صابر جيدوري: التربية على الإستبداد بين وطفة والكواكبي قراءة من منظور الثورات..

Article  •  Publié sur Souria Houria le 29 octobre 2011

التربية على الإستبداد بين وطفة والكواكبي قراءة من منظور الثورات العربية

مقدمة

قرأت في مطلع ثمانينات القرن الماضي كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد للمفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي ، وكان من بين أهم الأسباب التي دفعتني لقراءته آنذاك تأثري الشديد بالفكر الماركسي الذي كان ملهماً للثورة البلشفية ومفجراً لها عام 1917 ، ثم جاءت قراءتي الثانية لهذا الكتاب بعد أن هاجت الساحات العربية وماجت بالثورات الشبابية المنادية بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية ، والرافضة لكل أشكال الاستبداد والقهر والحرمان ، بعد أن انتصرت على ثقافة الخوف السائدة في تقاليدها منذ عقود ، ورددت ما قاله شاعر الثورة العرابية عبدالله النديم :

لنــــــــــا جــلـــد علــــى جـــلد يــقـــيــنا

إذا زاد البـــــلا زدنـــــا يـــقــــيــــنا

في تلك الأجواء الثورية التي عمت بعض البلدان العربية انفعل مفكر سوري آخر هو الدكتور علي وطفة أستاذ علم الاجتماع التربوي بجامعة الكويت ، وسطر لنا مجموعة من الأبحاث والمقالات الرصينة عن الاستبداد وفضائحه التي تجذرت في فضاء المؤسسة التربوية العربية طولاً وعرضاً ، وارتفاعاً وعمقاً ، ملامساً من خلالها الواقع التربوي العربي ملامسة لصيقة ، مؤكداً في الوقت نفسه قول الشاعر الزهاوي:

ومــــا هـــــي إلا دول مستـــبــــدة

تسوس بمـا يــقضي هواهــا وتـعمل

ونظراً لما نجم عن التربية على الاستبداد من مآس إنسانية تمثلت باختطاف التعليم والمواطنة ، واستلبت حرية الإنسان ووعيه وحقوقه .. واستمتاعاً بما أورده المفكران السوريان عن هذه التربية ، فقد آثرت تخصيص هذا المقال لذلك الموضوع ، مقتطفاً كثيراً مما سطروه ، مضيفاً إليه من عندياتي بين الحين والآخر.

ــــ اختطاف التعليم

المشاهد لما يجري على مسرح الواقع السياسي والاجتماعي العربي يدرك أن الاستبداد الذي تُمارسه الأنظمة العربية على شعوبها ما هو إلا نتاج لثقافة اجتماعية أنتجتها أنظمة القهر، لتكرس من خلالها الطغيان والطبقية والاضطهاد ، حتى بلغ شعورنا بالهوان إلى درجة الاحتقان والانفجار من مواقف هذه الأنظمة المستبدة نحونا ، المستهينة بأقدارنا ، والمصرة على أن نعيش معاناة مريرة مميتة تضطرم فيها حياتنا بالمآسي التي تحرق الأرض وتحطم الحجر والبشر ، ولأن الأمر أصبح ثم أضحى ثم أمسى هكذا ، فقد انطلقت الثورات العربية كي تفضح أنظمة الاستبداد وتترجم غضب فئات عديدة من شعوبها على الحالة الاقتصادية والسياسية والتربوية التي أوصلتها إليها القيادات السياسية والسلطات الحاكمة منذ عقود مضت، مما دفع الشباب العربي إلى المطالبة برحيل هذه الأنظمة المستبدة . وقد عبر الشاعر العراقي أحمد مطر عن ذلك بقوله :

طفح الكيل .. وقد آن لكم أن تسمعوا قولاً ثقيلاَ

ارحلوا ..

أم تحسبون الله لم يخلق لنا عنكم بديلا .. ؟

أي إعجاز لديكم ؟

هل من الصعب على القرد إذا ملك المدفع .. أن يقتل فيلا .. ؟

احملوا أسلحة الذل وولوا .. لتروا

كيف نُحيلُ الذلَّ بالأحجار عزًا .. ونذلُّ المستحيلا .. !!

ومع عدم الوقوف طويلاً عند كثير من النقد الذي وجهه شعراء وأدباء الثورات العربية المعاصرة إلى أنظمة الاستبداد ، أودُ الإشارة إلى أن نظام التعليم العربي هو أولى ضحايا النظم السياسية المستبدة ، بعد أن بات يشهد استبدادً واضحاً وتدهوراً كبيراً في العلاقات الإنسانية ، وهدماً منظماً لمنظومة القيم التربوية والأخلاقية ، ولعل من أبشع ما ارتكبته هذه الأنظمة هو اختطافها للتعليم بعد أن سمحت لأصحاب الهيمنة وركوب السلطة بالتسلل إلى فضاء المؤسسة التربوية كي تعيث فيها فساداً وخراباً ودماراً ، وتُجرد الإنسان من حريته وكرامته ، وتسخره لخدمة أغراض السلطة المستبدة ومشروعاتها المختلفة ، ومن القرائن والمؤشرات التي تدل على هذا الاختطاف أن طلبة المدارس والجامعات وأساتذتهم يُطلب إليهم تصديق كل ما يقال لهم ، ويعاقبون إذا هم عبروا عن شيء ينم عن عدم إيمانهم بما يُلقن لهم ، كما أن أحداً لا ينكر البيروقراطية الطاغية ووجود البوليس السري في فضاء مؤسسات القهر التربوية العربية . يقول الدكتور علي وطفة :  » إن الشعب العربي يعاني الانهيار والاغتراب والتسلط والاستبداد تحت صدمات القهر ومطارق الفعل التربوي التسلطي الذي يبدد كل القيم والمفاهيم ذات الطابع الديمقراطي الإنساني ، فضلاً عن تقمص بعض المدارس والمؤسسات التربوية العربية الطابع التربوي الذي عرفناه في عهد الهتلرية والنازية فأصبحت بذلك معاقل تتدفق منها كل قيم الاستبداد والتسلط والإكراه  » ( وطفة ، 2000 ، 18 ) وفي تحليله لإشكالية التسلط التربوي يؤكد الدكتور وطفة  » أن التسلط التربوي يؤدي إلى إنتاج الشخصية السلبية التي تعتريها روح الهزيمة والضعف والقصور، وهو يُشكل الإطار العام لعملية تشريط تربوي سلبية تبدأ في إطار الأسرة وتنتهي في أحضان المؤسسات التربوية المختلفة ، ومن شأن ذلك أن يذهب بكل إمكانية لتحقيق عملية النمو والتكامل والازدهار في الشخصية الإنسانية ، لأن ما يتعرض له الأطفال من قهر وتسلط تربوي يضعهم في دائرة استلاب شاملة تُكرس كافة مظاهر القصور والسلبية في الشخصية الإنسانية .  » ( وطفة ، 2000 ، 35 ) وفي السياق نفسه يؤكد الكواكبي في طبائع الاستبداد  » إن عبيد السلطة التي لا حدود لها هم غير مالكين أنفسهم ، ولا هم آمنون على أنهم يربون أولادهم لهم ، بل هم يربون أنعاماً للمستبدين ، وأعواناً لهم عليهم ، وفي الحقيقة إن الأولاد في عهد الاستبداد هم سلاسل من حديد يرتبط بها الآباء على أوتاد الظلم والهوان والخوف والتضييق « . ( الكواكبي ، 2006 ، 132 )

