عبد الحليم خدام والجنرال الصغير: سخرية أقدار أم توازع أدوار؟ – *آرام الدمشقي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 23 octobre 2011

منتصف ليل الثالث والعشرين من شهر أيلول لعام 1988 قام الرئيس اللبناني أمين الجميل، المنتهية ولايته، بتسليم مقاليد الحكم إلى قائد الجيش آنذاك، العماد ميشيل عون، كرئيس مؤقت للوزراء إلى أن يتمكن البرلمان من انتخاب رئيس جديد للبلاد.
تم ذلك بسبب عدم تمكن البرلمان اللبناني من انتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل انتهاء الولاية الدستورية للرئيس الجميل ومن حيث أن الدستور اللبناني ينص على هذا الإجراء في تلك الحالة.
______________________________________________

شكل العماد عون وزارة من ستة عسكريين، ثلاثة مسيحيين وثلاثة مسلمين، ما لبث الوزراء المسلمون أن انسحبوا منها، تحت ضغط السوريين، لصالح الحكومة الأخرى التي كانت في بيروت الغربية برئاسة سليم الحص، وبقيت وزارة الجنرال عون قائمة على ثلاثة وزراء، حيث تقلد هو شخصياً، بالإضافة إلى رئاسة الحكومة، وزارات الدفاع الوطني والداخلية والإعلام والخارجية والمغتربين والتربية الوطنية والفنون الجميلة  إضافةً لاحتفاظه برتبته العسكرية!
ظناً منه أنه قد أصبح الرئيس الفعلي للجمهورية، فقد ترك مكتبه في اليرزة (وزارة الدفاع) وانتقل إلى قصر بعبدا (مقر رئاسة الجمهورية).
______________________________________________

بعد ذلك بأشهر قليلة، وفي آذار 1989، شن العماد ما أَطلق عليه وقتها « حرب التحرير » ضد القوات السورية المتواجدة في لبنان وحلفاؤها وكان همه الأول هو تحقيق استقلال لبنان الناجز من الاحتلال السوري كما كان يعلن في كل مناسبة، كما شن أيضاً، في الوقت نفسه، « حرب الإلغاء » ضد القوات اللبنانية التي كانت تتشارك معه في السيطرة على ما كان يسمى وقتها « بيروت الشرقية ».
الدعم الأساسي، وربما الوحيد، الذي تلقاه العماد في حروبه تلك كان من نظام صدام حسين.
______________________________________________

في تلك الأثناء كان السيد عبد الحليم خدام، أحد أهم أعمدة النظام في سوريا، نائباً لرئيس جمهوريتها ومفوضاً من قبلها بإدارة « الملف اللبناني ».
وكان أن حصلت المواجهة بين الرجلين واستخدمت فيها كل الأسلحة بدون استثناء، العسكرية والمخابراتية والإعلامية والنفسية، وكل ما أمكن للطرفين استخدامه لأنها كانت حرب « كسر عظم » بينهما.
أثناء تلك الحرب المستعرة، كان السيد خدام يطلق على العماد لقب « الجنرال الصغير » ، وهو لقب ينم عن رأي خدام فيه كما عن أسلوب تعامله معه، وهو صحيح إلى حد ما (ولا زال حتى الآن!)، إذ لا يوجد أحد بين أنصار العماد، ولا خصومه، من يجرؤ على اتهامه بالحنكة والدهاء السياسيين!
كانت حرباً شعواء  امتدت زهاء عامين، لم تهدأ وتنتهي إلا بعد حصول توافقات إقليمية ودولية على إزاحة العماد عن قصر بعبدا، شنت على إثرها القوات السورية هجوماً كاسحاً مدعوماً بالطيران على معاقله، بما فيها وزارة الدفاع وقصر بعبدا، مما اضطره إلى الهروب والالتجاء للسفارة الفرنسية التي قامت لاحقاً بترحيله إلى فرنسا ومنحته حق اللجوء السياسي.
إذن تحقق الانتصار الكامل والناجز للسيد خدام على العماد في تلك المعركة الضروس وتم تعزيز الوجود السوري في لبنان بعد أن كان قد تم تقنينه باتفاق الطائف في العام 1989.
______________________________________________

