لا اعرف ماذا اصابني اليوم…؟ – رسالة من خالد خاني الذي غادر سوريا منذ بضعة أيام

Article  •  Publié sur Souria Houria le 1 février 2013

لا اعرف ماذا اصابني اليوم…؟
ما عدت أريد التواري وسوف اذهب الى مرسمي، والى كل التظاهرات،. لم اعد استطيع ان اخفي هويتي أنا الفنان الذي تحول الى ثائر منذ وقفة السفارة الليبية. وتحولي هذا ليس له علاقة بذاكرتي البعيدة في حماه عن مقتل أبي ومقتل مدينة طفولتي واغتصاب نسائنا وسجننا وقصفنا وقهرنا وتهجير من بقي منا الى الريف ليتسنى لهم تغطية جرائمهم. اقسم بالله انني لست حاقداً أو طالباً للثأر ولكني مع القصاص العادل. حزني الآن له علاقة بمشاهداتي اليومية لما يحصل من حولي.  نتظاهر فيطلقون علينا الرصاص، نشيع فيمطرونا بالرصاص، نعود لنشيع يردون بنفس الطريقة. وهكذا. نجلس في بيوتنا، فيكسرون الابواب ليعتقلوننا ويخيفون امهاتنا..
إذا لم اقتل انا فسوف يقتل غيري؛ اقسم بالله اني احب الحياة ولكني احب العدالة اكثر. ارجوكم، اخبروني ماذا افعل. لا اعرف ماذا اصابني اليوم…؟ تذكرت اليوم، أكثر من أي يوم، تذكرت أبي. أبي كان طبيب عيون في حماه. لم يكن من جماعة الاخوان المسلمين لكنه انحاز لاهل مدينته المستباحة. صدقوني، ونصف اهل حماة يشهدون على ذلك، لقد قلعوا احدى عينيه وهو حي ثم قتلوه ومثلوا بجثته أشد تمثيل. لما دفناه وكنت صغيراً  أذكر أنه كان بلا عيون. في شباط 1982 كان عمري 6سنوات وكنت في الصف الأول ابتدائي وقد انتهينا من الفصل الاول وكانت عطلة الربيع، ويا لها من عطلة. ليلاً ونحن نيام نسمع اصوات مدوية تكسر صمت المكان وتحول الطمأنية الى هلع قاتل، فيما ارتباك كبير يبدو على عمتي التي ربتني وانا انام بقربها لأملأ فراغ الأمومة لأنها لم تتزوج ابداً، وكانت تعيش معنا في بيتنا الجميل المؤلف من طابقين كبيت عربي تقليدي. باقي اسرتي وابي وامي ينامون في الطابق الثاني، بعد هذا بلحظات أسمع اصوات اخوتي وابي وامي تعلو وهم ينزلون الدرج ويدخلون غرفة عمتي، فيما يتصاعد اطلاق الرصاص أمي تقول لأبي (الم اقل لك ان نبقى في المزرعة)، هذه الجملة لم تفارقني لسنين طويلة وانا افكر بها وتؤلمني فكرة ان أبي لم يبق في المزرعة، بقي الأمر حتى كبرت وسامحته وقلت إنه القدر.
صوت الرصاص بدأ يملأ الحياة، كنت أسمع أزيزه للمرة الأولى، الصوت يرتفع أكثر، ثم بدأ صوت الانفجارات ومرت الساعات وبعدها بدأنا نتعود على هذه الاصوات، يمر الوقت ويبدأ بعض الجيران بالتوافد إلى بيتنا. فوضى عارمة في كل مكان، اطفال يبكون، ونساء تقرأ القران وقلق كبير، هذا الوضع استمر ثلاثة ايام، وبعدها سمعنا صوت انفجار كبير، قال أبي إن قذيفة أصابت الطابق العلوي، واهتز البيت كما ملأ الغبار رئتي كمثل ما ملأ المكان وتعالى صوت النساء يقرأن سورة ياسين، فيما ارتفعت وموجة بكاء حاد.