وهذا يعني أن التربية في ظل الاستبداد تُصبح أداة مختطفة لتثبيت واقع القهر وتبرير هذا الواقع وإعادة إنتاجه ، وفي هذه النقطة يلتقي الكواكبي مع الدكتور وطفة الذي يرى  » أن المدرسة في الأنظمة التربوية العربية تُوظف لتلعب دوراَ أيديولوجياً يتمثل في عملية إعادة إنتاج علاقات القوة والسيطرة ، وبالتالي فإن إعادة علاقات السيطرة والقوة والخضوع أمر يتم في المؤسسات التربوية ولاسيما في إطار الأسرة والمدرسة ، وهذا يعني أن مهمة المدرسة في الأنظمة المتسلطة هي إنتاج قيم الطاعة والخضوع التي تأخذ شكل العلاقة بين المعلمين والمتعلمين في المدرسة ، وشكل العلاقة بين الآباء والأبناء في الأسرة ، وعليه فإن قيم الطاعة والخضوع لا يمكن أن يتم تعلمها كقيم نظرية ، ولذا فإن المدرسة تعمل على تفعيل هذه القيم بصورة حية مجسدة من خلال الممارسة التربوية المستمرة في إطار نسق العلاقات الذي يقوم بين المعلمين والمتعلمين بوصفه نسقاً من علاقات الخضوع والسيطرة والهيمنة كنموذج حيوي للعلاقة القائمة بين القاهرين والمقهورين في إطار الحياة الاجتماعية  » ( وطفة، 2000 ، 37 ) . وبالرغم من الفترة الزمنية البعيدة التي تفصل بين المفكرين ، والظروف المحيطة بهما ، فقد اتفقا على أن المدرسة في ظل أنظمة القمع والاستبداد تكون أداة للقهر. يقول الكواكبي :  » إن الاستبداد المشؤوم الذي تُمارسه المدرسة يؤثر في الأجسام فيورثها الأسقام ، ويسطو على النفوس فيفسد الأخلاق ، ويضغط على العقول فيمنع نماءها بالعلم  » (الكواكبي ، 2006 ، 144 ) . وإلى الفكرة نفسها يذهب الدكتور وطفة مؤكداً  » أنه ما زالت مظاهر العنف تجد مرتعها بين جدران المدرسة العربية ، وما زالت وجنات الأطفال تتوهج تحت تأثير الصفعات ، وأيديهم ترتعش تحت وطأة العصي والمساطر ، ناهيك عما يتعرضون له من حملات التوبيخ والشتائم ، وأبجديات القهر والتهديد في إطار المدرسة ، بما من شأنه أن يحطم وجودهم الإنساني ، ويقوض كل المعاني الخلاقة للحياة الكريمة  » ( وطفة ، 2000 ، 34 ) .

وهكذا فإن ما تقوم به المؤسسة التربوية العربية في ظل حكم الديكتاتوريات المعاصرة التي اختطفت السلطة بطريقة غير شرعية ، هو تنميط عمل التعليم ليكون مخرجه متعلماً من النمط نفسه ، حيث لا يُسمح لهذا المتعلم أو ذاك من إبداء رأي أو طرح فكرة تلامس حياته من قريب أو بعيد .. مما يجعل التعليم المختطف في صميمه استغلالاً لإنسانية الإنسان لمصلحة السلطة المختطفة ، التي تريد منه أن يكون إمعة كالببغاء عقله في أُذنيه ، ومعتقلاً داخل النص الذي يكتبه المستبد كما يهوى .

