عشت لاروي لكم طفولتي حماه 82 – *خالد الخاني

Article  •  Publié sur Souria Houria le 1 février 2013

الجزء السادس(قد تمت كتابته في تاريخ 6 تموز 2011)

ان شهادتي هذه, كتبت الاجزاء الاولى  تحت القلق والخوف من كل شيء وارسالها لكم لفضح جرائم النظام الفاسد 

والله كانت الحروف تتخلى عني ولغتي لا تسعفني واحيانا ابحث عن حرف اوجملة واحاول كتابتها فتفر هاربة خوفا من هذا النظام المستبد لاتعرفون كم جملة حذفت خوفا على اشخاص وكم مرة ترددت وكم مرة تلعثمت وكم مرة بكيت حتى السقوط واقسم ان بكائي لا يتوقف ابد وانا اكتب وايضا الذي كتب اخرجته قصرا من ذاكرتي وهو يحاول الهروب الى زوايا دماغي

على باب المستشفى الوطني هناك بقيت جثة ابي مرمية بين الجثث وروت لي الممرضة التي رافقته عندما كان مديرا  للمستشفى( بعد استجابة النظام لبيان مثقفي حماه وعينوه ايضا نقيب للاطباء وهو لم يكن بعثيا كنوع من البدء بتحقيق المطالب والخضوع الى الحوار واختياره هو وشخصيات من المجتمع المدني,وهذه هي المكيدة التي يستخدمها النظام اليوم ولنحذر ولنقرأه جيدا) 

الجرحى ينقلون الى المستشفى بتسارع لاينخفض ,وهذه الحادثة حصلت عند وصول جريح الى الاسعاف والذي جلبوه كانو يعتقدون ما نعتقد جميعا ادخل وهو يصرخ من الامه حتى سمع كل من بالمستشفى بصوته الذي لم يكن وحيدا ولكنه طغى على جميع الاصوات ,وصوته هذا كان اشارة للجنود الذين رابطو بالمستشفى للاجهاز على الجرحى لتأكيد ابادتنا, والم الجرحى يتناسب طردا ليس مع الاستجابة لتخفيف الامهم, بل مع شدة العذاب الذي ينتظرهم, التي روت: ان الجنود بموجة من الجنون وممرضة تبنت القتل معهم,شقوا صدره وهو يصرخ ويتلوى واخرجو قلبه ودماؤه غطت وجوههم وبذاتهم العسكرية حتى اسكتوه كما اعتقدوا الى الان والله انا صوته والمه وجسده حتى نكرمه كما يليق به كبشر, قتلوه وهم يحتفلون وهم ينتصرون على الانسانية, وهذه حربهم الدائمة واقسمت الراوية ان الممرضة المتحدة معهم اخرجت كبده واخذت تلوكوه وتبصقه وهي تعتقد ان الله تغيب عن المكان, والراوية لهذه القصة لسنوات وهي صامتة وبقيت هناك بنفس المكان ونفس الحضور والمشهد يتكرر عبر ذاكرتها ولم تتغيب عن هذا المشهد الى الان واخبرتنا ايضا انهم لم يسألوه عن اسمه وهم لايتبعون الاسماء ولايعرفون لغة الاطفال ولا لغة النساء او بالاحرى لايعرفون لغتنا ابدا بل يعرفون لغة القتل فقط.

