في القيل والقال المسيحيون والطائفية في تصريحات « فيديس » – الأب اليسوعي ماريو زيناري

Article  •  Publié sur Souria Houria le 2 avril 2012
شائعات 
رداً على ما جاء من تصريحات صدرت عن وكالة « فيديس » الفاتيكانية (21 آذار)، ونفياً غير مباشر لما سبق أن جاء على لسان الراهبة أغنيس الصليب وغيرها، أكد القاصد الرسولي في دمشق، المونسنيور ماريو زيناري، لوكالة « آكي » الإيطالية (23 آذار)، أنّ مدينة حمص لا تخضع لعمليات تطهيرٍ طائفي. وأشاد القاصد الرسولي في السياق هذا بجهود من بقي من أهالي المناطق المسيحية في حمص من أجل مساعدة النازحين الوافدين من المناطق الأخرى. من جهتها، أنكرت « كتيبة الفاروق » في بيانها الصادر في 22 آذار التهم التي وجهتها إليها « فيديس »، التي ادعت ارتباط الكتيبة بتنظيم « القاعدة »، متهمةً إياها بتهجير 90 في المئة من مسيحيي حمص (أذكُر هنا ما جاء في البيان بغض النظر عن موقفي الذي يرى أن المقاومة العسكرية لا يمكن أن تشكل حلاً للأزمة السورية). وذهب البيان أبعد من ذلك ليؤكد ما يأتي: « أما بالنسبة إلى إخواننا أبناء الطائفة المسيحية الكريمة، فهم يشاركوننا الشعور نفسه تجاه النظام، إن لم يكن كلهم فأغلبهم، ويمدّون لنا يد العون، فالكثير من عناصر الكتائب يتداوون عند أطبائهم وممرضيهم، والكثير من المساعدات الإنسانية تصلنا عن طريقهم ومنهم ». لكن، ومن دون الوقوع في مثالية ساذجة، أكد البيان وجود « شبّيحة » مسيحيين، وضرب لقارئيه أمثلةً عن « مسيحيين » ساهموا في قتل المدنيين. بالطريقة هذه، يؤكد بيان « الفاروق » رفض تبسيط الواقع إلى لون واحد، أبيض أو أسود، فالمسيحيون، بحسب البيان، منقسمون سياسياً في مواقفهم، كغيرهم من أبناء الطوائف الأخرى. هكذا، يرفض البيان اختزال طائفة ما في موقف سياسيٍّ موحّد. لكن، في المقابل، يجب علينا عدم الدخول في تبسيط ساذج مضاد، ينفي التوتر الطائفي المتفشي في بعض المناطق، ويتجاهل ما عاناه بعض السكان من مضايقات بسبب انتمائهم الديني.
أخطار
هنا، يرسم البيان الخطر المحدق بنا: « الجهة التي افترت علينا… تهدّد الوحدة الوطنية التي يعيشها مسيحيو الشرق مع إخوانهم من باقي الطوائف ». نعم، تشكل التصريحات غير المسؤولة التي نشرتها وكالة « فيديس » تهديداً اجتماعياً للوحدة الوطنية في سوريا، لأنها تجرّد الثورة جزافاً من خلفياتها السياسية والمجتمعية التي أدّت إلى اندلاعها، من قهر وفساد وطغيان، لتصوّر الحراك على أنه مجرد صراع طائفي بين غالبية دينية وأقلية حاكمة تحمي ما بقي من الأقليات في سوريا! هكذا، توفّر التصريحات هذه (وما شابهها من تصريحات صدرت عن رجال دين من طوائف أخرى) المناخ المناسب لتفشي الطائفية من خلال إسرافها في ثقافة الشائعات.
رجاء
إضافةً إلى هذا التهديد الاجتماعي، تدخل التصريحات هذه في حالة من التضاد الصارخ مع الذات، حيث نراها « تدافع » عن المسيحيين، من جهة أولى، لتناقض مبدأ « الرجاء »، الذي يكوّن العمود الفقري للاهوت المسيحي. من جهةٍ ثانية! يقوم الرجاء على رفض الانغلاق على الذات، وعلى الإحجام عن « أبلسة » الآخر، من خلال تأكيد بقعة الضوء التي لا يمكن إزالتها على الرغم من سواد المشهد. هنا يقوم الرجاء مثلاً على جمال هؤلاء الشبان والشابات الذين يغامرون بحياتهم لإيصال المساعدات إلى كل محتاج، بغض النظر عن دينه أو موقفه السياسي! يقوم الرجاء على تلك الشبيبة التي جابت شوارع المدينة في أيام الأعياد، لتوزّع الهدايا في جوارب أطلق عليها اسم « جوارب الحرية »، وكُتب فيها: « أردناها دولة عدل وكرامة، دولة القانون، دولةً مدنية نتساوى فيها جميعاً. أنا شابٌ مسلمٌ أمسك بيدك الطاهرة لنبني وطننا ونمحو تخلف الماضي ». يقوم الرجاء على هؤلاء الشبان والصبايا الذين سيبقون من دون اسم، لأنهم حملوا إلينا نفحةً من سماء ورحلوا من دون أن يتركوا لنا عناوينهم، مخلّفين وراءهم كثيراً من الحب.
أمنيات
لهذا، كان بالأجدر لمن أدلى بمثل هذه التصريحات التي صدرت عن « فيديس »، أن يطالب النظام بفتح الباب على مصراعيه أمام الصحافة العالمية، بدلاً من الدخول في ثقافة الشائعات القاتلة والتعميمات المبسّطة، بعيداً من الإعلام الرسمي وكذبه، ومتجاوزاً إعلام المعارضة الذي لا يزال غير قادر على توثيق ما يجري من انتهاكات من بعض الأطراف. لذا كان بالأوْلى أيضاً لهؤلاء أن يطرحوا الأسباب الموضوعية التي أدت إلى اندلاع الثورة في سوريا، وتحليل رد فعل النظام الوحشي في التعامل معها، بما أدى إلى تدهور الأوضاع وصولاً إلى ما نعيشه اليوم، بدلاً من الاستسلام إلى الخوف على الذات من « البعبع » الإسلامي المرتقب، ومقارعته بتطرّف آخر! نعم، هناك حالات طائفية بشعة تنتشر اليوم في سوريا، وهناك شائعات تعزّز من خطورة الحالة، لكن هناك أيضاً رجال ونساء يقاومون التشدد بطريقة حياتهم وبأعمالهم، وتقع على عاتقنا جميعاً مسؤولية مساندتهم!
المصدر: http://www.annahar.com/article.php?t=adab&p=3&d=24693
 (راهب يسوعي من سوريا)


Inscrivez-vous à notre newsletter