ــــ اختطاف المواطنة

مما لا ريب فيه أن أنظمة الاستبداد المأزومة التي اجتاحتها الثورات الشبابية التي آثرت الموت على المذلة ، تُسيطر على التعليم ليس لمعالجة المشكلات وإيجاد الحلول لها ، وإنما لكي تُشكل أفراداً يألفون الخنوع والذل والاستكانة ، ويتعايشون مع الخوف والرعب ، ويتعودون السلبية والانهزامية ، وبالتالي فإن أفراداً هذه حالهم لن يعرفوا طريقاً للإبداع والابتكار، بل أكثر من ذلك يصبحون أداة للسلطة المستبدة من أجل ترسيخ واقع القهر والحرمان .. كيف لا ودافع التربية العربية يكاد يكون كله سياسياً من أجل دعم السلطة المستبدة ، وإن هذا الدافع هو العنصر الأساسي في توجيه السياسات التربوية وتحديد المهارات العقلية ، واختيار المعلومات التي تُعطى ، وإقصاء المعلومات التي تُشكل وعياً ناقداً . يقول الدكتور وطفة :  » لقد عملت أنظمة الاستبداد في بلداننا بكل ما أوتيت من قوة إلى تحويل المواطنين إلى رعايا وعبيد ، إلى أفراد يدينون بالولاء الأعمى لنظام الفساد والقهر والاستبداد ، والمواطنة في منظور النظام السياسي المستبد لا تعدو أن تكون ولاء المحكوم للحاكم ورضوخه لإرادة النظام ، حيث يشكل الخضوع المطلق للحاكم المستبد مبتدأ المواطنة والإذلال خبرها ومنتهاها ، ذلك هو حال الأنظمة التربوية في البلدان الاستبدادية التي تُدجن البشر على مفاهيم العبودية ، وتلقنهم أساليب الخضوع والمذلة ، وتدفعهم إلى تقديس رموز النظام ، كما تدفعهم إلى تأليه الحاكم الصائر صنماً للعبادة ، هذه الأنظمة علمتنا وما زالت تعلم أطفالنا بأن كرامة المواطن تكون قبل كل شيء في الخضوع للحاكم وتقديس رموزه  » (وطفة ، 2011 ، 1 ) . نستنتج مما قاله الدكتور وطفة أن تربية القهر والقمع والاستبداد تعمل من أجل تدعيم النسق السائد والمحافظة عليه ، لأن الاستقرار بالنسبة للسلطة المستبدة خاصية مرغوبة وإيجابية ، والتربية هي الوسيلة التي يصبح الإنسان العربي من خلالها واعياً بالنسق السياسي والثقافي ومدركاً لهما ، ومن هنا يمكن تقرير أن أنظمة القهر التربوية المختطفة بأدواتها ومؤسساتها وطاقاتها البشرية ، تُعد وسيلة توظفها السلطات المستبدة لإنجاح تربية المواطن واحتواء وعيه لصالحها ، دون أن تُراعي هذه السلطات أن هناك فرقاً بين المواطن الصالح كما يراه المجتمع ، والمواطن الصالح كما تراه السلطة المستبدة ، فالمواطن الصالح من وجهة نظر المجتمع هو الذي تُشكل إرادته نوعاً من التناغم الاجتماعي مع غيرها من الإرادات ، بينما المواطن الصالح في نظر السلطة المستبدة ، فإنه الشخص الذي يؤيد الأوضاع القائمة ويكرس نفسه من أجل المحافظة عليها .. وإن مثل هذا المواطن هو ما تسعى إلى تكوينه أنظمة القهر التربوية في العالم العربي ، التي تستهدف سياساتها طبع نفوس الطلبة بقيم الطاعة والخضوع والاستكانة ، وليس تلك القيم التي تدفع باتجاه مستقبل مشرق واعد .. وهنا يتماهى فكر الدكتور وطفة مع فكر الكواكبي الذي يقول :  » أن المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم ، ويحكم بهواه لا بشريعتهم ، فلا يريد المستبد أن يتصرف فرد بوحي خالص من فكره المجرد ، ولا أن يقتنع أحد بفكرة انشرح لها صدره ، بل يريد أن يفعل الفعل أو يترك لوجهه لا لوجه الحق ، كذلك يطلب السادة وكذالك يصنع العبيد  » ( الكواكبي ، 2006 ، 41 ).

والملاحظ مما قاله الكواكبي أن الاستبداد يتلخص في تغليب إرادة واحدة لا تسمح بإرادات أخرى تعمل إلى جانبها على خلاف هواها ، مما يعني أن المستبد يختطف المبدأ الأساسي الذي يجب أن تقوم عليه فكرة المواطنة ألا وهو مبدأ حرية الإرادة . وفي هذه النقطة أيضاً يتعانق فكر الكواكبي مع فكر الدكتور وطفة الذي يؤكد  » أن التربية على المواطنة تعني بناء الإنسان الحر الديمقراطي الذي يمتلك القدرة على المشاركة في الحياة السياسية مشاركة فاعلة وحيوية ، مما يعني أن هذا الإنسان لا يولد في المصادفات التاريخية العابرة ولا يوجد في فراغ اجتماعي ، بل هو الإنسان الذي يجب على التربية أن تقوم بإعداده وتكوينه إنسانياً للمشاركة الحرة في صنع المصير الاجتماعي للمجتمع الذي ينتمي إليه ، مع التأكيد إنه من غير التربية الديمقراطية والتربية على المواطنة يتحول المواطنون إلى رعايا وأفراد رعاع ، لا يمتلكون مصيرهم السياسي وغير قادرين على المشاركة الاجتماعية ، فالمواطنة تعني الممارسة الحرة للمواطن في شؤون الحياة العامة وفق أنظمة حرة يحددها القانون وترسمها الأعراف الديمقراطية في مجتمع جديد  » ( وطفة ، 2011 ، 1 ).

ولعل ما نراه على هذا المحور القيمي من صدأ بفعل السياسات الاستبدادية التي تقمع كل نزوع نحو الخروج والتمرد على القيم المألوفة ، أو محاولة إعادة النظر فيما يُعد مبادئ مقدسة ، أو مواجهة السياسات القمعية التي تعمل على تشكيل غريزة القطيع في أسوأ أشكالها ، هو الذي دفع الدكتور وطفة إلى التأكيد على ضرورة أن نبدأ من نقطة الصفر  » لأن وضعية التربية على المواطنة في البلدان العربية مخجلة في حقيقة الأمر، وإن أغلب الفئات الاجتماعية تجهل الدلالة الموضوعية والتاريخية لهذا المفهوم ، فالكثير من المثقفين يعرفون مفهوم المواطنة بكلمتين لا ثالث لهما هما : حب الوطن والتضحية من أجله . وحب الوطن كما تريد الأنظمة السياسية الاستبدادية القائمة يعني حب النظام وتقديسه والتفاني في خدمته وطاعته والتضحية من أجله ، ومن هنا نشأت فكرة التخوين لكل من يعارض النظام السياسي أو يخالفه ، لأن الاعتراض على الممارسات القمعية للسلطة تؤخذ على أنها خيانة للوطن والدين والعرف والتقاليد والقيم ، وفقاً للمعنى الذي تتبناه السلطات القمعية لمفهوم المواطنة ، وعليه فإن مفهوم المواطنة الحقيقي يعاني من موقف سياسي وتربوي يناهضه ويعمل على تغييبه وتشويه معانيه ، شأنه في ذلك شأن حقوق الإنسان والمفاهيم الديمقراطية الأخرى  » ( وطفة ، 2011 ، 3 ).