في المستشفى شوهت الاجساد وغيرو من ملامحه وكانوا يرسمون بالدماء ويكتبون عباراتهم على الجدران كالااله الا الوطن ولا رسول الا البعث,شوهو الاجساد وقطعوا الرؤوس ليعبروا عن خوفهم من عقولنا(او ربما حتى يبقى الناس في دائرة الشك ولا يستطيعون تأكيد موت مفقوديهم او وجودهم مع المعتقلين في سجنون العصابة وهذه صورة عن ايلامنا النفسي الذي عملو على ان يكون مزمنا حتى الان, فا للان مازال الشك والرغبة ان يعود من ذهب الى هناك)   وكانهم يجردون الانسان على لوحة طغى عليها اللون الاحمر ويضعون من اسود قلوبهم ليوازنو فنونهم اللا بشرية, كان هذا رسما ونحتا وسينما ومسرح وربما شعر وموسيقى وتركو لي الرواية وتفوقوا على جميع من عمل فنا معاصرنا وقتها ولكن نسيو انهم يقتلون الانسان فهذه فنون القتل عند التتر, ايضا قاموا بجميع تجاربهم العلمية كادخال الماء اوالكحول الى الدم  ويرقبوا ماذا ينتج عن ذلك يالهم من علماء سبقو جميع العصور ثقبو الاذان وقطعو الاوردة والاعضاء التناسلية, قطعو الاصابع والاذنين وقلعو العيون وادخلو بنادقهم من جميع الفتحات واستخدمو السيانيد ونتائجه علينا(ساروي عن السيانيد لاحقا)كانو يريدون من الله ان يخلقنا بلاعيون او اذان او حتى قلب,لا بل كانو يردون الا يخلقنا ابدا

واذا كان الجريح من النساء كانوا اكثر سعادة لانهم يضيفون فنون اخرى يغتصبون امراة وهي تموت او وهي تنزف اويريحونها وبعدها تغتصب واذا كانت تملك حليا تنتزع منها بابشع الطرق كقص اليدين وشرم الاذنين والى اكثر من ذلك

في تلك المنطقة من العالم وداخل مدينتي كانوا قد عمموا على المشافي كما يحصل اليوم الا تستقبل الا الجنود ولم يستجيب احد لطلبهم, فدمروا جميع المشافي الخاصة ولم تسلم من همجيتهم أي واحدة,وسرقواودمروا جميع الصيدليات ..

بعد ايلامكن باخباري لكم ماحصل هناك في المستشفى الذي لم يتبقى منه الااسمه الذي لايليق بهكذا مكان او انه اجبر على ذلك بعد دخول التتر

ساروي شهادتي عن حميدو وربما جميع الناجين من حي البارودية يعرفون حميدو هذا الشاب المجذوب الذي فاق القتلة عقلنا وانسانية وحميدو كان هناك عندما بدأت مجرزة حماه ولن يتردد ابدا باعلان نفسه كمدافع عن مدينته المستباحة فحميدو يعرفه كل اهل الحي لانه كان كالساعة اذا اشرقت الشمس اطلق سرب حمامه نحو السماء ويتعالى صوت حميدو حتى يوقظ الجميع واذا غابت الشمس كان يودعها بصوته العالي وهو ينادي سربه ولم يتوقف عن اعلانه بين بيوت حي البارودية وهو جزء من ذاك العالم فحميدو موجود في البارودية حتى لو تغيب الجميع,في بداية الهجوم الليلي على مدينتنا لا اعرف اين كان هو ولكن في الصباح والرصاص يطلق من كل الجهات ونحن في بيتنا صعد حميدو الى سطحه منزله واطلق صوته وسرب حمامه الى السماء في حينها اختلط صوته مع صوت الرصاص ولم يكن صوتهم المعتاد كان اشبه بصوتنا جميعا,طيور حميدو تلف السماء فوق منزله وتحاول الهبوط خوفا من الرصاص وتاه بعضها بعيدا ولكن حميدو لم يته ابدا فكان يتحدى الرصاص وامه تناديه ولايسمع الا صوته ولاندري كيف كان يشعر حميدو واعتقد انه هو لا يدري بشعوره ولكنه وقف مع مدينته المستباحة وربما اطلق سربه علهم يفهمون رسالته ياله من انسان تعاظم بيننا وحرر ذاته وواجه القتلة وبقيت انا كل هذا الوقت حتى ارقى لما كان حميدو واخبركم عنه وكيف كان نضاله الذي لايشبه الانضاله,رأى الجنود حمامات حميدو فبدأوا يقنصونهم واحداة بعد الاخرى وحميدو يصرخ حتى السماء ويشيير لنا ان التتر لايترددون في أي شيء استمر بالصراخ ولم يستسلم ولم يسمح لطيوره بالهبوط على سطح منزله, بعض الطيور حطت على بعض المنازل وقتل الباقون لم يصمت حميدو وصعد الى المكان الذي تحط به الطيور ويبحث ويصرح ويواجه ولم ينحني ولم يختبىء كما فعلنا جميعا ولم يستسلم لصوت الرصاص

فهذا الرصاص خارج مدارات مسامعه حتى قنص حميدو من الجنود الذي لايقرؤن المشاعر ولايفهمون ماذا تعني الانسانية ولايحبذونها لانها لمخلوقات مختلفة .