من منفاه الباريسي الذي استغرق خمسة عشر عاماً، استمر العماد في سياسة العداء لسوريا ونظامها ولم يعدم وسيلة إلا واتبعها في ذلك، بل أنه وسّع نطاق نشاطه ليصل إلى الولايات المتحدة حيث كانت له صولات وجولات لدى كل من مجلسي النواب والشيوخ لاستصدار تشريع منهما ضد سوريا، ونجح فعلا في استصداره تحت اسم قانون محاسبة سوريا (The Syria Accountability Act) في العام 2003، ولا زال هذا التشريع ساري المفعول  حتى يومنا هذا!
أيضاً كانت له إسهاماته في استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559 للعام 2004، الذي قضى بانسحاب القوات السورية من لبنان (وتم ذلك فعلاً في العام 2005)، كما قضى، من جملة أمور أخرى، بتجريد الميليشيات اللبنانية (حزب الله) وغير اللبنانية (الفصائل الفلسطينية الموالية لدمشق) من أسلحتها.
نتيجةً لمواقفه تلك المناهضة للوجود السوري في لبنان، بل وفي سوريا نفسها، أصبح العماد عون رمزاً وأيقونةً لكل اللبنانيين، وغيرهم، ممن كانوا يحلمون بانسحاب السوريين من لبنان، ولهذا السبب حصراً أضحى العماد عون بطلاً قومياً، وعلى هذا الأساس بنى كل وجوده وأمجاده السياسية.
استمرت مواقف العماد على راديكاليتها تجاه سوريا، كما هي عادته في أي موقف يتخذه، وكان تياره « الوطني الحر » الذي تأسس في لبنان وضم أتباع العماد الذين تشاركوا معه في عدائه لسوريا، أحد أركان « ثورة الأرز » التي ضمت كل الأطياف اللبنانية المعارضة للوجود السوري في لبنان وعبرت عن نفسها في تظاهرات 14 آذار 2005 حيث كان العماد وأتباعه مكوناً أساسياً من مكوناتها.
______________________________________________

عاد العماد إلى لبنان في شهر أيار 2005 بعد انسحاب السوريين منه واستُقبِل استقبال الأبطال والفاتحين بعد أن استطاع أخيراً حسم حرب التحرير التي بدأها في العام 1989 لصالحه، وبعد نجاحه (الأممي) في استصدار تشريع محاسبة سوريا وقرار مجلس الأمن 1559.
لكن عودته اقترنت هذه المرة، على غير عادته، بخطاب (هادئ ومتزن) تجاه سوريا وباستقبال لافت للنظر من قبل مؤيدي النظام السوري من اللبنانيين!
بعد فترة وجيزة على عودته انسحب تياره « الوطني الحر » من تجمع 14 آذار تحت ذرائع مختلفة، منها اعتراضه على التحالف الانتخابي الذي تم بين بعض أقطاب تجمع 14 آذار وحزب الله !
بعد ذلك بدأ انعطافته واستدارته الإستراتيجيتين بتوقيع وثيقة تفاهم مع (عدوه اللدود) حزب الله  في شباط 2006، والتي أضحت لاحقاً عنواناً لمواقفه السياسية المستجدة والمنقلبة على نفسها، مع أن مفاعيل مواقفه السابقة (تشريع محاسبة سوريا وقرار مجلس الأمن 1559) لا زالت تشكل أهم العناصر الضاغطة في السياسة اللبنانية الراهنة ومصدر كل الانقسامات على الساحة السياسية اللبنانية حتى يومنا هذا.
توج العماد انقلابه على نفسه بأن أصبح أحد أركان تحالف 8 آذار والذي كان قد بنى كل وجوده السياسي على الصدام مع أهم مكوناته « حزب الله » ومن خلفه سوريا بالطبع، وجعل من نفسه لاحقاً رأس حربة في تحالف الأقليات الذي اجترحه النظام السوري منذ أكثر من ثلاثة عقود والذي يضم أيضاً نظام ولاية الفقيه الأصولي بفرعيه الإيراني واللبناني، وكان السيد خدام أحد مهندسي هذا التحالف كوزير للخارجية السورية آنذاك وكنائب لرئيس الجمهورية لاحقاً!
______________________________________________

