مأساة الجيش السوري – مانيا الخطيب

Article  •  Publié sur Souria Houria le 10 octobre 2011

مع أنني لست محللة عسكرية ولم أخدم الخدمة الإلزامية في سورية، كما أنني لم أتطوع في صفوف الجيش يوماً، إلا أنني سأتحدث عما شاهدته بعيني وعشته على الأراضي السورية لعقود من الزمن لأصل إلى اليوم الذي نعيشه. اليوم الذي أرى فيه الجيش السوري، المفترض به أنه مؤسسة وطنية لحماية البلاد، يقوم بدلاً من ذلك، بقت المتظاهرين السلميين في أنحاء سورية قاطبة.. وهو مشهد يمزق قلبي وعقلي وأعصابي

وسنبدأ من لحظة « ثورة » حزب البعث في أوائل الستينيات التي أحضرت العسكرإلى حكم البلاد، وهو دور معكوس حيث أن المؤسسة العسكرية يجب أن تعمل تحت إشراف حكم مدني منتخب من قبل الشعب

قرأنا عن التصفيات لخيرة الكوادر من الضباط، والتي حصلت من 1963 إلى يوم « النكسة » عام 1967 التي ضاع فيها جزء غال من سورية هو الجولان، الذي كان سيدافع عنه أولئك الضباط الذين خسروا حياتهم … فقط ليصل حافظ الأسد إلى الحكم، وبعدها سيجهز على من ساعده من بقية العسكريين « الرفاق » الذين رأى فيهم تهديداً لحكمه. ثم أتت « حرب تشرين » 1973 التي تركت لنا حتى اليوم مدينة القنيطرة أثراً .بعد عين،  إذ تركت على حالها من الدمار، للابتزاز …واستعطاف العالم بأسلوب مفضوح … وأيضاً للحفاظ على الحكم

وبعدها أتت الكارثة التي تعرّت فيها هذه المؤسسة التي يفترض أنها الأكثرأهمية في بلد مثل سورية وهي، كارثة « حرب لبنان »، حين ظهر بعض كبار الضباط المسؤولين عن الجيش بشكل مخز جداً، وتبين أنهم في الحقيقة ثلة من اللصوص وقطاعي الطرق

كان لبنان، في حينه، كما يوصف « سويسرا الشرق » حيث رفاه العيش والسحروالجمال. ولكن لم يسلم من « الضباط » وتابعيهم حتى التمديدات الصحية في لبنان. فقد نهبوه وسرقوه وضربوا إسفيناً بين الشعبين حتى صارت سمعة السوري في لبنان سيئة جداً،  بسبب مجموعة من اللصوص دخلوا تحت تسمية « قوات الردع العربية

أتذكر قصصاً مؤلمة لا زالت تحز في نفسي حتى اليوم عن أنه كلما « دق الكوز بالجرة »، كما يقال، وتشاجر حافظ الأسد وعصابته الإرهابية مع فلان أو علان في لبنان يستدعى من خيرة شباب سورية إلى « الخدمة الإحتياطية » ليقضوا نحبهم في لبنان

من دائرة معارفي المتواضعة عايشت من ترك إبنته الأولى من زواج لم يمر عليه عام ونيف، وأثاث جديد لعروس حلم حبيبها أن يمضي عمره معها، لكن عمره القصير انتهى  في « معركة قصر بعبدا » .. فكبرت الفتاة يتيمة

من جهة أخرى، كان رفعت الأسد في هذه الأثناء، قد لمّ حوله ما يسمى « سرايا الدفاع ». طبعاً الدفاع عن الحكم وليس عن سورية وأيضاً « الحرس الجمهوري »، الذي يظهر من اسمه ما هي وظيفته بالضبط، وهؤلاء وأولئك « ورثهم » ماهر الأسد وأسماهم « الفرقة الرابعة ». كل هؤلاء تمت فلترتهم » بحيث تكون أدمغتهم مصبوبةً  كلياً على الولاء الأعمى لحماية كرسي الحكم » سرايا الدفاع » ارتكبت عام 1982 في حماة ما ترتكبه « الفرقة الرابعة » اليوم بالتمام والكمال »

بعد مجزرة حماة المرعبة كان الطلاب يصطفون صباحاً في المدارس ويرددون شعارات من ضمنها « عهدنا أن نتصدى للإمبريالية والصهيونية والرجعية ونسحق أداتهم المجرمة عصابة الإخوان المسلمين العميلة ». هذا ما أوصلته الطغمة الحاكمة إلى باقي المحافظات هو نفسه ما تحاول تنفيذه اليوم .. ولكن عبثاً فقد انطوت صفحتهم نهائياً مع العلم أن الطلاب في سورية حتى عهد قريب كانوا يرتدون الزي العسكري حتى نهاية الثانوية

ولنترك هؤلاء ونذهب إلى الجيش العادي. هنالك أناس أعرفهم لم يكملوا إلا التعليم الإبتدائي قبل « سحبهم  » إلى الجيش. أحدهم بعد مرور شهر من خدمته الإلزامية، وجد مقتولاً لسبب غامض. إلى يومنا هذا لا تزال ملابسات قتله غامضة، وشرب أهله حسرة وفاة ابنهم من دون أن يعرفوا لماذا؟..وكيف؟ فقط تسلموا جثمان ابنه وقيل لهم أنه في الجيش يحصل الكثير والقليل والله يقدركم على الصبر..!! مؤلم جداً ما شاهدته من معاناة تلك العائلة