صمت حميدو على سطح بيته ولكنه لم يصمت بذاكرتي وكانه اليوم يطلق الى روحي من جديد ماكان يشعر به في ذلك الفضاء والله جميعنا اليوم نشبه حميدو الذي اطلق اسلحته الانسانية ليوقف القتل وتنبىء قبل الجميع انهم سيبدون الطيور فذهب مع طيوره الى ما اراد وتركني احمل ماأراده لكم جميعا فاين الان انت ياحميدو لتعلنها حرية على طريقتك الخالدة في ذاكرة من تبقى من اهل البارودية

وفي وقتها علم جميع السكان ان حميدو يطير مع حماماته نحو السماء وكان من اوائل  الشهداء في حيينا …

ومن الاشياء التي حصلت هناك كان بين البيوت اسطبلات للخيول فجميع العوائل كان لديها خيولها التي كانت عرضا وشرفا ولم تصنف يوما عندنا مع الحيوانات فكانت تحمل بعض اسمائنا وفي هذا الوصف هناك ما لا ينتهي عن هذه العلاقة التي معها

بعد هروبنا الكبير من الحي بقي من بقي ورحل الاكثرية والذين بقوا روا لنا ماحصل بخيولنا هناك, وبعض الرجال قبل ان يغادور الحي اطلقو خيوله كما فعل حميدو وربما حميدو كان يريد من طيوره الابتعاد عن المكان او كان يحارب الاسلحة بطيوره الجميلة,.اطلقت الكثير من الخيول الاصيلة وربما هذه هي المرة الوحيدة منذ مئات السنين نتصرف بهذ الشكل الذي لايمثل دواخلنا ومشاعرنا اتجاهها .

بقيت خيول كثيرة في الاصطبلات وفتح لها مخازن الشعير ربما لتسطيع الاستمرار بالحياة وكان البعض يعتقد انهم سيعودن ليروها ثانية ولم يعرفون ان التتر لا يتركون شيئا ورائهم ولم يتركوا ارثنا الحضارية ولم يتركوا لنا عادات اجدادنا وكانو يعرفون رمزية الخيول لدينا …

لم يقتلوها فهم يعلمون بقيمتها الحضارية ويعلمون ايضا ان فقدانها يؤلمنا الى النهاية فهذا الذي يسعون اليه لم يروي جميع الناجين من اهل المدينة انهم رأوا بين جثثنا خيولا فقد حملها التتر الى مكان لم تكن به يوما واقسم اننا بعد انتهاء المجزرة وعودة الباقين الى المدينة بدأ اهل مدينتي يبحثون عن خيولهم كما يبحثون عن ابناءهم.فاذا ذكر لاحد انه شوهده خيلا جميلا في أي محافظة يذهبون ليتحققوا منها علها تكون خيولنا الجميلة, وعلمنا اننا لم نراها يوما ولم نجد اجابة أي ذهبت حتى خرج عليناالفارس الذهبي وقتها علم اهل حماه أي ذهبت خيولنا ولم يكن ابوه يوما فارسنا ولم يكن جده كذلك لقد تعلم الفروسية بخيولنا فهي تعلم من يمتطيها الاخلاق ايضا ولكن ليس الجميع يفهم لغتها والله واقسم انها لاتليق الابنا ولم تكن يوما فارسا ياباسل وماهكذا تكون الفروسية 

الجزء السابع

هناك في الموضأ تبادل الجميع همسا الاخبار, ويالها من اخبار كانت مليئة بالقهر والسحل والقتل والرصاص والدمار والاغتصاب والاعتقال واغرب ما فيها حليب الاطفال.