ومما يستحق الذكر أن ما أكده الدكتور وطفة من تشويه أنظمة الاستبداد لمفهوم المواطنة ، ينسجم مع تأكيد الكواكبي على أهمية الإرادة والحرية في زيادة فعالية الأفراد وقدرتهم على تغيير مجتمع القهر، لأن القيم الخلقية ليست ضوابط عن الشر فحسب ، بل هي أيضاً دوافع إيجابية لإحداث التغيير المطلوب في الأفراد ليغيروا واقع حياتهم ، فضلاً عن أن تربية الشعور بالمسؤولية على جانب كبير من الأهمية في إحداث التغيير ، وفي بناء الأفراد والمجتمعات ، حيث تعني المسؤولية الخلقية تحمل الشخص نتيجة التزاماته وقراراته واختياراته من الناحية الايجابية أو السلبية ، أمام الله وأمام ضميره وأمام المجتمع ، وأن مثل هذه المسؤولية هي المدخل الحقيقي إلى المواطنة الحقيقية ، ولهذا حدد الكواكبي خلاص الأمم من فساد الأخلاق بقوله :  » يجب ابتداءً فك العقول من تعظيم غير الله والإذعان لسواه ، وذلك بتقوية حسن الإيمان المفطور عليه وجدان كل إنسان ، ثم تنوير العقول بمبادئ الحكمة وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته ، أي حريته في أفكاره واختياره في أعماله ، وبهذا تُهدم حصون الاستبداد وتُسد منابع الفساد  » ( الكواكبي ، 2006 ، 117 ) .

ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى أن كلا المفكرين في تشخيصه للواقع الاجتماعي العربي أبرز حالة التخلف التي تسود حركة هذا الواقع ، وبين أن المتحقق من أحوالنا أدنى وأقل مما هو متوفر لدى الشعوب الأخرى ، وذلك بسبب النهج الذي سلكته الأنظمة العربية المستبدة تجاه شعوبها ، سواء أكان ذلك على صعيد الحريات أم على صعيد حقوق الإنسان وما تفرع عنها من قيم ومبادئ ديمقراطية ، مما جعل مفهوم المواطنة والتربية عليها يعيش حالة اغتراب حقيقية في مجتمعات القهر العربية ، في الوقت الذي يتطلب من هذه المجتمعات أن تمتلك رؤية تربوية واضحة وموقف حضاري منفتح ومتمكن من أجل استيعاب تحولات اللحظة الحضارية الراهنة ، وإبراز النماذج الحضارية الإسلامية المشرقة في مجالات السلام والتسامح والحوار والتعددية الثقافية ، بهدف تنمية الوعي بهذه القيم وإعطاء التربية على قيم المواطنة مشروعية وفائدة تربوية واجتماعية ، بحيث تصبح مدخلاً مهماً لمجتمعاتنا لرفد مختلف مسارات التحول الحداثي المطلوب ، وتأصيل ثقافة التعدد والاختلاف وعياً وممارسة حضارية . في سياق هذا المنظور يطرح الدكتور وطفة بعض الأسئلة الكبرى على أنظمة الاستبداد العربية فيقول :  » ألم يحن الزمن لهذه الأنظمة في إيجاد صيغة جديدة للتعامل مع أفراد الشعب بوصفهم مواطنين لا رعايا ، وأحراراً لا عبيداً ؟ ألم يحن الوقت ونحن في القرن الحادي والعشرين أن يُسمح للإنسان بممارسة حقوقه الإنسانية ؟ لماذا تُغيب الأنظمة العربية القائمة مفهوم التربية على المواطنة وحقوق الإنسان ؟ ألم يحن الوقت لإسقاط مفاهيم الاستبداد والقهر التي تنتشر كالنار في هشيم التربية الرسمية العربية المعاصرة ؟ ألم يحن الوقت لهدم الأصنام التي أكرهتنا الأنظمة العربية على عبوديتها ؟ ألم يحن بعد لأصنام العقل أن تسقط ؟ وأن يسقط معها في النهاية كل معاني القهر والاستبداد والتسلط الذي تمارسه هذه الأنظمة المتمرسة بكل أنواع الإرهاب والتسلط والقهر؟  » ( وطفة ، 2011 ، 9 ) . أما السؤال الذي يختنق به صدري هو : لماذا تختطف أنظمة القهر العربية مفهوم المواطنة والتربية عليها ؟ ألم يحن الوقت ونحن نعيش عصر الثورات العربية المجيدة من إطلاق سراح قيم المواطنة الإيجابية ، لكي ندفع بالحياة على أرض الواقع من الجمود والانصياع إلى آفاق التجديد والإبداع ؟ على أية حال إذا كانت هذه الأسئلة الكبيرة تحتاج إلى أجوبة كبيرة ، فإن هذه الأجوبة لخصها لنا الشاعر العربي نزار قباني بقوله :

