طريق فلسطين لا تمرُّ بالقصير- أمجد ناصر

Article  •  Publié sur Souria Houria le 6 juin 2013

مهرجان ‘الوعد الصادق’
أيلول 2006
‘كان بإمكان حسن نصرالله أن يلقي خطاباً متلفزاً على الجموع الغفيرة التي جاءت تحتفل بـ ‘النصر الإلهي’، فالجميع يعرف أن رأسه هي الأثمن على قائمة الأهداف الاسرائيلية التي لا تضم زعيماً عربياً، وكان بإمكان جمهوره أن يتفهّم اطلالة زعيمه المحبوب عبر شاشة تلفزيون. فالحرب لم تضع أوزارها. واسرائيل لم تشّف من جراحها. وقادتها حائرون في تقديم كشف مقنع بـ ‘انتصارهم’ لجمهورهم المصدوم بجيشهم الذي لا يقهر، سوى، طبعاً انجازهم الفضائحي في تدمير البيوت والطرق والجسور ومولدات الكهرباء والجوامع والكنائس.. وقنص أرواح النساء والرجال والأطفال.
كان بإمكان حسن نصرالله أن يظهر بالصوت والصورة على شاشة عملاقة.
وكان الجميع سيتفهم ذلك.
ولكنه لم يفعل.
فجاء الى مهرجان ‘الوعد الصادق’ المتوج بـ ‘النصر الإلهي’ بلحيته وعمامته وعباءته ولحمه ودمه .. وعرقه الذي تصبَّب من فرط التأثر بوفاء تلك الجموع التي لم يفتَّ في عضدها ما أنزلته اسرائيل بها من نوازل.
لم يظهر نصرالله علناً، رغم المخاطر الحقيقية على حياته، لأنه شجاع فقط، فالشجاعة في ميزان لحظة سياسية راعفة كهذه لا تعني إعطاء عدوك فرصة النيل منك، بل جاء الى المهرجان لأنه أراد القول، كذلك، إنَّ حياته ليست أهم من حياة الذين قدموا أرواحهم في جبهة القتال، ولا أغلى من حياة الأبرياء الذين انتقم الاسرائيليون منهم لعجزهم عن الاجهاز على مقاتلي المقاومة.
فهو ليس ‘بيكاً’ ولا ‘ابن بيك’ وإنما رجل طلع من بينهم، مثلهم، على صورتهم وهيئتهم، له ما لهم وعليه ما عليهم.
هذا درس آخر من قيادة حركة مقاومة شعبية كحزب الله يضاف الى دروس أخرى في ترابط القول بالفعل والشجاعة بالتخطيط والايمان بالجاهزية والصلابة بالمرونة.
وكان بامكان حسن نصرالله، أيضاً، أن يستطرد في حديث النصر والانتصار مرصِّعاً كلامه بعشرات الاقتباسات من المعلقين العسكريين والسياسيين الاسرائيليين عن حجم الذهول الذي أصابهم من ضراوة قتال المقاومة وفرادة تكتيكاتها، والأهم من شجاعة مقاتليها، ولكنه لم يفعل.
قال ما كان ينبغي أن يقوله للرد، ليس على الاسرائيليين للأسف، ولكن على بعض اللبنانيين والعرب الذي سعى، أكثر من الاسرائيليين، لتجريد المقاومة من انتصارها في الميدان وتحميلها وزر الحرب وما أحدثته من خراب، ووضعها في مأزق سياسي لا يتوقعه المنتصرون عادة من ذويهم.
رجلٌ قويٌّ منتصرٌ ومؤيدٌ بجمهور كبير لم يخذله مثل حسن نصرالله كان بإمكانه أن يستقوي، بهذا الإرث الصلب، على خصومه الداخليين الذين لم يتوقف بعضهم عن (كشف ظهره سياسياً) حتى في أحلك الظروف ولكنه، أيضاً، لم يفعل.
إنه يعرف انقسامات ساحته السياسية المزمنة ولم يزد الانقسام حدة.
يعرف أن سلاح المقاومة لا يلقى إجماعاً سياسياً داخلياً في لحظة عربية مختلة فقدَّم حلاً له. قال إن الحل في حكومة وحدة وطنية تؤسس لدولة قوية عادلة تستوعب السلاح والمسلحين وتتمثلهم في برنامج وطني. أما تجريد سلاح المقاومة بالقوة، خصوصا بعد انجازها الأخير، فقد ذكَّرهم بقول وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني أن لا قوة في العالم تستطيع فعل ذلك’.