وآخر كلّفته الخدمة العسكرية أموالاً، كان  يجبر أهله على استداناتها له.. لأنه في كل مرة كان يريد أن يذهب في إجازة ليفرّ من جحيم الجيش، كان عليه مرة أن يشتري رطل سمن للضابط الفلاني، ومرة رطل زبيب للضابط العلاني، وذات يوم كان عليه أن يشتري حتى جهاز تلفزيون .. وهكذا

وذات يوم لم يذهب إلى الجيش فأودع لقرابة السنة في سجن تدمر العسكري، الذي هو عبارة عن مقبرة للأحياء، خرج بعدها شخصاً محطماً استطاع أن يعيش بشكل غير متوازن لبضع سنوات، وبعدها انتحر

قال لي أحدهم بعدما عاد من الخدمة الإحتياطية، مع أنه خدم الخدمة « الإلزامية الأساسية فعلاً، جملة أتذكرها إلى اليوم هي « بعد اليوم سقطت مقولة الوطن بالنسبة لي وذلك من شدة المعاناة والقهر التي عاشها

هناك من الأشخاص ممن لديهم « واسطة كبيرة » في الجيش، كقريب برتبة لواء مثلاً، يذهبون ويسلّمون هويتهم المدنية، ويتسلّمون العسكرية….ويذهبون نفس المشوار لتبديل الهويات، وذلك من دون أن يؤدوا الخدمة نهائياً .. بل يمضون فترتها في بيوتهم ..!! وهكذا فتلك المؤسسة كانت تعمل على تمزيق صورة الوطن في قلوب وعقول الشباب

الخدمة الإلزامية هذا حالها. ولكن ماذا عن الجيش النظامي؟

الضباط يستعملون الجنود لأداء الخدمات المنزلية، فهذا يذهب للتنظيف وذاك للتسوق ..وثالث ليوصل الأولاد إلى المدرسة …وهكذا أي أنهم مجرد خدم وحشم ويزيد عدد الخدم والحشم كلما ارتفعت رتبة الضابط، حتى أن الجنود وصغارالعساكر يتحوّلون إلى عمال بناء أو عمال زراعيين في مزارع  يمتلكها الضباط أو مشاريع خاصة أقاموها، من تحالفاتهم التي أقاموها مع مافيات الإقتصاد الأسود في سورية والتي هي عائلة الأسد وأقاربهم ولفيفهم وحتى هؤلاء الضباط، وغيرهم من العاملين في المؤسسة العسكرية، هناك « مؤسسات » أخرى تتحكم برقابهم وتحصي أنفاسهم،  على رأسها « الأمن العسكري » و « الشرطة العسكرية » « بعض الضباط تم استغلالهم وغسل دماغهم بأسلوب التجييش الطائفي على أساس »إما أنتم وإما الفناء

من ضمن بعض الممارسات العجيبة، مثلاً، أن يأتي بشكل غامض تمديد مفاجئ لضابط كان عليه أن يذهب إلى التقاعد، لأن مسيرته أثبتت ولاءً أعمى لحماية كرسي حكم عائلة الأسد

العسكريون المحترمون في سورية شعروا بإهانة بالغة عندما تم تقفيز بشار الأسد من رتبة إلى ثلاث رتب أعلى. وعاشوا إهانات بليغة أكبر عندما شاهدوا كيف تم دوس كرامة هذه المؤسسة المهمة، وكيف يعاني أفرادها العاديون، أي أولئك الذين لا ينتمون مباشرة إلى فرق ماهر ومن قبله رفعت، من الجوع العطش والذل، كيف أن حياة هذا أو ذاك لا تساوي « قشرة بصلة » عند الطغمة الفاسدة التي وجدت بخطأ تاريخي نفسها في موقع تتحكم فيه برقاب الناس، وتسبب هذا النخر الذي يجعلنا اليوم نشاهد بخزي وألم لا تحتمله الجبال كيف يرفس العسكرالناس ويذلونها، والذي يعتبره أصحاب الحس الوطني الحقيقي إهانة للشرف العسكري

في سورية الجديدة، بعد السقوط الحتمي لمنظمة حكم الأسد الإجرامية، أتمنى أن تنشط مؤسسات الرعاية النفسية وإعادة التأهيل التي لا تستطيع اليوم أن تعمل في سورية بشكل طبيعي. أتمنى ذلك حتى تفتح عيون هؤلاء الذين تم تحويلهم إلى مسوخ بشرية، على شمس جديدة تشرق على سورية والسوريين وهم متساوون أمام القانون، ولديهم مؤسسة عسكرية في موقعها الصحيح .. أي الدفاع عن الأرض والشعب وليس  إحراق تلك وإذلال هذا فقط من أجل حماية كرسي حكم آل الأسد الآيل بشكل حتمي للسقوط قريباً …. قريباً جداً

9.10.2011



Inscrivez-vous à notre newsletter