 روت احداهن عن ام حسين التي نضب حليبها ولم تعد قادرة على ارضاعه والذي لاذنب له الا انه ولد في تلك المدينة وذلك الزمان ,بعد نضوب حليبها لجأت ام حسين الى الماء والسكر لارضاع طفلها الجائع الباكي ليلا نهار,

 حاولت ذلك لعدة ايام حتى بدأ التعب والنحل على الطفل الباكي, وبكاؤه لايتوقف ابدا, لم يتوقف عن نداءاته لامه من اجل ذلك ولا ادري كيف كانت تقاوم الامها وخوفها من القصف والرصاص, يبدو انها خاضت معركة بين نفسها وبين حليب حسين او انها كانت تعتقد باقتراب نهاية المجزرة, حتى تطعم ابنها المسكين وربما اعتقدت انها مازالت تسيطر على سلامته واخيرا انتصرت امومتها على كل شيء بلحظة يقين تام,

 وغادرت البيت مسرعة والرصاص والقصف يتصاعد ويهبط وهذا ماكان دائما طيلة المجزرة التاريخية

ان الام لم تعد تسمع الا صوت طفلها الباكي والذي كان ممزوج باصوات المكان ولكن جميع الاصوات لم تصل الى قلبها سوى صوته المستغيث,لم اسمع ذلك الصوت بذاته ولكن سمعت موسيقاه كثيرا هناك…..

خرجت من منزلها وهي تصرخ وتنادي اهل الحي او على الاقل من بقي منهم حيا ..وهناك تحت هذا الدمار جف حليب الاطفال في الصدور, ولم تجد لحسين الا دموعها وعلمت ذلك بعد استجابة البعض الحي هناك, ومنهم من روى

تنقلت الام بين البيوت المهدمة ومنها الى الاحياء المجاورة وقصدت اقرب صيدلية وتخيلو مشاعرنا خلال طريقنا الى أي صيدلية, وروحنا كبشر وبشكل دائم تسبقنا الى هناك, وعقلنا يختار مانريد قبل وصولنا وغالبا مانفترض مسبقا اننا حصلنا على مانريد من الصيدلية,

 وربما مرة على الاقل وصلنا الى الصيدلية ولم نجد مانطلبه وياله من احباط

وصلت ام حسين الى المكان ولكنها لم تجد الصيدلية وبالنتيجة لم تجد حليب حسين, هذا احباط بائس بل كان موت مرير.

 وتابعت البحث عن صيدلية اخرى واخرى ,تابعت الصراخ ولا من مجيب حليب الاطفال والدواء ركبت سيارات الجيش ولا ندري اين جهة الرحيل

لم تستمع الام الى اعلان حميدو عندما اخبرنا ان التتر لايترددون بفعل شيء ويسرقون حتى رائحة الاجساد الحية وينشرون رائحتهم الكريهة في كل مكان

ناضلت الام واسرفت بالنضال وربما وعدت طفلها انها ستأتيه بما يريد, هي التي وعدت الله ان تفعل ذلك عبر حياتها وقبل ان يولد حسين…

 وهذا حال جميع الامهات,لكن قلبها اعادها اليه مسرعة وباكية ومحبطة منكسرة خائفة.

 واكثر من كل ذلك انها مشتاقة لحسين الباكي,في رحلة الذهاب والعودة تضاعف المها برؤية الاجساد مرمية وممزقة مفجرة مقطعة …..

عادت بشوقها الكبير,لم يخطر ببال الام الهروب خارج دائرة القتل, وهي التي اقتربت من اطراف المدينة ياله من جنون…

بلحظة دخولها الى منزلها النصف مهدم تزايد انتصار الرصاص على صوت طفلها وابقترابها اكثرمن حجرته كان انتصار الرصاص كبير, الى ان ادرك صمته العنيف, امام تزايد الرصاص لا ادري ان كان صمته يشبه صمت حميدو ايضا

لقد ارادوها حربا ضد الاطفال ,

ابتسم الطفل الباكي وترك المدينة المستباحة لنا

قرأت الفاتحة على روحه الطاهرة ولم تتوقف الارواح على الدخول تلك القراءة فقد كانت تتزايد بكل لحظة واخرى, لا استطيع ان احصر على من قرأت هناك..

ولم يتركو شيئا من عبثهم اللانساني, فقد اسكتم ذلك الطفل حينها الى النهاية, وهذا مايعتقدونه دائما, والله انهم يخافون من حسين اكثر ممايخافهم..