غزوة ‘القصير’
أيار 2013
كلا، ليس هناك خطأ. لا في الكلمات ولا في المناسبة. فتلك هي الكلمات التي كتبتُها عن السيد حسن نصر الله و’حزب الله’ بعدما وضعت حرب تموز (يوليو) مقاتلي ‘الحزب’ وأمينه العام في سواد عيون العرب. كل كلمة في الفقرة السابقة كنت أعنيها بالضبط. كان ذلك قليلاً على مقاتلين عربٍ شرخوا أسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر ولطخوا سمعته العسكرية الظافرة التي اكتسبها في حروبه مع أنظمة عربية مهزومة سلفاً. لم تكن حرب تموز 2006 خدعة كي نصل الى ما وصلنا اليه الآن. لا أحد يقاتل بتلك الضراوة في حرب ‘تكتيكية’ لها غرض آخر غير ما يبديه واقعها. وليس من العدل أن نفسر أهداف تلك الحرب بأثر رجعي: أي بصورة ‘حزب الله’ بيننا اليوم. وهي، للأسف، تتناقض 180 درجة مع صورته التي خرج بها منتصراً مرتين: الأولى عندما أرغم وزير الحرب الاسرائيلي باراك على الانسحاب من معظم المناطق المحتلة في جنوب لبنان ربيع عام 2000، والثانية عندما تمكن من كسر شوكة اسرائيل وتمريغ أنفها المتغطرس في وحول صيف 2006 الدامي.
الفقرة السابقة من هذا المقال تعكس، كما هو واضح، إعجابي منقطع النظير بـ ‘حزب الله’ وزعيمه ومقاومتهما التي سطرت درساً لا ينسى في مواجهة العدو الاسرائيلي. فما الذي تغير كي تكون الفقرة الثانية من هذا المقال نقيض الفقرة الأولى؟
بل من الذي تغير؟
‘حزب الله’ أم أنا؟
وقائع هذا العام الدامي في سورية تقول إن ‘حزب الله’ هو الذي تغير، على الأقل، كما كنت أتصوره وكما عكسته كلماتي الحماسية أعلاه، رغم أني أكاد أسمع من يقول وأنا أكتب هذه الكلمات إن ‘حزب الله’ لم يتغير قيد أنملة. فولاؤه الأعمى لولاية الفقيه لم يفتر له همَّة، وعلاقته العضوية بالنظام السوري هي نفسها، وبنيته الدينية المذهبية هي ذاتها، وتمويله من قبل إيران ودورانه في فلكها السياسي لم يطرأ عليهما أدنى تعديل أو تغيير. لا شيء إذن تغير في ‘جوهر’ حزب الله.
هذا زعم لم يكتسب أنصاراً ووجاهة إلا بعدما انخرط ‘الحزب’ علناً وبكل قواه في معركة بشار الأسد ضد شعبه. كان الزعم السابق موجوداً طوال الوقت، ولكنا كنا نرد عليه، نحن الذين آمنا بصلابة أرضية موقف ‘حزب الله’ ضد اسرائيل وتكريس نفسه لمقاومتها، بعشرات الأمثلة التي تدعم إيماننا ذاك. وهذا ما كان يهمنا. لم يكن لمثل تلك التوصيفات التي كانت تخلع على ‘حزب الله’ من قبل فريق عربي مهزوم من الداخل أصلاً، أية أهمية عندي (وكثيرين غيري) ما دامت بوصلة ‘الحزب’ السياسية وبندقيته تشيران الى جهة الجنوب.
أن يكون ‘حزب الله’ سنياً، شيعياً، علوياً، زيدياً، إسماعيلياً، أباضياً، درزياً، ليس أمراً مهماً في حدِّ ذاته ما دامت بندقيته مصوبة الى عدونا التاريخي الذي لا عدو لنا غيره. أنا العلماني اليساري من الذين يؤمنون، بكل جوارحهم، أن وجود مسيحيين ويهود وسنَّة وشيعة وعلويين ودروز وإسماعيليين وأباضيين ولا دينيين أغنى تراثنا في الماضي، وهو علامة غنى وتنوع في الحاضر.. أو هكذا يجب أن يكون.
إذن، لا شيعيِّة ‘حزب الله’ ولا إيمانه بولاية الفقيه، ولا حتى اعتباره نظام بشار الأسد ‘مقاوماً’ و’ممانعاً’ هي التي قلبت صورته عندي (وكثيرين غيري) رأساً على عقب، بل ولوغه في الدم السوري، والأسوأ تضليله لجمهوره بالقول إن حماية جنوب لبنان (والمقاومة) والطريق الى فلسطين يمران بالقصير وحلب وريف دمشق.
هذه هي المشكلة مع ‘حزب الله’ وهذا ما لا يمكن قبوله منه. فالسيد حسن نصر الله يعلم أن ‘الناقورة’ و’بنت جبيل’ و’مرجعيون’ و’الخيام’ أقرب الى فلسطين، بكل المعاني، من ‘القصير’ وريف دمشق وحلب. تلك طريق أقصر وأسلم وأكثر وطنية وهي طريق ‘المقاومة’، ولا طريق للمقاومة (أو فلسطين المسكينة التي طالما كانت دريئة للإستبداد والفساد) سواها.
يحق لي أنا الذي آمن، طويلا، بمقاومة ‘حزب الله’ وما سطره من دروس لا تُنسى على هذا الصعيد أن أعلن فجيعتي بولوغه في الدم السوري وتغطية جريمته هناك بقميص فلسطين.
تلك هي طريق فلسطين واضحة وضوح شمس الجنوب اللبناني وليس هناك من يسير عليها.
أما القتال في ‘القصير’ وغيرها من المناطق السورية فيؤدي فقط الى الجحيم.
وعلى الطريق الى الجحيم لا يسقط الشهداء.

http://www.alquds.co.uk/?p=51247



Abonnez-vous à notre newsletter