قال ابي، يجب أن نغادر المنزل باقصى سرعة، خرجنا وبدأ الناس بالتجمع والصراخ،. كان الذعر يسيطر على كل شي، دخلنا الى بيت احد الجيران ومن ثم الى قبو مظلم اعتقد رجال الحي انه اكثر امناً من غير أماكن، وكان العدد اكبر من المكان. وبقينا ثلاثة ايام والرصاص لايتوقف أبداً بعدها تندفع قذيفة مدفعية تهز كل شي، وسورة ياسين ترتفع حتى السماء، وقذيفة ثانية وثالثة المكان في اهتزاز دائم، فيما لم يصب احد من الذين كانوا في القبو، ولكن كثيرين من أهل الحي ماتوا واصيب الكثيرون، والطبيب الذي يسكن الحي انقذ من استطاع انقاذه. بقينا في القبو حتى هدوء القصف والرصاص، اخرجونا وقالوا يجب المغادرة باتجاه احياء اكثر أمناً، لم يعرفوا حتى هذه الساعة انهم كانوا مخطئين ولم يخطر ببالهم انها كانت حملة ابادة جماعية. خرجنا مسرعين باتجاه سوق الحاضر لنعبر الى الأميرية وصلنا الى شوارع كان علينا ان نعبرها زحفاً لوجود قناصة في كل مكان، بعد وقت صعب وصلنا الى حي الاميرية عندما قطعنا الشارع الأخير زحفاً كان ابي يساعد عمتي المرأة الكبيرة وانا ملتصق بها تماماً، عبرت امي واخواتي مع الجميع وبقينا نحن الثلاثة، حينها طلب مني ابي ان الحق بالجميع، فرفضت لاني كنت اريد ان اظل مع عمتي التي ربتني، ولكنه اجبرني على اللحاق بأمي والآخرين وبقي هو مع عمتي وهذه كانت آخر مرة أرى فيها ابي حياً. في حي الأميرية تابعنا البحث عن ملجأ يحمينا، وجدنا قبوا مكتظا بالناس، لم يستطيعوا ادخالنا لأن عددنا كان كبيراً جداً (معظم سكان حي البارودية)، ولكنهم ادخلو ابي وعمتي، فهم اثنان فقط. في ذلك الملجأ في الأميرية اعتقل ابي وبقيت عمتي التي رأت وأخبرتنا بما حدث. تابعت مجموعتنا الطريق باتجاه شمال الأميرية ووجدنا هناك ملجأ كبير يتسع للجميع وبقينا داخله يومين قبل وصول الجيش العربي السوري. عندها تحول الملجأ الى معتقل، حيث اخرجو جميع الرجال والشباب من المكان، واعدموا بعضهم مباشرة عند الباب، واعتقلوا الشيوخ كبار السن. بقي في المكان النساء والأطفال، البعض يبكي والأكثرية يرددون بعد مجبرين تحت التهديد (« بالروح بالدم نفديك ياحافظ »، « يا الله حلك حلك يقعد حافظ محلك »، للامعان في مهانتنا). ثلاثة أيام سجنونا وقتلوا من شاؤوا، اقسم بالله من دون طعام، رائحة المكان أتذكرها جيداً،. كانت لاتطاق ودائما ما كنا نسمع اصواتا صراخ خارج القبو، اغتصاب نساء وتعذيب لايمكن لي اليوم ان اصفه أو أتذكره إلا ويؤثر بي. لقد كان مع بعض النساء سكاكر وشوكولا، وقبل ان يأخذوا الرجال احضر احدهم خبزا وزيتون تقاسمنا كل شي كميات لاتكفي لرجل واحد؛ في هذا الوقت كانت النساء تقرأ القرأن من دون توقف ولكن بصوت منخفض. وبعدها فتح الباب وطلبوا منا الخروج لأنهم قالوا سوف نقتلكم وبدأنا نهتف بروح بالدم نفديك….