على المقلب الآخر، كان السيد خدام مستمراً في موقعه ضمن النظام السوري يقوم بعمله كما ينبغي كنائب أول للرئيس السابق حافظ الأسد، وإثر وفاة الأخير عام 2000 قام بتأمين الغطاء الشرعي والدستوري والتوقيع على كل المراسيم التي ضمنت انتقال السلطة إلى نجله الثاني بشار (لولا وفاة نجله الأكبر باسل لما آلت السلطة إلى ولي العهد الثاني بشار!)، واستمر خدام في عمله كنائب لرئيس « الصدفة » الجديد حتى العام 2005.
قرب نهاية العام 2005، وفي الفترة ما بين انسحاب العماد عون من تجمع 14 آذار وانقلابه على نفسه كلياً عبر توقيعه على وثيقة التفاهم مع عدوه اللدود حزب الله، قام السيد خدام بإعلان انشقاقه عن النظام في سوريا وهرب إلى فرنسا، بعد أن كان قد قام بتهريب أمواله، ثم بدأ بإصدار البيان تلو البيان داعياً إلى إسقاط النظام، الذي كان أحد أهم بنّائيه، وكاشفاً عدداً من الأسرار « السطحية » التي في حوزته عن مثالب النظام المحلية والإقليمية والدولية والتي لا ندري حتى الآن مدى صحتها أو دقتها، إذ في اندفاعه العنيف للهجوم على النظام، مثله مثل غريمه الأبدي العماد عون، لا تتمتع الوقائع التي يوردها أي من الرجلين بالمصداقية الكافية لاعتمادها، وأصبح خدام من ألد أعداء النظام السوري وأشرسهم في الهجوم عليه، حتى أنه وصل في الفترة الأخيرة إلى المطالبة بالتدخل العسكري الأطلسي لإسقاطه!
______________________________________________

المفارقة المدهشة تتبدى في قيام الرجلين، كلُّ على حدة وفي وقت متزامن تقريباً، بالانقلاب الكليّ على نفسه وعلى تاريخه ومواقفه ومواقعه، وتبادلا موقعيهما بشكل مثير للحيرة بحيث احتل كل منهما موقع الآخر بسهولة وسرعة قياسيتين، مع الاحتفاظ بالراديكالية نفسها التي تميز بها الاثنان والعنف والقسوة  اللتان طبعتا أداؤهما السياسي.
لقد أضحى الاثنان وكأن كل واحد منهما مرآة للآخر يرى فيها ماضيه، أو يمكن أن يكوّنا أيضاً مثالاً فريداً للتوأم السيامي السياسي.
______________________________________________

أهي مفارقات القدر وسخريته معاً تلك التي قضت بأن يظلا بحالةٍ أبديةٍ من الصراع والاحتراب رغم التبدلات الدراماتيكية في موقف كل منهما، في الوقت نفسه تقريباً، أم أن توازع الأدوار قد فرض على الرجلين تلك المواقف المسرحية؟
وهل لا زال السيد خدام يرى في العماد ذلك « الجنرال الصغير » أم أنه بدّل رأيه فيه؟
وحبذا نعلم رأي العماد في نصفه الآخر!

* آرام الدمشقي: كاتب سوري



Inscrivez-vous à notre newsletter