وخريطة الوطن العربي فضيحة فــحواجــــــز ومخـــافــــر وكــــلابُ

أتكلم الفصحى أمام عشـيرتــي وأعيــدُ ، لكـــن ما هنــــاك جواب

معذرة إلى أستاذي الدكتور وطفة إذا لم أكن موفقاً في اختياري إجابة من شعر نزار عن أسئلته الموجهة إلى أنظمة الاستبداد في العالم العربي، تلك الأنظمة المشغولة بسفك الدماء ومصادرة الحريات وتهجبر العلماء والمفكرين .. ثم كيف لهذه الأنظمة الفاسدة أن تُقدم إجابة عن أسئلة كبرى وثقافتها اليوم مشغولة بحجاب المرأة العورة ، وأن الخمار من مقومات الأمن القومي .. فضلاً عن تحريم أشعار أبو النواس وأمل دنقل ومظفر النواب واحمد مطر .. ناهيك عن اخصاء الجامعات العربية ( مؤسسة وأساتذة وطلاباً ) كي لا تكون قلاعاً شامخة من قلاع حرية الفكر والرأي والمعتقد السياسي والمدرسة العلمية ، مرة أخرى ومرات ، أعتذر لأستاذي إن استطردت في تلك المقولات التي هي ليست مجرد تنفيس للمشاعر فحسب، وإنما هي وليدة السياق الثقافي المتخلف الذي يحاصرنا من الجهات الأربع .

ــــ اختطاف الوعي

من الواضح أن إيجابية الثورات العربية المعاصرة قد تجلت في أظهار مستوى الوعي لدى الشباب العربي ، الذي كان مختطفاً من قبل الأنظمة الاستبدادية العربية ، كما أبرزت هذه الثورات أن جهود أسرى القهر والظلم لن تنطلق إلا من خلال الوعي بقصور الواقع وتخلفه ، وإن صناعة هذا الوعي لا تتم إلا بأفكار تربوية أصيلة ، ورؤية تعي حركة التاريخ وتسبقها إلى احتمالات المستقبل ، بعبارة أخرى ، برهنت هذه الثورات أهمية وجود منظومة قيمية إنسانية ترفض القهر والظلم والعبودية ، وتؤمن بتحرير الإنسان من مختلف ألوان الوهم الذي تسلبه وعيه بمصيره . ونظراً لأهمية الفعل التربوي فقد تمحور جهد الكواكبي حول هذا الفعل لتوفير شرط الوعي الذي هو المقدمة الأساسية للتغير الثوري والتخلص من الاستبداد ، وذلك انطلاقاً من أن الإنسان في سعيه لتقويض مجتمع القهر ، وبناء مجتمع الحرية ، تحكمه جملة التصورات والمفاهيم والأفكار التي تشكل عقله وتلون نظرته للأمور ، كما تحكمه مجموعة من القيم والمعايير التي توجه سلوكه وتحدد مساراته ، وهنا يبرز الكواكبي سمات ومميزات الإنسان الواعي بقوله :  » أن يكون أميناً على الحرية ، فلا يعارضه معارض فيما يخص شخصه من دين وفكر وعمل وأمل ، أميناَ على مزية المساواة ، كأنه في أمة يساوي جميع أفرادها منزلة وشرفاً ، فلا يفضل هو على أحد ، ولا يفضل عليه أحد إلا بمزية سلطان الفضيلة ، وأن يكون أميناً على العدل ، أميناً على المال العام وثروة الأمة  » ( الكواكبي ، 2006 ، 165 ) . وكما هو متوقع فإن الإنسان الواعي من وجهة نظر الكواكبي ، هو الذي يملك رؤية فكرية نقدية ، ويتميز بضمير اجتماعي ينسجم مع الآخر، إنه الإنسان القادر على إدراك أوضاع العصر والمجتمع الذي يعيش فيه وتحليلها منطقياً . غير أن السؤال الذي يطفو على السطح هو : هل يملك الإنسان العربي الوعي الذي يؤهله لامتلاك رؤية فكرية نقدية يستطيع من خلالها تغيير واقع القهر والقمع والحرمان الذي يعيشه بشكل يومي؟

في إجابته عن هذا التساؤل يربط الدكتور وطفة بطريقة تحليلية منطقية نقدية بين حالة الوعي لدى الإنسان وبين حالة الاغتراب التي يعيشها تحت تأثير الثقافة التقليدية ، فهو يرى أن حالة الاغتراب التي يعيشها الإنسان العربي هي الحالة التي يتعرض فيها وعي الإنسان وإرادته للاختطاف والاغتصاب والاعتداء والتشويه ، ويؤكد أن أدوات الاغتراب هي مختلف أدوات القهر، وفي مقدمتها ثقافتنا التقليدية التي تتصف بالعجز وتضع وعي الإنسان العربي في حالة سلبية دائمة وغيبوبة نقدية فائقة الوصف ، إنها ثقافة اغترابية بامتياز حيث يتميز الإنسان العربي المعاصر بالسلبية والدونية والعجز والانغلاق والتعصب ، وفي هذا السياق يوضح الدكتور وطفة مشاهد البؤس في حياتنا الثقافية المثيرة التي انحدرت بمستوى وعي الإنسان العربي في طرحه للقضايا الكبرى ، فيتساءل : هل هناك من مجال للمقارنة بين ندواتنا والندوات العلمية التي نجدها في الغرب حول الثورات الرقمية ، والجينات والشيفرات الوراثية ، وغزو الفضاء وتدجين الإنسان ، واختراق الزمن وقضايا النسبية وابتلاع الضوء ، والدورات الفلكية وامتداد الكون وقابليته للفناء ..!! أين هذه من ندواتنا الحامية حول دخول الحمام وملاعب الشيطان ، وتفسير الأحلام والقراءة في الفنجان ، وشهادة المرأة والصبيان وقضايا الزواج من الأنس والجان ( وطفة ، 2011 ، 24 ــــ 34 ــــ 35 ) أضف إلى ذلك انشغال الإنسان العربي قي قضايا ساذجة لا معنى فيها ولا دلالة ، كزواج المسيار والمسفار والمتعة .. التي أدى الاختلاف فيها إلى تشتيت وعي الإنسان العربي ، وتغييب عقله عن مناقشة القضايا الكبرى . وهذا ما عبر عنه الشاعر بقوله:

أجـــاز الشـــافــعي فعــال شـيء

وقـــال أبــو حــنيــفــة لا يـجــوز

فـضَل الشيــب والشبان مــــــنا

ولا اهتدت الـفتاة ولا الـعــجوز

وفي جميع الحالات لا يجد الإنسان العربي في الثقافة التقليدية ما يُشبع نهمه إلى المعرفة ، ويرتقي بوعيه لكسر طوق العزلة التي تفرضها عليه سياسة نشر الجهل ، التي تنتهجها أنظمة القهر والاستبداد في البلدان العربية ، مع التأكيد أن ما يطبع هذه الثقافة بهذا الطابع السلبي إنما هو عوامل تتجاوز نطاق الميدان الثقافي ، إلى الميدان السياسي والأوضاع الاجتماعية التي تعمل على تُزييف الوعي في ظل الاستبداد . وهذا ما يؤكده الكواكبي بقوله : في ظل الاستبداد يُختطف الوعي تحت تأثير الظروف الاجتماعية بحيث يصبح وعياً زائفاً لا يعبر عن الحقيقة ، وإن الإنسان في تلك المرحلة يدرك فقط الأشياء التي تتصل بحياته المباشرة ، ولا يصل إلى إدراك الإطار العام الكبير الذي يتحكم فيه أو يسببه ، ويُرجع الكواكبي مشكلات الواقع إلى الاستبداد الذي يضطر الناس إلى استباحة الكذب والتحايل والخداع والنفاق ، وإماتة النفس ونبذ الجد .. وغير ذلك مما يساعد على تزييف وعي الجماهير في مرحلة الاستبداد ، فضلاً عن المفاهيم والمعتقدات الخاطئة التي يروج لها المستبدون ، وذلك نحو قولهم : الاستبداد يلين الطباع ويلطفها ، والاستبداد يربي النفوس على الاعتدال والوقوف عند الحدود ، والاستبداد يقلل الفسق والفجور، وغير ذلك من أقوال تؤصل لثقافة الاستبداد والقمع والحرمان .. ( الكواكبي ، 2006 ، 110 ، 132 ) ولعل من أبشع ما تقوم الأنظمة الاستبدادية عبر رصيدها الثقافي وتدفقاته ، هو تشكيل وعي الإنسان العربي الذي يعاني من التشوه والقصور والتزييف . يقول الدكتور وطفة :  » تتشبع الثقافة العربية المعاصرة بمضامين العنف والتسلط ، حيث تأخذ هذه المضامين مداها في عمق الحياة الواعية وغير الواعية للإنسان العربي ، وتدخل في نسيج الحياة الاجتماعية الثقافية ، لتشكل عنصراً حيوياً في بنية هذه الثقافة ووجودها  » ( وطفة ، 2000 ، 20 ).

وهكذا فإن العلاقة بين الثقافة التقليدية وأنظمة الاستبداد العربية هي التي تتحكم في تشكيل وعي الإنسان العربي ، لأن هذه الأنظمة تفرض رأيها بالقوة على مختلف أشكال التعبير الثقافي ، وتضع العراقيل أمام الأعمال الثقافية التي تتعارض مع اتجاهاتها القمعية ، وهي التي لا تتوانى عن فرض قيود شديدة على حرية التعبير، أو على حرية أصحاب اتجاهات فكرية معينة في التعبير عن أنفسهم ، وهي التي توكل أمور الثقافة إلى أشخاص جهلاء يتعمدون تخريبها ، ونشر التفاهة في المجتمع ، وإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء .. وأنني أحسب أنه في ظل هذه الأجواء المظلمة تستطيع أنظمة القهر أن تختطف وعي الإنسان العربي .. بل كل الإنسان العربي.

ــــ اختطاف الحرية

مما يستحق التسجيل هنا أن الثورات العربية المعاصرة في البلدان التي اجتاحتها ، قد أثبتت كيف يختزن الحكام المستبدون في عقولهم وقلوبهم كراهية عميقة لشعوبهم ، وازدراء حقوقهم وحرياتهم وكرامتهم ، فقد قرأنا وسمعنا ورأينا على مختلف وسائل الإعلام لما يحدث في هذه الأنظمة المستبدة من جرائم يطفح بها تاريخها ، وهي تسعى لإذلال الإنسان العربي وكسر شوكته وامتهان إنسانيته ، والقضاء على كل مصادر المقاومة لديه ، من الكلمة إلى لقمة العيش مروراً بدواء الجريح .. هذا إلى جانب الدعاية المزيفة التي يبثها إعلام المستبدين وأعوانهم ، عبر مجموعة من الطبالين والزمارين وكتبة التقارير الذين وصفهم الكواكبي بالأسافل ، والسافل من وجهة نظره هو  » من أسفل أهل طبقته أخلاقاً ، لأن الأسافل لا يهمهم الكرامة وحسن السمعة ، إنما غاية مسعاهم أن يُبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته وأنصار لدولته ، وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه ، فيشاركهم ويشاركونه  » ( الكواكبي ، 2006 ، 83 ) هذا ما عبر عنه كذلك الشاعر بقوله:

معهم على ظلم الحقيقة كلُ ظالم معهم نفـاقٌ قد تصــدَرا بامــتــياز

سـوق الدنـاءةِ والخـنـا والابتـزاز

من برلمان فيه يرغو كلُ خادم بالحمد والتسبيح تقديساً لحاكم

وصحافة لا ترتضي غير القمامة

تخلو من الأدب المعطر بالكرامة تنأى عن الحق المجلل بالشهامة

وأياً ما كان الحكم على مواقف هؤلاء فإنه بمجرد مطالبة المقهورين بقليل من الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية المختطفة منذ عقود ، ظهر موقفهم وموقف الأنظمة المستبدة التي يتبعون لها من حرية الإرادة وضرورة قمعها واستلابها بقوة السلاح . وعن أهمية هذه الحرية وضرورة انتزاعها من المستبد يؤكد الكواكبي في كتابه  » أم القرى  » أن حرية الإرادة الإنسانية تنطلق من أن الاختيار فعل يقوم به الإنسان العاقل تبعاً لما تتطلبه الحكمة ، والحكمة كما يراها الكواكبي هي أن يحفظ الإنسان حريته واختياره ، أما المستبدون الذين ينكرون حرية الأفراد تقديساً لسلطة فردية ، فيؤمنون بالفرد المختار وبسيادة الزعيم ، كما يؤمنون بمبادئ القوة ويرفضون سيادة القانون ، ويتنكرون لحكم الأغلبية ويحاربون الحريات والحقوق ، والإنسان في هذه النظم يعيش مسلوب الإرادة ، مسلوب الحقوق ، فالنظم المستبدة على اختلافها تشترك في محاربة الحرية الشخصية ، فالديكتاتوريات تدعو الفرد إلى الفناء في قداسة الزعيم . ( الكواكبي ، 1970 ، 236 ).