الخ، عندها قالوا يجب أن نذهب باتجاه طريق حلب والاتجاه خارج المدينة،. سرنا نرفع ايدينا ونحن نردد ما طلب منا، منظر لا يعقل. المكان مليء الجثث، وهي منتفخة، والدماء سوداء، ونحن من شارع الى آخر، الجثث والدمار في كل مكان. تقدمنا حتى وصلنا الى جامع عمر ابن الخطاب (الذي تسمعون عنه اليوم والذي بدأت فيه الآن التظاهرة للمطالبة بالحرية). كان الجامع مدمراً، لم يبق فيه الا الموضأ، كان فيه بعض عناصر الجيش اخافونا بتوجيه اسلحتم علينا، فانبطح الجميع أرضاً، وبعدها ادخلونا الى الموضأ واغلقوا الباب بإحكام، بعض النساء قلن لعناصر الجيش اقتلونا ودعوا الجميع يخرجون من المدينة ولكنهم رفضوا. عند دخولنا الى الموضأ وجدنا خبزاً عفناً هجمنا عليه وبدأنا بالأكل.. وهناك وجدنا ايضاً تمثالين صغيرين من حمام الزينة الأبيض، لا اعرف لماذا كانا هناك، ولكنهما بديا لي على انهما مؤشراً لبداية الخلاص من حمام الدم. بقي الباب موصداً لمدة يوم ونصف بعدها القيت خطبة من احد الضباط قال فيها « التي لها زوج أو أخ او ابن أو أب وتنتظره، فلا تنتظره لأنه لن يخرج حياً ابداً و لن يعود ». اطلقونا باتجاه حلب، مشينا اكثر من عشرة كيلومترات نسابق الزمن ونحن حفاة نبكي والنساء تقرأ القرآن، واذا سمعنا اطلاق رصاص مباشرة كنا ننبطح جميعاً حتى وصلنا الى النقطة التي سمحوا فيها لأهالي القرى الوصول اليها لمساعدة الناجين. ماذا أقول… اقسم بالله، هذا غيض من فيض. بعد وصولنا إلى الأطراف الشمالية لمدينة حماه وكنا حفاة وملابسنا متسخة ورائحة البول تطغى على المشهد، استقبلنا اهالي الريف وركبنا سيارة شحن كبيرة وتوجهنا الى القرى..  وتركنا هناك وراءنا في مدينتنا صوراً و قصصاً مؤلمة. .  كان بحينا بالبارودية إحدى جاراتنا لديها شابان أحدهما من ذوي الاحتياجات الخاصة والآخر سليم،. وعند هروبنا الكبير والحي يقذف من مدفعية الجيش السوري (لا اعرف اذا كانت « سرايا الدفاع » أم « الوحدات الخاصة »، ام الإثنان معا) أصيب الشاب ذو الاحتياجات الخاصة بحالة هلع ورهاب وفزع، لم يستطع معها رجال الحي إخراجه من المنزل، حتى تستطيع عائلته الرحيل معنا. وقفت أمه أمام بيتها وطلبت من الجميع وهي تلوح بيدها الاسراع بالرحيل، وهي تقول « لنا الله، لنا الله » وكررتها كثيراً، حاول احد رجال الحي اقناعها وطلب منها ترك ابنها والذهاب معنا هي وابنها السليم فرفضت ذلك، وقالت « أسرعوا ارجوكم، فهذا قطعة من قلبي ولن أتركه ». بقيت الأم مع ولديها وبعض الشباب الشجعان من اللجان الشعبية.. الأم التي تحولت إلى شاهد في ذاكرتنا أخبرتنا لاحقاً إنه وبعد انتهاء المجزرة دخل عناصر الجيش بكل عتادهم الى حينا وفتشوا جميع المنازل وبدأت قوات الجيش بجني غنائم الحرب. دخلوا الى بيتنا الجميل وكل بيوت الحي وسرقوا كل شي يهمهم. قالت المرأة إن سيارات الجيش بدأت تحمل الاغراض وبالذات التحف الغالية الثمن، وجميعنا نعرف ان رفعت الأسد يهتم بالتحف الفنية ومارس هوايته بأبشع الطرق. وتروي السيدة بأنها اخبرت الجيش عن سبب بقائها مع ابنها المريض وسألها الضابط عن مكانه وكان الشاب المريض مختبئاً ومن الصعب التفاهم معه،. اوعز الضابط الى جنوده بالبحث عنه حتى وجدوه وسحلوه أمام امه هو واخاه المعافى، وقالوا لها وهم يضحكون اختاري احد ابنائك فهو لك وسوف نقتل الآخر… أبت الام الاختيار بين ابنائها وهي تبكي وتقبل قدمي الضابط وتترجاه، وتقول « اقتلوني انا ودعوا اولادي ». « شهامة » الضابط كانت سريعة، حيث سحب مسدسه وأطلق النار على ابنها المعافى، فوقع على الارض شهيداً من اجل اخيه من ذي الاحتياجات الخاصة. وقفت الأم تبكي فوق ابنها فسحلوها