 وكنوع من الصدى اليوم وفي بداية ثورتنا المنتصرة تعالت اصوات اطفالنا بدرعا, كان بيان الحليب لاطفال درعا عندها حاصرتني هذه الذاكرة المؤلمة, وبقيت لايام اتوه وانجو قليلا من هذا العذاب, ولكنني اعرف هؤلاء القتلة عرف اليقين.

اخذت هذه الذاكرة تطرق على جدران رأسي وبيان الحليب يخنقني لاوقع عليه, ودام هذا الصراع والالم ومعرفتي المسبقة بهولاء القتلة وهم لايستحقون الرجاء.

 واكتشفت عندها بصياغة البيان اعتراف بهم كبشر, وانا لم ولن اعترف بهم يوما, ترددت وبكيت وكيف بي اوقع على بيان يخاطبهم كنظام, وانا لا اعترف بهم ابد واريد اسقاطهم منذ ذلك التاريخ موت حماه وابي و حميدو وحسين..

كانت ذاكرة حسين بحماه تخنقني من جهة وكان يقيني ومعرفتي يالتتر يضاعف اختناقي وانتصرت التجربة في رأسي ولم اوقع

ولم استنهض انسانية هؤلاء القتلة الغير انسانيين , وكيف بي ان اوقع بعد توقيعي على رحيلهم قبل ذلك, وربما وقعت وانا لا ادري, كانت معرفتي بهؤلاء المجرمين بمكانها ولم يستجيبو لاي نداءات واقسم ان هذا النظام بالمسمى فقط لايسحق المخاطبة اوالباسه ثوب الانسانية, ولقد اثبت ذلك بالثمانييات وباصراره الاكيد, وربما قبل ذلك بان الانسانية لم تمسهم يوما وثوبها اكبر من حجمهم الجرثومي

اعذروني واصفحو عني يا اطفال درعا

قاطعت احدى النساء كل هذا ببكاؤها المتعالي,

  حيث كانت تسكن منطقة وسط مدينة حماه وهناك عمارات وليس بيوتا عربية, دخل الجنود باقتحامهم العنيف لجميع الشقق ودخلو شقتها وفتشوا وكسروا ودمروا يبحثون كما يزعمون على السلاح, لم يجدوا سلاحا ووقتها لن يجدو ذلك, لاننا نعلم بعدم وجوده, لقد بثوا كذبهم وعمموه وبعدها صدقوه, واثناء تفتيشهم لبيتها وقبل هروبها الى شمال المدينة لنلتقي في الموضأ, سمع الجنود صراخ طفل صغير في الشقة المجاورة ركض الجنود الباسلين اليه مباشرة, وهنا اعتقدت كما يعتقد جميع البشر, انهم استجابوا لصراخه كنوع من الانسانية التي لم تصبهم يوما, كسر الجنود الباب وبدأوا يكسرون كل مافي الشقة, ولم يتوقف صراخ الطفل عن البكاء, يرتفع صوت الام وهي تترجى وهي تصرخ وتعالى صوتها وصوتهم بعدها سكت الجميع وبقي صوت الام تصرخ وتصرخ, هجمت الام عليهم…. هرب الجنود منها وكسرت بطشهم وموجة من الصراخ والبكاء والام تركض الى اسفل المبنى, لم يفهم الجيران ماذا يحصل…!!!! وبعد نصف ساعة من السكون المخيف عادت الام وهي تحمل ماتبقى من طفلها وعلمت الراوية ان الجنود كانو يطلبون من الام اسكات الطفل وحاولت ذلك لم يستجيب الطفل الباكي لتهدئة امه, ربما علم بوجودهم المقيت, كان يصرخ في وجههم ويتحدى اجرامهم ببرائته وطهره او قاومهم على طريقته ولكن الجنود الاوغاد لايفهمون لغة الاطفال ابدا..

