مـن ينقـذ حلـب؟ – شوقي بغدادي

Article  •  Publié sur Souria Houria le 10 août 2012

لآن جاء دور حلب فما عسى المفجوع بمحبوبته أن يقول وهو يراها تموت أمام عينيه؟ لن تموت حلب بالتأكيد، غير أن حلباً أخرى قد تحل محلها حين يختفي هواة النغم الذي كان يهابهم محمد عبد الوهاب حين زار حلب، وحين ينقرض أحفاد المتنبي وسيف الدولة وعمر أبو ريشة ولؤي كيالي وسامي الكيالي وابراهيم هنانو… لندع الصراع القائم الآن سواء كنا معه أم كنا ضده، ولنتكلم بلغة البشر الأسوياء، ماذا يجدي تدمير مدينة مثل حلب ولنفترض جدلاً أن السلطة الحاكمة استطاعت أن تنتصر على خصومها وتستعيد السيادة على مدينة مدمرة ماذا يعني ذلك؟! هل في الامكان انقاذ حلب من دون تدميرها؟ وماذا يحكم الحاكم اذا انتصر ثم رأى الخراب والهلاك والخواء يحيط به من كل جانب؟ أي عرش هذا الذي سوف يستقر عليه حاكم بهذا البلد؟ المحب الحقيقي لا يستطيع ان يطلق النار على ولده مهما كان هذا الولد ضالاً.

ثمة حدود للغضب وإلا فلا تسمية للغضب عندئذ سوى (الجنون). ونيرون الذي أحرق عاصمة روما حين غضب عليها لم يطلق عليه التاريخ لقب المصلح أو المربي بل لقب المهووس الذي يتسلى باشعال النار.ثمة حدود للغضب بالتأكيد حين يواجه الغاضب مدينة عريقة أو معبداً أو تراثاً جليلاً يصب عليه غضبه فيأمر بإلغائها من الوجود. إن إلغاءها هو إلغاء لوجود الحاكم نفسه حتى ولو ظل عرش السلطان مستقراً تحت قعدته.

إن تدمير حلب إلغاء لهويتها حتى ولو بنيت مدينة أخرى باسمها بدلاً عنها، ثمة نسيج عريق خاص للمدن يتشكل مع تراكم الزمن لا يمكن تعويضه. نسيج سداه لهاث البشر اليومي وهم يصنعون عاداتهم وتقاليدهم، ولحمة ذكرياتهم وهم يمارسون الحنين إليه. أنا أعرف جيداً أن هذا الكلام كله وغيره لن يبدل شيئا. لقد بدأت أفقد ثقتي بقدرة البشر على استخدام عقولهم كما تعنيه حقاً كلمة العقل من ينقذ حلب الآن سوى محبيها؟ لقد استغنت الأم عن طفلها في مسرحية بريشت الشهيرة باسم دائرة الطباشير القوقازية حين وجدت أن الاستمرار في شد طفلها نحوها مقابل المرأة التي ادعت أنه ابنها وراحت تشده نحوها بكل قواها كما أمر القاضي بذلك هكذا أنقذت الأم الحقيقية ابنها من الموت بالاستغناء عنه لخصمه. إن المحب الحقيقي لحلب يجب أن يصنع كما صنعت هذه الأم، ومن دون ذلك لا يحق لأحد أن يدعي حب حلب وهو موغل في تدميرها باسم الحب.

http://www.assafir.com/WeeklyArticle.aspx?EditionId=2226&WeeklyArticleId=93363&ChannelId=12332&Author=%D8%B4%D9%88%D9%82%D9%8A-%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF%D9%8A&fb_source=message



Inscrivez-vous à notre newsletter