مع ابنها المريض ووضعوها بسيارة عسكرية وأخبروها انهم سيفجرون الحي بكامله، وهذا ما حصل. عندما عاد بعض الرجال بعد انتهاء المجزرة لم يجدوا حي البارودية كان قد دمر تماماً، عن بكرة أبيه. دُمِّر الحي تماماً هذا، ما قاله لنا خالي لاحقاً بعد أن تسلل إلى المنطقة بحثاً عن بيتنا. ذهب ليبحث عن صندوق الحديد الخاص بأبي. وبعد ساعات، وبمساعدة الجرافات، وجد قطعة حديد صغيرة. لقد سرقوه بعد تفجيره وهذه صورة عن إصرارهم على سرقة كل شيء،. عاد خالي لأمي بسجادة كان الجنود أطلقوا عليها الرصاص وثقبت، وهذه السجادة مازالت موجودة عند أمي الى اليوم، ذكرى لنا ولها من بيتنا الجميل الذي يحمل في ضميرنا صورة والدي. القصص التي رويت لنا من الناجين عند هروبنا الكبير من مجزرة حماة كثيرة. منها قصة عائلة مؤلفة من أب طاعن بالسن ومريض وله ابن شاب صغير كان عمره يومها ١٥ سنة، وهو الذكر الوحيد لهذه العائلة بعد ثلاث بنات. روت الام بعد المجزرة أنه بعد مغادرة اهل الحي امطرت مدفعية جيش الأسد الحي بالقذائف بشكل مكثف حتى تأكد الجيش من عدم وجود احياء في البارودية. دخل الجيش ووجد هذه العائلة مع الأب المريض. الضابط سأل الأب عن سبب عدم هروبهم مع من رحلوا من المدينة، وقال له هل تريد ان تقاوم؟ فأجابه الأب أنا لا علاقة لي بالمشاكل ومريض ولا أستطيع حتى المشي، وهذه عائلتي بقيت لترعاني.
في ذلك المنزل ضحك العسكر من كلام الأب العاجز، فيما الضابط طلب من الفتيات أن يخلعن حجابهن ليتأكد انهن نساء ولسن رجالاً. رفضت الفتيات القيام بذلك، وبدأن بترجي الضابط بعدم اجبارهن على ذلك، ولكن الضابط اصر على ذلك كنوع من الاذلال للعائلة. بعدها بدأ الضابط بمفاوضة الأب بكل سفالة أن يتركه حياً شرط أن يوافق على اغتصاب إحدى بناته. بكى الأب وثار في وجه الوحشية وتبعه ابنه الشاب فقتلوهم وامعنو ا بتشويه جثتيهما أمام الجميع، وقاموا باغتصاب واحدة من الفتيات وبعدها اخرجوهم بسيارة من الحي.. والفتيات الثلاث تزوجن وعندهن اليوم اولاد، وهن لا يتكلمن عن ذلك اليوم الأسود.
في حماه كان الألم كبيراً لنا جميعاً من كل الفئات والانتماءات، كل الألم تقاسمه أهل المدينة سواسية من دون تفرقة، عشنا مرحلة سوداء من دون أن نعرف أن هذا الأمر سيظل كالسكين يقطع في ذاكرتنا، يخفي دموعنا ويمحوها أحياناً. نعود الى الصور التي رأيتها عند هروبنا من القبو الى جامع عمر بن الخطاب. كنا نسير في الطرق وكانت الجثث ملقاة في كل مكان، واخص صورة انطبعت بذاكرتي لم أعد أعرف ان كانت رويت لي في طفولتي أم رأيتها بعيني، ولكن ما أعرفه أنه لا يمكن محوها أبداً، في الساحة المقابلة للجامع رجل ربطت احدى قدميه بسيارة وكأنه ربط بالمقابل بشيء ثابت وتم شقه الى نصفين حتى الصدر. وصورة أخرى رأيتها هذه المرة بأم عيني، جسد مرمي على الاسفلت في نفس الساحة، الجسد سليم ولم يتضرر ابدا، ولم ينتفخ وكأنه مات قبل مرورنا بقليل، حيث دهس رأسه بدبابة وظهرت علامات المجنزرات وشكات اثلاماً في الأرض. وصورة اخرى لإمرأة قطعت يداها من المعصم، وانا كطفل لم استطع تفسير السبب. ولكن الجميع فسّر المشهد بأن العسكر أرادوا سرقة أساورها الذهبية التي علقت بيديها.
هذا جزء مما رأيته في طفولتي.
