سورية ومحنة المعارضة – رياض معسعس*

Article  •  Publié sur Souria Houria le 29 juillet 2011

في الوقت الذي يوجه فيه النظام السوري فوهات بنادقه إلى صدور المتظاهرين المطالبين بالحرية ‘وبس’، ويحاصر بدباباته مدينة حماه كما حاصر قبلها درعا، وجسر الشغور، وحمص، وتل كلخ وغيرها، وبعد مضي اكثر من أربعة أشهر على الثورة السورية المباركة المطالبة بتغيير جذري في البلاد، لم نر، حتى الآن، أن المعارضة السورية قد ارتقت إلى مستوى الحدث الجلل، ولا عبرت عن نفسها بنفس قوة حناجر الشباب الأبطال الهاتفة، ورغم سيف القمع الرهيب المسلط على رقابهم ‘ما في أبد، تحيا سورية ويسقط بشار الأسد’. ولم نسمع إلى الآن صوتا موحدا لهذه المعارضة، بل اصواتا متنافرة، متباعدة، بل ربما متناحرة، لا تقدم مشروعا متماسكا، ومتكاملا لرؤية مستقبلية لسورية الثورة بعد سقوط النظام البعثي- الأسدي الجاثم فوق صدر سورية منذ زهاء نصف قرن.
أربعة عقود ونيف مضت على هذا النظام، وعلى هذه المعارضة، بات فيها النظام من أعتى الأنظمة الدكتاتورية في العالم. والمعارضة من أضعف المعارضات التي عرفتها سورية منذ استقلالها.فأين هي الأحزاب السياسية المعارضة؟ (الاتحاد الاشتراكي، الأخوان ا لمسلمون، الاشتراكيون العرب، الشيوعيون المنشقون عن الحزب الشيوعي الموالي للسلطة، حركة 23 شباط)، إننا لا نسمع منهم حتى جعجعة، ولا نرى حتى طحنا. فأين هو التجمع الذي ضمهم؟ وأين المواقف المطلوبة منه أن يتخذها في هكذا حدث تاريخي فريد؟ أليس هو الوقت لتضافر جهود كل القوى السياسية، والاتفاق فيما بينها على برنامج موحد وواضح يطرح على الجميع ليعطي للمعارضة السورية مصداقيتها أمام العالم أجمع وتؤكد من خلاله أن البديل موجود وقادر على قيادة البلاد إلى بر الحرية والديمقراطية دون الانزلاق في مطبات خطيرة لا يحمد عقباها، وتعطي أملا للشعب السوري الذي عاني ما عانى، وقاسى ما قاسى من هذا النظام بأن له قيادة تعينه في محنته؟
أسئلة ملحة جدا في هذا الظرف العصيب الذي يحاول فيه النظام أن يثبت للقوى المساندة له بأن بدونه سيحل الخراب،وأن بعده سيأتي الطوفان، وليس هناك أية معارضة مؤهلة لتحل محله. سيما وأنه يستغل كل هفواتها وضعفها لينكل بها تنكيلا. ويعمل جاهدا بكل ما أوتي من قوة، وعدة وعدد، ليجهض هذه الثورة الشعبية الحقيقية حتى ولو كلف ذلك قتل الآلاف من الشعب السوري، وتلفيق الأكاذيب بوجود جماعات مسلحة ارتكبت المجازر بحق رجال الأمن والجيش، ودفنتهم في مقابر جماعية، مع تيقنه في خلده بأن هذه الكذبة الكبيرة لا تنطلي على أحد. فما مصلحة هذه ‘المجموعات المسلحة’ إن وجدت بقتل الناس الأبرياء؟ ولماذا لم تعلن عن نفسها إلى الآن؟ وكيف للجــــيش السوري الجرار، وقوى الأمن العرمرمة، و’الشبيحة’ أن تفشل في القبض على هذه العناصر المسلحة وهي المجهزة والمدربة لتقوم بحماية الشعب السوري، والدفاع عن سيادة سورية من أي هجمة مفاجئة من اسرائيل؟