ولكي يتضح موقف الاستبداد من الحرية أكثر ، ومن أجل أن يدرك المثقف العربي كيف يتم اختطاف الحرية في مؤسساتنا العلمية وفي مقدمتها المؤسسة الجامعية ، سوف اقتطف بعضاً من إجابة المفكر السوري علي وطفة عن سؤال : لماذا تخرج المظاهرات من الجوامع وليس من الجامعات ؟ يقول الدكتور وطفة : كيف تخرج المظاهرات من الجامعات وقد دكّ الاستبداد كل المعالم الفكرية والأخلاقية لهذه الجامعات ، فحولها إلى مؤسسات للقهر والاستبداد جاعلاً منها معتقلات للحرية لا معاقل للعقل ، وعريناً للقهر لا حرماً للضمير.. كيف تخرج المظاهرات من الجامعات وقد تحولت بأهدافها ومناهج عملها ومضامينها التربوية إلى أكثر مؤسسات الدنيا فتكاً بالعقل وهدماً للحريات وانتهاكاً للقيم واغتيالاً للضمائر الحرة .. ثم كيف تخرج المظاهرات من الجامعات وقد تحولت في ظل الاستبداد إلى قوة تحاصر العقل والعقلانية ، وغدت مؤسسات فاعلة اعتمدتها الأنظمة الديكتاتورية كأدوات في قهر الإنسان واعتقال حريته ومصادرة كرامته .. ثم كيف تخرج المظاهرات من الجامعات ولازالت مقررات التربية على حقوق الإنسان والديمقراطية حرام بحرام وجرم يعاقب عليه القانون ، وإن كل ما يتصل بهذه القيم يُعد فتنة تؤدي بصاحبها إلى التهلكة .. إن الجامعات العربية في ظل الاستبداد تُعلم الذل والعبودية والخضوع والإكراه والخشوع للحكام والمستبدين ، فضلاً عن تفريغها من كل المضامين الأخلاقية والإنسانية في مناهجها وفي إعداد أساتذتها ( استثنني الشرفاء منهم وهم اليوم قلة قليلة ) . في الجامعات العربية أيها السادة ألف طريقة للقهر فهناك الحزب القائد وهناك الاتحاد الوطني للطلبة وهناك نقابة المعلمين وهناك الحرس الجامعي والمعسكرات الجامعية إضافة إلى الشبيبة والشبيحة ، وكل هذه المنظمات والمؤسسات تُشكل طوقاً أمنياً وأدوات لممارسة كل أشكال القهر والإذلال والعبودية .. فأين هو المفرّ .. ثم يتساءل الدكتور وطفة : كيف يمكن لمثل هذه الجامعات أن تكون معقلاً للحرية ومنتجعاً للثوار ومنطلقاً للأحرار.. ؟ كيف يمكن لمثل هذه الجامعات أن تخرج جيلاً يؤمن بالحرية والكرامة وحقوق الإنسان ..؟ أليس غريباً ألا نرى في الثورة واحداً من أساتذة الجامعات ينضم إلى صفوف المنافحين عن الثورة أو أن يكتب كلمة يراعي فيها الحق والحقيقة ؟ أليس مألوفاً اليوم أن نجد عشرات من هؤلاء الأساتذة يتصدرون الشاشات ليناهضوا عن الاستبداد والمستبدين ، عن الظلم والظالمين ، عن القهر والقاهرين ؟ وعلى حين غرة تصبح هذه الجامعات من أكثر الجامعات تفريخا للمستبدين من المفكرين وفقهاء السلاطين ؟ باختصار شديد فقد أصبحت الجامعات العربية مؤسسات للقهر والعبودية والإكراه .. أنها أدوات للهيمنة والسيطرة في أيدي النظام السياسي ، وليس غريباً أن يقوم طلاب الجامعة بإخماد تظاهرات المحامين والحقوقيين في كثير من الحالات التي شهدناها في الربيع العربي . لقد تحول الطلاب في جامعاتنا الموقرة إلى عبيد وأقنان وأدوات خرساء ضد الثورة والحق والقانون . ( وطفة ، 2011 ، ا- 2 ).

من جهة أخرى إذا كان الجامع يغير إلى الأفضل ، فما الضير في مسجد يدفع إلى الثورة والتغيير، وما الضير في جامع ينهضنا إلى الحق ويحض على الخير والعزة والكرامة ، فالأحرار والعلمانيين والمتنورين يجب أن يقدموا كل العرفان والتقدير للمسجد والدين والمؤمنين ، فأهل الإيمان الذين انطلقوا بهذه الثورات المباركة أسقطوا رموز القهر والاستبداد والاستعباد وهم في طريقهم إلى إسقاط المزيد ، وسيذكر التاريخ أن المسجد لعب دوراً حضارياً إنسانياً خلاقاً . ثم لنفترض بأن الثورة ستأخذ طابعاً دينياً ، فلما لا يكون إذا كان في ذلك صوناً لكرامة الناس وحقوقهم ، وإنني لعلى يقين بأن الحرية تومض في الأفق وأن عهدها لقريب .. إن الثورة ليست دينية لأنها تخرج من المساجد ، بل هي دينية لأن الشعب مؤمن بطبيعته وسجيته ، فمجتمعاتنا مجتمعات مؤمنة وهذا شيء من طبيعتها وما كان الإيمان بالله يوما وبالاً ، فالإيمان بالله جمال وحق وخير وعدل ، فلماذا القلق من ثورة المؤمنين وانتفاضة أهل الإيمان ؟ ألا يكفي المسجد فخراً أنه أدى الأمانة وأنجز الرسالة وشكل منطلقاً روحياً للثورة والتغيير نحو مستقبل أفضل وأشمل وأجمل .. ثم يختم الدكتور وطفة مقاله متوقعاً أن الجامع ربما يشكل في الوقت القريب منطلقاً لتحرير الجامعة من قهرها وإطلاقها من دائرة عبوديتها واستلابها ، وربما تكون للجامع رسالة تاريخية في تحرير الجامعة والمجتمع من أدران القهر والذل والعبودية والانحدار والانحطاط . ( وطفة ، 2011 ، 2- 3 ).