ونعود الى الهجرة الى الريف، ركبنا سيارة شحن. أمي بجانب السائق، ومعها باقي اخوتي وانا وأحد اخوتي في الخلف. كانت هناك هدية من السماء حيث وجدنا علبة « تونا » ونحن نتضور جوع لا يحتمل، بدأنا ضرب العلبة محاولين فتحها بكل الطرق، ولم نستطع ذلك حتى وصولنا الى القرية. خرج الناس من بيوتهم جميعها وجلبوا لنا الطعام لنأكل، وبقينا انا واخي كطفلين مصرين على فتح هدية السماء. أخبركم أن هذه الحادثة تطفو بذاكرتي كلما سمعت بكلمة « تونا » أو رأيت او شممت رائحتها الجزء الثالث بعد هروبنا الكبير من مذبحة حماه التي لاتشبه الامذبحة حماه بتاريخ البشرية,والصور والاصوات ورائحة الدم وطعم الخبز العفن واصوات النساء وهي تغتصب واصوات الرجال والاطفال وهي تصارع الموت بعد رميهم بالرصاص ودمار مدينتنا وكأن زلزال قد اصابها
وصلنا الى نقطة اللا عودة, واتجهنا الى الريف حفاة ونصف عراة لقد هجرونا من منازلنا الدافئة وقتلو من قتلو وبدأت الرحلة الاكثر ايلام من الذي سبق تم استضافتنا بقرية بمنتهى الحفاوة والتكريم وهذا اذا دل فانه يدل ان كل الشعب السوري يعرف بكذب النظام الفاسد وبقينا مهجرين في هذه القرية واكملنا الفصل الثاني بمدرسة القرية ولن نعود الى المدينة ابدا فقد استشهد ابي ودمرت وسرقت جميع ممتلكاته وبقينا حتى بداية عام دراسي جديد عدنا الى حماه وسكنا في بيت لاحدى خالتي كنوع من الاحتضان وتقاسم الالم وعندها استطاع احد اقرباؤنا ايجاد عمتي التائهة بالقرى ولا نعرف عنها شيء واتذكر عندما رأيها لم اتوقع ان اراها بهذا الشكل كانت كالملكة وتغير كل شيء, احتضنتها لساعات انا واخوتي وامي وجميعنا نبكي كموجة من هستيريا الواقع,روت عمتي عندها كيف اعتقل ابي في الملجىء الذي مررنا عليه ولم تراه ابدا بعدها وعلمت من بعض الناس عن استشهاد اخيها,بكينا وبكينا واصبحت عادة في حماه الناس عندما يزورون بعض يبدأون بالبكاء قبل السلام عندما تلتقي وجوههم,البيت الذي نسكن به كان يضم كل من ليس لديه بيت لسنوات فقد دمرت احياء كاملة كالبارودية والكيلانية والزنبقي والشمالية و..الخ ولم يبقى بيت بحماه ليس لديه شهيدا ومعتقل وهذا على الاقل .. ذهبنا الى مدارسنا بعد معاناة كبيرة وقهر وذل وجوع..الخ واقسم لكم ان الصف الذي كنت فيه (الثاني الابتدائي)لايوجد سوى طفلين ليسو ايتاما فتخيلو ماذا فعلو من اجل مستقبلنا وكم عانينا لنتجاوز ازماتنا الداخلية ولم نتجاوزها حتى الان بعدها كرس النظام وهو لايستحق كلمة نظام عذابات جديدة لم يتوقف عن الاعتقال الجيل الذي اكبر مني اذا كبر قليلا اعتقل وغيب الى الان والاسماء معروفة عند جميع اهالي حماه ولتزيد العصابة من عذابات اهالي حماه ولتسبت اننا مهانون ومدعوسون
بدات هذه العصابة باطلاق بعض السجناء الذي لم يتم تصفيتهم في سجن تدمر بالمناسبات الوطنية التي تعنيهم ولاتمت بصلة الى افعالهم كالحركة التصحيحية وميلاد الحزب …الخ وتعود اهالي حماه على ذلك عبر السنوات فكل مناسبة من هذه المناسبات يخرج اهالي حماه الى المدخل الجنوبي للمدينة اي طريق حمص والمشهد هناك كالتالي نساء واطفال ورجال وكل اهالي المدينة يوقفون الباصات والسيارات القادمة من حمص ويبحثون ويصرخون كل باسماء مفقوديه وبكاء لايتوقف ويستمر هذا المشهد طوال اليوم حالة من الفوضى والقهر والبحث عن مفقودين بطريقة لا تمت للعقل بمنطق واحيانا يجد بعض