قام احد الجنود باتنزاع الطفل من امه ورماه بكل اصرار من النافذة,

طار الطفل وبعدها اسكت,لا ادري كيف تعاملت الام مع هذا المنطق الاجرامي الغير متوقع, ولم يخطر ببال أي شخص في عالمنا ان يتصرف بهذه الطريقة حاولت الراوية مساعدة الام المفجوعة ولكن دون جوى لاتريد مغادرة المكان وعلمنا بعد المجزرة انها بقيت هناك لتلحق طفلها الى السماء, كيف استطاع ذلك المجرم ان يرمي بطفل بهذه الطريقة…؟ كيف..؟ كأن ترمي وردة من النافذة او ترمي عصفورا وانت تعلم انه يطير لم يكون ذلك الجندي غبيا بل كان مجرما بامتياز, يقتدي بقادته المجرمين,

واقسم ان هذا غيض من فيض حصل في حماه 1982

الجزء الثامن

لم اكن الشاهد الوحيد الذي نجى من تلك المجزرة ..

روى لي صديقي قصته ودائما نحن اهل اهل حماه نرتكز في تعارفنا على تلك الركيزة التي اصبحت جزءا من تاريخنا ولابد من التكلم على هذا الجانب كنوع من تقارب الافكار وتوحد الاحلام وتقاسم الالام

في  حي سوق الشجرة او سوق السجرة كما نقول له نحن بحماه

استيقظنا على اصوات المأذن تعلي كلمة الله اكبر حتى ايقظت خلايانا, مترافقة بطلاقات من الرصاص خرجنا مسرعين الى الشارع ,الناس تملىء المكان والمؤذن ينادي حيا على الجهاد, وهذا ليس بصوته المعتاد, لنتكتشف انها خدعة من القتلة ليجرونا الى مانقوى عليه, تم محاصرة الحي من جميع الجهات وبعدها بدأ القصف العشوائي, اه ياسوق السجرة ذلك الحي الجميل, حالة من الاربتاك العنيف تسيطر على الجميع واصوات السكان تنادي بعضها واصوات الانفجارات المتقطعة تنظم صوت الرصاص ولم اسمع هذا الالم الا هناك

بدا انقاذا الجرحى بما تيسر في اللحظات الاولى لعملية القتل المحتم علينا, اؤكد اننا كنا خائفين ولكن بعد ساعات اعلنا انفسنا لم يتبقى لنا الا انفسنا والله قبلنا لندافع عن كل شيء, الامر الغريب انني اصبحت كما يجب ان اكون, لم تخيفنا دباباتهم ولم يتجرؤا على الدخول الى الحي, علما انهم كانو باعداد كبيرة جدا لدرجة انه احدهم اذا رفع بندقيته سوف يصيب من بجانبه, تمركزت الدبابات عند حارة الجسر وشارع 8اذار الذين سنغير اسمه لاحقا, وفي شارع المغيلة وفي المحطة بجانب مسجد الشيخ محمد الحامد وعند نزلة السبسبي جاء بعض الشباب بعصي و سكاكين واسحلة صيد للدفاع عن الحي الجميل

متاريس ووحجارة واخشاب وكل ما يمكن الدفاع به عن النفس, وخلال اربعة ايام لم يستطع جنود الوحدات الخاصة للدخول لحيينا واكتفو بالقصف العنيف… واشتد القصف من الشوارع المؤدية الى سوق السجرة واكثرها شارع 8 اذار وهنا رمزية الكلمة المريرة

الناس حاولو التصدي للدبابات بصدور عارية وكانو يتسابقون الى الشهادة ويحملون المولوتوف, اشتهد الكثير من رفاقي وكانا نتسلل عبر الازقة الى شارع 8 اذار ويصعد اشجعنا الى برج الدبابة ويرمي المولوتوف داخل الدبابة وهذا يؤدي الى احتراقها وتتصاعد التكبيرات منا ونحن معزولين عن العالم الخارجي, وتقاسمنا الطعام والماء والدواء وكل شيء حتى الاباء وابينا جميعا الاستكانة وان ننحني امام هؤلاء القتلة …كنا نشعر بامان اكبر واكثر قبل مجيىء الجيش والامن والشرطة وصورتهم ماثلة امامي وامام الجميع انهم غزات لايفهمون اننا اخوة…..

