مشعل الكرد وصورة الجزيرة – صبحي حديدي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 10 octobre 2011

لم تكن مفاجأة، في يقيني الشخصي، أن تلجأ أجهزة النظام السوري إلى اغتيال الصديق المهندس مشعل التمو، المناضل والناشط الكردي البارز، مؤسس ‘تيار المستقبل’ الكردي والناطق باسمه، وعضو الأمـــانة العامة للمجلس الوطني السوري. كان من المنطقي أن تــــدرج تلك الأجهزة اسم التمو على لوائح التصفية الجسدية لعدد من قادة المعارضــــة الناشطين على الأرض، بالنظر إلى أنّ خيار الاغتيــــال المباشر لا يكتفي بإبعاد الناشط عن ساحة العمل الميداني المباشر؛ بل يسعى أيضاً إلى استفزاز مواطنيه ومناصريه وأحبّــــته وأهله، وشحـــن ما يمتزج في نفوسهم من مشاعر الحزن والغضب إلى مستويات عارمة، قد تتيح استدراجهم إلى ردود قصوى، بينها العنف المضادّ
ليست مصادفة، كما يشير المنطق البسيط، أن يكون أوّل عضو/ شهيد، في الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري، حاملاً للمواصفات التالية: كردي، مثقف، معارض مخضرم جرّب التظاهر والاعتصام والاعتقال والحياة السرّية، مدافع عريق عن حقوق الشعب الكردي القومية والديمقراطية في إطار نظام ديمقراطي تعددي، وناقد يقظ لشتى أنماط القصور في العمل السياسي الكردي… ولم يكن مدهشاً، أيضاً، أن تُنفّذ جريمة اغتياله على هذا النحو الصارخ والهمجي، ولكن المتعمَّد تماماً في أدقّ تفاصيله، على مرأى من نجله مارسيل، ورفيقته زهيدة رشكيلو عضو مكتب العلاقات العامة في ‘تيار المستقبل’. أخيراً، لم يكن غريباً أن تفتح الأجهزة الأمنية النار على مشيّعي الجنازة في مدينة القامشلي، حيث وقعت جريمة الاغتيال، وأن تتعمّد الواقعة بدماء المزيد من شهداء الانتفاضة
بيد أنّ المدينة في ذاتها كانت مستهدفة أيضاً، بالأصالة عن تمثيلاتها ورموزها ومكوّناتها، وبالنيابة عن منطقة فريدة وذات مقام خاصّ، اسمها ‘الجزيرة السورية’. وبالمعنيين السوسيولوجي والاقتصادي، كانت علاقة البشر مع المواسم الزراعية قد جعلت هذه المنطقة تنفرد عن بقية المناطق السورية في أنّ معظم سكانها خليط ثنائي التركيب: إمّا من الوافدين الذين قَدِموا من مناطق الداخل السوري بحثاً عن العمل الزراعي الموسمي ثم استقرّوا، أو من المهاجرين الذين توافدوا من تركيا والعراق وأرمينيا هرباً من الاضطهاد العرقي أو السياسي
وذات يوم، في شهر أيلول/سبتمبر من العام 1973، أعلنت إذاعة دمشق أنّ حافظ الأسد سوف يزور المحافظات الشرقية، وكان الخبر مفاجئاً لأنّ الأسد دشّن عهده بزيارات استعراضية صاخبة إلى جميع المحافظات السورية، باستثناء الشرقية منها، الرقة ودير الزور والحسكة. ويُقال إنه كان يعتبر هذه المحافظات معادية له شخصياً، مثلما هي مناهضة لنظامه؛ أمّا أبناء المحافظات فلم تكن لديهم أوهام حول مدى ما يتعرّضون له من إهمال، فبدا الإعلان عن زيارة الأسد غريباً وباعثاً على الآمال في آن معاً. إلى حين فقط، لأنّ الوقائع اللاحقة كشفت أنّ إشاعة أنباء الزيارة كانت تستهدف خداع إسرائيل، بعد اتفاق الأسد وأنور السادات والملك حسين على موعد بدء الأعمال الحربية في سياق ما سيُعرف باسم ‘حرب تشرين’. ومضت 27 سنة، ورحل الأسد من دون أن تطأ قدماه شبراً في تلك ‘الأصقاع المعادية’
المثير في الأمر أنّ هذه المحافظات الشمالية هي ‘أهراء سورية’ على نحو أو آخر، وفيها تتمركز ثروات البلاد ومواردها الأساسية: في الحسكة النفط وزراعة الحبوب التي تعدّ محاصيل استراتيجية، وفي دير الزور النفط، وفي الرقّة الكهرباء وسدّ الفرات. وإذا كان التمييز البيّن يقع على مواطني هذه المحافظات الشمالية بالمقارنة مع سواهم، فإنّ التمييز الذي يعاني منه المواطنون الأكراد أشدّ وأبعد أثراً، وهو بلغ ويبلغ مستوى التجريد من الجنسية والحرمان تالياً من حقوق التعليم وتسجيل الولادات الجديدة والسفر، فضلاً عن التهجير، والتحريم شبه التامّ المفروض على الحقوق الثقافية والسياسية الأساسية
أمّا ‘عروس الجزيرة’ بامتياز فهي مدينة القامشلي، التي صارت موطناً لأقوام من الأكراد واليزيديين والأرمن والسريان والآشوريين و’المردلية’ و’المحلمية’ والبدو الرحّل والعشائر المستوطنة… الأمر الذي استدعي تعدّدية أخرى على صعيد اللغات والأديان والمذاهب والتراث والأساطير والفنون، فضلاً عن طقوس الأفراح والأتراح. حكومات حزب البعث المتعاقبة، ومنذ استلام السلطة سنة 1963، تكفّلت بالإجهاز على الكثير من أخلاقيات التعدّد الراقية هذه، أو رسّخت نقائضها على نحو منهجي مقصود، اعتمد سياسة اللعب على حساسيات طائفية ومذهبية بين المسلم والمسيحي، أو بين المسلم العربي والمسلم الكردي أو اليزيدي، وإيقاظ ما كان منها خاملاً نائماً، وإحياء ما اندثر وانطوى
لكنّ صورة القامشلي هي أنموذج عن سورية المستقبل، التي من أجل بنائها ينتفض السوريون كلّ يوم، ويضحّون كلّ ساعة؛ وهي، على نحو ما، أمثولة تجعل تعددية البلد، الثقافية والدينية والإثنية، منابع اغتناء متبادل، وموارد خصب وإخصاب. إنها، في المقابل، صورة لا تنسجم مع أغراض النظام، لا سيما في الطور الراهن من خطوط دفاعه الأخيرة: إثارة النعرات، وزرع الفتن، والاشتغال على التفتيت المنهجي في مختلف أشكاله، المناطقية والطائفية والدينية والأقوامية. وهكذا فإنّ اغتيال مشعل التمو ليس سوى خطوة تالية، سبقتها خطوات لم تكن أقلّ خبثاً، في مسعى النظام إلى تدمير الأمثولة، وإلى إشعال الحريق في ثوب العروس، المطرّز بأزاهير النوروز وقمح الفقراء وحداء السهوب

القدس العربي – 2011-10-09

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today9qpt998.htm&arc=data\2011\10\10-099qpt998.htm



Inscrivez-vous à notre newsletter