الناس مفقوديهم ربما ثلاث او اربعة وتعود المدينة بأكملها مكسورة الخاطر من دون اي صوت ليعبروا عن الالم الذي بداخلهم والذي يجدون سجنائهم لن يكونوا اكثر حظا من الاخرين فمعظم الناجين من السجاء لا حول ولا قوة لهم واقسم انهم يكسرون القلب اكثر ممن ماتوا, ولنا معرفة برجل خرج من السجن وذهبنا لاستقباله والحمد للله انه كان بحالة جيدة ذهنيا لانهم اخرجوه من سجن تدمر وانعشوه بسجن صيدنايا لمدة ستة اشهر قبل اطلاق سراحه واقسم ان هيكله العظمي كان ظاهرا تماما ولونه الابيض لايشبه لون البشر ابدا فانه لم يرى الشمس لسنوات وروى لي كل شيء عن سجنهم بتدمر واحداها واغربها ان سجين من الذين بمهجعه بداءت علامات الزائدة الدودية تظهر عليه وعانى من الالم لايام وهم يعرفون انهم لايستطعون طلب المساعدة من السجان الذي يطل عليهم من فتحة بسقف المهجع واذا طلبو واعلموه بالالام صديقهم فحلهم الوحيد هو تصفيته بمنتهى البساطة بعدها قرروا ان يجرو له العملية داخل المهجع ويصمت تام فتخيلو …!!!فتحت بطن السجين بقطعة معدنية من التنك وامسك الاخرين المريض حتى لايتحرك ابدا وبعضهم اغلق فمه بقطعة قماش والذي اجرى العملية كان طبيب صنع ابرة من ذات التنك ولست متأكدا من نوع الخيوط التي خاط بها الجرح تمت العملية ولم يخرج صوت واحد هذه صورة من الخوف والقهر ووضوح المصير داخل سجون النظام الفاسد
الجزء الرابع :
ساروي بعض الصور المؤلمة التي تخضع فقط لمنطق التتر الذين استباحو مدينتي حماه 1982 ونحن بداخل جامع عمر ابن الخطاب بالموضىء فتح الباب علينا وادخلت خمسة او ستة فتيات ,وياله من منظر … النصف السفلي من ملابسهم مليء بالدماء نحن الاطفال لم نعيره اهتماما لان هذه الاشارة اكبر من مداركنا ولكن بدأ بعض النساء يسقطون صرعا من هذا ولم نفهم لماذا تصاعدت سورة ياسين والتكبيرات وتصاعد البكاء ونحن الاطفال اتحدنا مع الجميع ببكاء لم اشهد له شبيه بحياتي كلها لان هذا لايحصل الا هناك وان شاء الله لن يحصل ثانية ادخلت الفتيات الى جزء خلفي صغير من الموضىء بعد ملأت دماؤهم قلوبنا وتساعد النساء على ايقاف النزيف الذي لطخ المكان (كم انتم سفلة وتريدون تأكيد همجيتكم ايها التتر)بعدها بدأت بعض النساء بخلع ثيابهم الداخلية واعطاءها الى الفتيات ياله من اضطراب في روحي الى الان هذا المشهد من تقاسم الالم المريع كسر الطمأنينة الى الابد.. وكنا نحن الاطفال بحالة ذهول لم نستطيع فهم مايجري امامنا ماذا يفعلون النساء يخلعون ثيابهم الداخلية ليستروا عوراتنا المستباحة,تكاتفت النساء حتى استطاعت ان يوقفوا النزيف المريع,في البداية طلب بعض النساء المساعدة من الجنود ولكنهم رفضووضحكوواستهزؤا …وسباب لاينتهي وكأنهم لم تلدهم امهات بل نبتو من الحجارة ولم يروا الله ورأو فقط التجبر, وحاولت النساء احتضان الفتيات الجريحات لتخفيف من هلعهم ويالها من ساعات طويلة بعدها وصلت ادمغتنا الى الرضا لتهدأ نفوسنا التعبة كنوع من غريزة البقاء وبدأنا نحن الاطفال الاقتراب من الفتيات الجريحات بنوع من المداعبة لتخفيف من الامهم واتذكر كيف كانت وجوههم وكأنهم خرجوا من حظيرة ذئاب مسعورة
روت الفتيات ماحصل معهم الى النساء