وهكذا يتضح لنا مما سطره الدكتور وطفة ما أصاب الجامعات العربية من آفات وما تنوء به من مشكلات كان من نتائجها ، تشكل الشللية ، وتلوث الشفافية ، وانتهاك حقوق الإنسان ، وانتشار فيروسات المرض في مناخها العلمي ، غير أن أخطر ما تعرض له الدكتور وطفة في مقاله هو تلك الخاصية التي تراود أحلام الجامعيين فيما يعرف بالحرية الأكاديمية وما تتضمنه من حرية التفكير وحرية التعبير، والتي تُعد واحدة من أهم ضمانات الوظيفة النقدية للجامعات العربية ، حيث توجد في فضاء المؤسسة الجامعية مجموعات منظمة متعددة في منطلقاتها ومصالحها تهدف إلى حرمان أعضاء هذه المؤسسة من التمتع بتلك الحرية الأكاديمية حقاً وواجباً ومسؤولية ، وهذه القوى إما أنها تزعم ملكيتها للحق والحقائق المطلقة التي لا تقبل النقص أو التغيير ، وإما أنها تمتلك مصادر السلطة والسلطان وتخشى من أن يهدد الفكر المتحرر مصالحها ونفوذها ..

وبعد

فإنني أعجب لهذا الجبروت والقهر الذي تُمارسه أنظمة الاستبداد العربية على شعوبها ، والعجب أيضاً من موقف بعض المثقفين العرب تجاه ما يحصل من تأصيل لثقافة الصمت وانتهاكٍ لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية ، وأعجب العجب موقف بعض أصحاب العمائم من رجال الدين الإسلامي الذين أصبح لسان حالهم يجاهر بمشروعية الحاكم المستبد وأعوانه ، متناسين ما يجري من سفك لدماء المسلمين واعتداءً على أعراضهم .. الأمر الذي دفع أحد الشعراء إلى القول:

وعــمـائمٍ لــم تـرعَ آداب الـعـــمــائم لـم تـرعَ مــا نـرجـوه مـــن طـهر الـعمـائم

إني أُسائلـهم وفـي صــدري مــآتــم مـن نـافق الحكام .. هل يُـدعى بعـالـم ؟

عـذراً إلى العلماء أصحـاب العــزائم عــذراً إلـــى الـــقـدوات حـــقــاً والـــمـعالـــم

من نافق الحكام لا يُدعى بعالم

من نافق الحكام لا يُدعى بعالم

من نافق الحكام لا يُدعى بعالم

غير أن هذا العجب من موقف بعض المثقفين العرب ورجال الدين لا يمنعنا من أن نؤكد أنه حان الوقت كي يفهم المستبد وأعوانه أننا لسنا مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة ، كما أننا لسنا كائنات هامشية حيث يريد لنا الحاقدون أن نكون .. نحن من أبناء هذا الوطن .. ننتسب إلى ماضيه وحاضره ومستقبله .. إلى أرضه وقمحه وخبزه .. من حقنا أن نتساءل ونحاور كمواطنين فاعلين ومنفعلين .. ومن حقنا أن ننقد ونسلط الضوء على الأخطاء عبر الكتابة الواعية ، التي سوف نُشعل من خلالها ألف قمر وقمر في فضاءات المجتمع العربي المظلمة .. هذا مع علمنا أن فعل الكتابة مدخل إلى عش الدبابير والمناطق الشائكة .. ورقص على الجدران العالية .. غير أنه بالنسبة لنا غناء حر لا يخشى نقيق الضفادع التائهة .. سنبقى نكتب من دون مراوغة ولا مجاملة ولا انحناء ، حتى لو حاصرنا القلق من الجهات الأربع .. سنبقى نكتب حتى تُصبح مساحات الفرح في وطننا أكبر من مساحات الحزن .. ولا أذيع سراً إذا قلت أنني لم أكتب هذا المقال ترفاً ، وإنما نزقاً مما تفعله أنظمة الاستبداد تجاه من خرجوا يُطالبون بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية .. تلك الأنظمة التي نأمل أن تزول قريباً حتى تزول الغبار عن وجوه المقموعين وتعود إلى نضارتها .. لن أهجر الكتابة عن الاستبداد والمستبدين بعد اليوم حتى تنهزم قوى التسلط والقهر التي تسيء للشعوب العربية المقهورة منذ عقود .. فالمجد كل المجد للكتابة التي تصرخ بملء فمها : اللعنة على الاستبداد والمستبدين..

الرحمة كل الرحمة للمفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي .. والتحية الطيبة مقرونة بالتمنيات الصادقة بالتوفيق لرائد المدرسة النقدية في التربية العربية المفكر السوري الدكتور علي وطفة في تحمل رسالة توعية الشباب العربي وتمكينهم من ثقافة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ، حتى يكونوا مشاركين فاعلين في مواجهة أنظمة الاستبداد والقهر والطغيان .

source: http://arabsfordemocracy.org/democracy/pages/view/pageId/1005#.TqvRqCtEah0.facebook



Inscrivez-vous à notre newsletter