ما يهمنا في هذا الاستعراض هو ما جرى لسوريا، ذاك الذي تمثل في « تلزيمها » من قبل الولايات المتحدة إلى نظام الحركة التصحيحية فيما يمكن اعتباره الانتداب الثاني.
امتد هذا التلزيم أيضاً، ودائماً عبر العراب الإسرائيلي، إلى لبنان في العام 1976، وكان تحجيم، ومن ثم إخراج، المقاومة الفلسطينية منه جزءاً من صفقة التلزيم تلك، مثلما كانت مجزرة حماه، ورغم الانسحاب العسكري السوري من لبنان عام 2005، لا زال التلزيم نفسه قائماً ولكن عبر وسطاء محليين (حلفاء النظام السوري) وإقليميين (إيران وإسرائيل).
نتيجة تعذر قيام أي صفقة دولية تحدث تغييراً في المعادلات، على غرار يالطا 1 و 2، بحكم أن الولايات المتحدة الأميركية أضحت فعلياً، ومنذ صفقة جلاسبورو، قطباً أوحد في منطقة الشرق الأوسط، تبرز مشروعية السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح بعد قيام الثورة السورية في آذار الماضي: هل لا زال التلزيم الذي استمر لأكثر من أربعين عاماً، وعبر جيلين من  » المتعهدين »، قائماً أم أن الوقت قد حان، من وجهة النظر الأميركية، لإنهاء الانتداب الثاني؟
سؤالٌ آخر يفرض نفسه بالتداعي: لقد تم تلزيم سوريا في العام 1970 وتجديده في العام 2000 بالتراضي والتوافق بين كل من واشنطن وتل أبيب، فهل لنا أن نستنتج، إن كان هناك من قرار أميركي بإنهاء هذا التلزيم، أن هنالك خلافاً حقيقياً وجدياً قد نشب مؤخراً بين واشنطن وتل أبيب حول مستقبل المنطقة؟
إن كان هذا الأمر صحيحاً، فهناك سؤال ثالث لا يقل أهمية عن السؤالين السابقين: هل ستقدر الولايات المتحدة على فرض قرارها الجديد على المحور الذي سيتشكل في المنطقة ضدها (إن لم يكن قد تشكل بالفعل) ، ونعني به محور إسرائيل – إيران – سوريا – حزب الله، أم أن هذا المحور بما يملكه من قدرات وإمكانيات على الأرض سيقدر على الوقوف بوجه هذا التغيير، حتى لو أدى الأمر إلى افتعال حرب « منسقة » فيما بينهم تنسف كل إمكانية لتمرير هكذا مشروع وتعيد خلط الأوراق كما حصل في العام 2006 وما تلاه من انكفاء لثورة الأرز في لبنان وصولاً إلى 7 أيار 2008 وأخيراً إلى تمكين حزب الله من الاستيلاء على كل لبنان مقابل استمراره بالمحافظة على الهدوء الكامل والمطلق لحدود لبنان مع إسرائيل، تماماً كما هو جارٍ منذ أربعة عقود في الجولان؟
وسؤال أخير يلخص كل الأسئلة: هل هناك من إمكانية لقيام حكمٍ وطنيٍ ديموقراطيٍ في سوريا أم لا زال هذا الأمر من المحرمات الإقليمية والدولية، كما هو منذ عقود ستة، بعد أن خبر العالم في خمسينيات القرن المنصرم ما يمكن أن تكونه وتمثله سوريا الحرة الوطنية والديموقراطية، خاصة على إسرائيل، من حيث أن سوريا حرة ديموقراطية تعددية، كما لبنان، يشكلان النقيض التاريخي/الثقافي/الحضاري والموضوعي للنموذج الأحادي/ الثيوقراطي الذي تأسست عليه دولة إسرائيل؟
الجواب على تلك الأسئلة هو المفتاح لمعرفة مآل الثورة السورية الحالية ومدى قدرتها على إحداث التغيير المنشود.
لا نقصد بالطبع التقليل من شأن الثورة وما تقدمه من تضحيات وما تعطيه من أمثولات، فلسوف تبقى، بغض النظر عن نتائجها، من أنصع وأرقى وأطهر الثورات التي عرفها التاريخ الإنساني، لكننا لا نريد لها أن تكون كثورة العبيد التي قادها سبارتاكوس ضد الإمبراطورية الرومانية.
في هذه الحالة ليس أمامنا سوى أن نعزي أنفسنا بإحدى القراءات التاريخية لثورة سبارتاكوس التي تربط بينها وبين ظهور المسيحية بعد سحق تلك الثورة بسبعين عاماً ومن ثم تحول روما نفسها إلى المسيحية بعد ذلك بقرنين، إذ يرى بعض المؤرخين، بقطع النظر عن التفسير الديني/الغيبي للتاريخ، أنه لولا سبارتاكوس لما ظهر السيد المسيح!
دمشق 27 تموز 2011
آرام الدمشقي

ملاحظة: المقال يعبر فقط عن وجهة نظر الكاتب



Inscrivez-vous à notre newsletter