رفضت الفتيات الاستجابة لمطالب الذئاب فانهالو عليهم كما اكثر مما تعتقدون.. ضرب وسباب وهمجية واقتلاع ثياب وفض بكارة بطرق غير انسانية لم يكن الجنس دافعهم فقط, انهم مرضى بسادية لانهاية لها لقد ادخلو كل شي الى روح الفتيات يالهم من وحوش تسلطت على رقابنا وفي هذا المكان روت احد النساء عن جدتها الطاعنة بالسن وهي لاتستطيع المشي ارسلتهم الى البحث عن الخلاص علهم ينجو من حمام الدم الاسود, وبقيت هي وكرسيها الغير مدولب الذي تستند اليه … كانو في حي العصيدا بعد قصف الحي بالمدفعية ودخول القتلة اليه اعدمو مباشرة اكوام من الرجال مثلو باجسادهم الطاهرة ابشع تمثيل ولن يتدردوا بقتل الاطفال واعتقلوا ما بقي حيا, واقسم انني اعرف رجلا كان طفلا هناك, ورأيته وتكلمت معه منذ اسابيع وروى لي كيف كانت جثث اخواله وعند خروجهم لم يستطيعو المغادرة الا من فوق الجثث ودعوا جثث احبابهم بهذه الطريقة ياله من موت و حملوه هذا الالم الى اليوم وقال لي انا خائف من بطشهم ولا استطيع ان اقاوم خوفي لقد اغتصبو الطمأنية الى الابد وسألني بكل سذاجة هل سننتصر عليهم وضحكت وانا الذي لم اضحك منذ شهور واكدت انتصارنا فابتسم مترددا ولكني اعلم انه سيكون هناك يحتفل بنصرنا القريب
قررت الجدة(ام ابراهيم) اخراج الجميع من الحي وهذا الجميع فقط من الاطفال والنساء وتنقلت معهم بكرسيها (العكاز)تحت الاطلاق من رصاص ومدفعية وقناصة الى ان وصلو صعودا الى بداية حي الحاضر,تعبت ام ابراهيم ولم تعد تستطيع السير اكثر وبقيت هناك في بيت احدى عماتي وزوجها واطلقتهم الى المجهول كسرب من السنونو بين الوحوش ولم تملك ام ابراهيم الا خيارها هذا, وكانت تعي الجدة ان القتلة ليس بشر وعلى الجميع الهروب من حمام الدم الذي يهددهم كل ثانية وعندما تكلم النساء عن ام ابراهيم كيف صرخت بهم واطلقتهم الى الخلاص في الموضىء قرأت الفاتحة من الجميع على روحها الطاهرة اعتقادا منهم انها ستباد من الهمجية التي قررت مواجهتها, ولكن ام ابراهيم كانت اقوى من المدافع, وحيث ان عمتي وزوجها قرروا الهروب من القتل الذي يتصاعد اكثر فاكثر ومرة اخرى, الجدة تطلقهم نحو الخلاص وتبقى في بيتهم وتعلن المواجهة بقيت ام ابراهيم في بيت عمتي والابواب مشرعة لمدة اسبوع والجنود تدخل المنزل وتخرج وتسرق وتكسر وام ابراهيم تصرخ في وجوهم ويخافون منها  وهي تغتال شجاعتهم الزائفة لم تنحني امام القتلة بل دافعت عن المنزل بكل اباء كنوع من رمزية المقاومة المحقة عن كامل المدينة المستباحة.صمودها اذلهم واذل قادتهم حتى بدأ يستجيبون لما تمليه عليهم ليكتشفو انها المنتصر هي وكرسيها الغير مدولب, فقرروا اخراجا امام المنزل وتفجير منازل الحي كاملة ولتشاهد كم هم ليسو بشر,بقيت على كرسي في وسط الشارع المدمى ,ثلاثة ايام وام ابراهيم في هذا الخلاء لم تناور ولم تفاوض اعلنت وجودها هناك كنخلة وسارية وراية وعلم, ولم تطلب هي المساعدة من احد ولكن كان من بين الجنود من تبنى شموخها وتحول الى مجيب الى كل ماتحتاجه جسديا واقسمت ام ابراهيم انها لم تخاف منهم ولم تراهم فكانو اصغر من مدى بصرها وتقول ام ابراهيم ان الله ارسل لها كل ماتحتاجه,بقيت ام ابراهيم لتخبرهم اننا سنعود ونقتص ونكرم سهداءنا ونرفع لكل منهم شاهدة ولن نركهم بقبرهم الجماعي ولم ولن تنتصروا كما تعتقدون  ..وارسل الله بعض الباحثين عن الخلاص فحملوها وهي التي ابت ان تحمل خرجت ام ابراهيم الى القرى مع التائهين
الجزء الخامس