في ظل هذه الظروف الصعبة فإن الخارطة التي ترتسم أمامنا لا تعبر فعلا عن معارضة تمثل شعبا ثائرا، بل مجموعات لا قاسم مشتركا أصغر فيما بينها. (مؤتمر أنطاليا، مؤتمر بروكسل، مؤتمر باريس، مؤتمر سميرا ميس، اللجنة التنسيقية، إعلان دمشق، جبهة الخلاص…) بل أن بعض أفراد هذه المعارضات انجر وراء انزلاقات خطيرة غير مطمئنة باعتمادها على شخصيات غربية مشهود لها بعدائها للقضايا العربية، كما حصل في مؤتمر باريس، لتكون عرابة التغيير على نسق النمط الليبي. رغم أن الشعب السوري الثائر قالها وبقوة في كل هتافاته ‘لا للتدخل الأجنبي’ فإلى أين تجرنا هذه الفئات من المعارضة؟ وإلى ماذا تهدف؟ بل إننا نشهد بروز أشخاص على الساحة لم نكن نسمع بها من قبل، وأخرى عرفت بشكل أو بآخر عبر نشاطات مختلفة، تقوم بتصريحات وأنشطة ‘معارضة’ في قالبها، لكنها تصب في مصلحة النظام في النهاية، وهو يستفيد منها أيما استفادة في تبرير استخدامه للقوة المفرطة، كتلك التصريحات القائلة بأن جهات معينة عرضت عليها تهريب أسلحة لسورية. والجميع يعرف أن الشعب السوري يرفض رفضا قاطعا استخدام والعنف، وما انفك ينادي بأعلى صوته ‘سلمية، سلمية’. إن مثل هكذا سلوك لن يخدم مصلحة الوطن الجريح، الذي يناضل بإ صرار منقطع النظير لنيل حريته وانعتاقه من أذرع النظام القابضة بقوة على عنقه. بل أنها تضيف، عن قصد أو عن غير قصد عبئا آخر على كاهله المثقل بالجراح.
ما هو مطلوب اليوم وبإلحاح شديد تكوين معارضة موحدة بين الداخل والخارج، عن طريق الاتصال بجميع القوى الشريفة والمشهود لها بنضالها الطويل ضد هذا النظام، والالتفاف حول قيادة موحدة تمثل هذه المعارضة وتتحدث باسمها كي يكون لها المصداقية المطلوبة لدى السوريين من جهة والقوى العالمية والمحافل الدولية من جهة أخرى. وقطع الطريق على كل هؤلاء المحترفين بركوب الأمواج واستغلالها لمصالحهم ولمآرب أخرى. إن هذا النظام الذي يحاول عبر مناوراته المكشوفة بتلفيق مؤتمراته ‘الحوارية’ التي وظف لها رهطا من أعوانه، ليعطي الانطباع بأن ‘ ورشة عـــــمل’ حــــواري قائمة ليفوت الفرصة على أي حوار جدي ومجد يلبي مطالب الشعب، والذي يزج بكل قواه الأمنية والعسكرية في معركة ضد شعبه لأكبر دليل على خشيته من السقوط المدوي كما سقـــط من قبله النظام التونسي والمصري، وشعوره بأنه بدأ يترنح،وعلى هؤلاء الشباب الذين يقودون هذه الثورة العظيمة التي أبهرت العام وجعلته يقف حائرا، ومندهشا من صمود هذا الشعب في وجه هذا النظام الجائر، أن يفرزوا قياداتهم الشابة الوليدة من رحم هذه الثورة. فعلى المعارضة بكل أشكالها أن تلعب دورها التاريخي، اليوم قبل الغد، لإنقاذ سورية من نظام كلما طال وجوده كثرت مجازره بحق شعب أعزل يطالب بالحرية ‘وبس’.

*’ كاتب سوري رئيس القسم العربي في قناة ‘يورونيوز’

ملاحظة: المقال يعبر فقط عن وجهة نظر الكاتب



Inscrivez-vous à notre newsletter