في اليوم الخامس او السادس بعد القصف العنيف يتمركز الجيش عند مدخل حارة الجسر وسوق السجرة بدات عناصر الجيش للدخول للحي وبدا العقاب ومخبر الحي طارق ومازال مخبرا الى الان ,بعض الشباب الصغار السن كنوع من ردة الفعل المباشرة بعلمهم به وقبل دخول الجيش, ضربوه وتدخل وجهاء الحي وانقذوه وعفو عنه وطلبو منه ان يجلس في بيته فقط, والمفاجىء او الغير مفاجىء ان هذا الشخص الذليل عندما دخل الجيش للحي خرج مرة اخرى وانتقم من الجميع واخبر الشبيحة  باسماء حتى الذين خلصوه بانهم من حاولو الدفاع عن الحي…

كانت امي تطعم الجميع من الشباب الذين قرروا الدفاع عن الحي  ووقفو في وجه القتلة

 الحجة تخرج الطعام وهي التي ارسلت اولادها وارسلت كل شيء للوقوف في وجه الطغاة واتذكر انني كنت داخل المنزل دخلت الحجة وهي تبكي وسارعنا بالسؤال واخبرتنا ان احد الشباب اعطته تفاحة لياكلها ثم عادت وجدته قد استشهد والتفاحة في يده ولم يأكلها بعد وكانها تفاحة ادم التي ستعيده الى الجنة

بعد العصر والبيوت شبه مهدمة وسقوط الجرحى والقتلى لاينتهي…

دخل الجيش مثل الكلاب المسعورة وقذيفة سقطت امام باب بيتنا وحفرت حفرة كبيرة في الارض ولم تنفجر ولكن ادى ذلك الى عدم قدرتنا على فتح الباب الحديدي وذلك بفعل القذيفة, حاول الجنود القتلة فتح الباب ولم يستطيعو نتيجة التصدع وتهديد وسباب وهددو بتفجير البيت واخير فتح الباب ولا اعرف كيف ودخل 12 جندي (حماة الديار)اخرجو كل رجال البيت والحي الذي اعمارهم بين 17و50 وقالو لنا البطاقة الشخصية بيدك اليمن واليسار على الرأس والشتائم تزداد اكثر واكثر والنساء تبكي وتقرا سورة ياسين

في الشارع بدا الضرب من كل مكان واين ماكان وبعدها طلبو منا ان نكشف عن كتفنا الايمن ليروا علامات ارتداد السلاح لاكتافنا وصادروا ممتلكاتنة الشخصية ساعات وخواتم وكل مانحمل في جيوبنا ووضعوها في طناجر كبيرة واخبرونا اننا الى الاعدام رشا بالرصاص وصلنا الى بيت طارق وايدينا خلف ؤوسنا جلسنا القرفصاء وامرونا بالهتاف مثل ربك حافظ وتم الرفض من البعض ادى ذلك الى تتضاعف العقاب وبصدفة بجانب بيت طارق كان رجلا ملثما من القتلة عرف اخي وكان مساعدا بالمخابرات وقال له انا اعرفك وانقذني انا واخي من القتل ولا اريد الان ان افصح عنه الان, ولكن هذا لا يعني انه ليس مجرما ربما القدر تدخل حينها

 بعد فترة زمنية وضرب واهانات امر هذا الرجل من المخابرات النقيب من الجيش ان يعيدنا الى البيت ونحن عائدون الى منزلنا مرة اخرى نرى طارق ويقول للامن هذا ضربني وهذا سبني ولكن عنصر الامن لم يكترس لطارق المخبر وطلبو منا اخذ اغراضنا الشخصية من الطنجرة واعطونا الهويات الشخصية وعدنا الى البيت وبعد ربع ساعة او نصف ساعة لان الزمن بتلك الفترة ليس مثل ماعهدناه لقد تغير بالقدر حسب الحالة النفسية سمعنا صوت رصاص مكتوم وبعدها دوى انفجار كبير هز الحارة كاملة صعدت الى الطابق العلوي لاكتشف ان مايحصل في الحارة وكان الغبار والبارود يغطى الدرج تماما نظرت من وراء الشباك رأيت الدماء تسيل من تحت الباب المقابل لبيتنا لقد وضعو داخل الغرفة الخارجية من ذلك البيت اعداد كبيرة في تلك الغرفة وكان العدد يقارب الخمسة والاربعون انسان وفجروا الغرفة فيهم …..