عندما صفعني ابي وارسلني لالحق بامي واخوتي وباقي سكان البارودية وكأنه كان يعلم انني لن انسى تفاصيل المأساة ماحييت واخبركم واقسم انني اروي مقتل ابي وكانني اراه اليوم بكل شهيدا اومعتقل ربما يكون هناك ازدياد في ارتباكي في كتاباتي في هذه الجزئية من الشهادة الان فاعذروني لانه (أبي) اه ياابي كيف استطعت ان ترسلنا الى المجهول ياله من الم كيف كان قلبك وعقلك ان ذاك من هنا بدأت عذاباتك تكبر. في الملجأ الذي دخله هو عمتي تم اعتقاله الى الابد,عند وصول الجيش الى الملجىء بعد ان تم تأخيرهم من قبل بعض الشبان الشجعان الذي اعرف احدهم عرف اليقين واخبرني كم عانو من القصف وكيف استطاعو تأخير دخول التتر لعدة ايام. اعتقل ابي وجميع الرجال واقتيد وا الى معمل البورسلان وهذه الرواية وصلتني ممن كانو معه هناك, بعد ايام وهم تحت المطر بدون طعام السماء كانت تروي عطشهم وربما مرة او مرتين ياتي الجنود ببعض الخبز ويبدأون برميه ويطلبون تحت تهديد السلاح ان يتراكض الناس اليه للامعان بمهانتنا كان هناك هنكارات واقبية وكانو يتقاسمون الالم كعادتهم فالقبو اكثر دفئأ من الهنكارات التي تحميهم من الرياح والساحة خارج الكون القتل والتشويه والسحل وخلع الاسنان وقص الاذان واللسان وقلع العيون وكسر الاطراف ومع ذلك الناس كانو يتبادلون الادوار ويتقاسمون الالم بعد ايام من وجوده هناك كان الناس ينادونه يادكتور كنوع من الاحترام وتخفيف الالم وهو الذي خفف الامهم من قبل, وكان دائما يقول للجميع لا تنادوني بدكتورلانه يعلم انهم لن يتركو مثقفا حييا في مدينته وهوالذي وقع على بيان مثقفي حماه والذي ارسل الى النظام لاحلال الديمقراطية واطلاق الحريات والى اخره من حقوق, اليوم ننادي بها وسننالها باذن الله ويروي لي احد الشهود ان ابي رأه يحمص قطعة خبرا صغيرة على احد الافران هناك فقال له كلها كما هي والى الان لم استطع ان افسر ذلك اكان قصده من اجل الفائدة الغذائية اومن اجل رائحتها مراعاة لجوع جميع المعتقليين تسرب خبر الى الضباط بوجود طبيب بين جموع المعتقليين وكانوااكثر من خمسة الاف في هذا المعتقل فقط . فجمع المعتقلين في الساحة وبعدها قال الضابط الكبير نريد طبيبا واوحى للجميع ان هناك حالة اسعاف مستعجلة فخرج ابي ولبى النداء وهوالذي اقسم قسم ابقراط وكان هناك طبيبا اخر لبى نداء الواجب ولكن لم يعلمو بالمكيدة سحل ابي والطبيب الاخر وعذبو من دون رحمة واقتلعو احدى عينيه وهو يصارع الالم وروى لي احد الذين كانو هناك ان ابي كان على الارض يتلوى من الالم وانهالو عليه بالاسلحة وكانهم يلعبون وقبل ان يموت تكالب الجنود عليه وكانهم ذئاب, لساعات دامت الامه كيف كنت تشعر ياابي…؟ وبعده رمي جسده الذي يشبه جسدي ووجه الذي يشبه وجهي وروحه الذي تشبه روح شهدائنا اليوم في الساحة ثم سلمت جسده الطاهر للمستشفى الوطني وبقي مرميا مع الشهداء على باب المستشفى ,لم تنتهي عذابات ابي الى الان فقلعت عينه الثانية هناك واخرجت بطاقته الشخصية وخرزت في ملابسه. استطاع احد من اقرباؤنا ان يأخذ الجثمان وتم دفنه من غير عيون وانا اليوم اقسم انني لم اتوقف عن المطالبة بحقوقنا كاملة وان ينال القتلة القصاص العادل ولم ولن اهدأ حتى تعيدوا لي عيون ابي لادفنهم هناك حيث يكون

خالد الخاني
16-6-2011

المصدر: https://www.facebook.com/note.php?note_id=118759568203061
ملاحظة: المقال يعبر فقط عن وجهة نظر كاتبه


Inscrivez-vous à notre newsletter