 اخبرت اخي الاكبر وطلب مني عدم اخبار الحجة بهذا الشيء حتى لا يتسلل الخوف اليها وهي التي علمتنا الشجاعة واستمر اخراجنا وتهديدنا كل يوم مرتين من الشبيحة والجيش المهان واطلاق الرصاص من حولنا دائما للتخويف وسباب لاينتهي باقذر الالفاظ دام هذا الالم سبعة عشر يوما ونحن معزولين عن باقي المدينة لا اكل ولاماء ولا كهرباء وتقاسم من تبقى حيا في حينا عبر الشبابيك وعبر الاسطحة ماتوفر من طعام وحتى الماء وكانت حياة تقاوم الموت المحتم كل ثانية لم نشعر للحظة اننا امنين وضمن الكثافة العددية للجنود والشبيحة تم هناك انشقاق من بعض الجنود الشرفاء بالدبابات ولكن تم قصفهم مباشرة بالطائرات الحوامة وتم اخماد الانشقاق لا ندري كيف نصحو من هذا الكابوس وكانت الاتصالات مقطوعة تماما ولكن بالصدفة علمنا ان في احد المنازل على اطراف الحي يوجد تلفون مازال يعمل وذلك بشارع الزهراء ذهبت زوجة اخي  واتصلت بامها وكانت المفاجئة الام لم تصدق ان احدا مازال حيا في سوق السجرة طلبت المساعدة من امها التي لم تستجيب بالمرة الاولى وبعدها اتصلت بقريب لهم بدمشق كان ضابطا وجاء مع عناصره الى الحي لاخراجنا من حمام الدم ولعبة القتل الوشيك لم يتجرا الضابط مع عناصره الدخول الى الحي المهدم ورفض عناصره الدخول ايضا الجثث بكل مكان ورائحة الدم تصفع الادمغة اتصلو بنا عبر التلفون وقالت الام لابنتها انت تهزأين منا الجميع هناك فارق الحياة وطلبت منا الخروج الى خارج الحي خرجنا جميعا ورفضت الحجة الخروج من هناك واجبرتنا على الخروج وقالت سأبقى مع الاخرين الذين لم يخرجوا اذهبوا ولا تعودوا فهنا من بقي من نساء واطفال وهم بحاجتي اكثر منكم وكان اجدى بنا المغادرة السريعة وصلنا الى الضابط وجنوده وركبنا احدى السيارات المرافقة له وخرجنا من المدينة المستباحة وعبر الطريق رأيت الجثث تملىء الشوارع والخراب التام لحق بالمدينة وهذا ماشاهدته بطريق الخروج على الاقل وعند اجتيازنا الطوق العسكري والامني لم نستطع المرور بالسيارة الى ان ازاحو مدفعين من المدافع التي احاطت بدائرة حول المدينة

رأيت خيماعلى جانبي الطريق بكثافة لا اتخيلها الى الان وعندها غمرتني فرحة لم تدم الا لحظات اعتقدت ا ن اهل المدينة بخير وقد تم ايواءهم بالخيام ولكن اخبرني من معي بالسيارة ان الخيام تحتوي على الغنائم من المدينة المسلوبة من برادات وغسالات …الخ… ماتم سرقته من بيوتنا يالها من صفعة افقدتني عقلي وصلنا الى دمشق وبقيت هناك عشرين يوما وبعدها من دون علم احد عدت الى حماه بالباص الذي انزلني بداخل ساحة العاصي تجولت بالمدينة الدمار لايوصف والحرائق التي خمدت من نفسها ربما واغرب شيء رائحة كريهة سيطرت على المكان ليخبرني البعض انها رائحة الاجساد التي تم حرقها من القتلة وتجولت وتجولت…

 وهناك بشارع ابن رشد تم حريق الناس بالاقبية بعد اجراء تجارب السيانيد عليهم وحرقهم الى الان ومازال ذلك مستمرا بادمغتنا

22-08-2011

* فنان سوري



Inscrivez-vous à notre newsletter