من ميشال سماحة الى آخره… الياس خوري

Article  •  Publié sur Souria Houria le 14 août 2012

اعترف بداية انني اصبت بالذهول امام المعلومات التي رشحت من التحقيق مع السيد ميشال سماحة بعيد اعتقاله. فالرجل كان يتصدّر المنابر باعتباره صديقا مقرّبا من الرئيس السوري، ويدير شبكة اعلامية دولية تمتد من باريس الى برلين وصولا الى نيويورك مهمتها تشويه سمعة الثورة السورية، بحجة الخطر الذي تشكله على المسيحيين في سورية ولبنان. وكلنا يذكر الدور المشبوه الذي لعبته الراهبة ماري انييس، وهي من حواريي السيد سماحة، في حمص على وجه التحديد.
فالسيد سماحة كان مستشاراً دوليا لبشار الأسد بسبب علاقاته الوثيقة مع الفرنسيين، وكان دوره اساسيا في تطبيع العلاقة بين النظام الأسدي والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، بحكم العلاقات الخاصة التي ربطت سماحة بكلود غيان وغيره من الشخصيات الفرنسية، ودوائر استخباراتية.
هل يُعقل ان يضحّي الأسد بمستشاره من اجل نقل عبوات ناسفة الى لبنان؟ وهل ضاقت السُبل بالسيد سماحة الى درجة تضطره الى حمل المتفجرات بيديه، على ما زعمت جريدة ‘السفير’ اللبنانية في صدر صفحتها الأولى صباح السبت 11 آب/اغسطس الجاري، بعد اقل من اربع وعشرين ساعة على اعتقال الرجل؟
واخيرا هل وصلت الأمور باللواء علي المملوك، الذي يقود احد اكثر اجهزة الاستخبارات جبروتا وعنفا وسلطة، الى التعاطي شخصيا في مسألة عبوات ناسفة طلب من احد معاونيه وضعها في سيارة الوزير اللبناني السابق؟
وجاء الاعتراف السريع للمتهم، وتراجع حلفاء سورية التقليديين في لبنان عن تغطيته سياسيا، وعلى رأسهم حزب الله، ليعلن سقوط الرجل في فخ محكم نُصب له، او ذهب اليه بنفسه.
الحكاية بائسة من الفها الى يائها، وهي تحمل دلالات عديدة يمكن وضعها في سياقين:
السياق الأول يرتبط بعلامات الانهيار المتسارعة التي بدأت تظهر على النظام الأسدي، من انشقاق مناف طلاس الى اغتيال خلية الأزمة وصولا الى هروب رئيس الوزراء رياض حجاب. لقد تمزق الحجاب الذي يغطي النظام، وصارت الآلة المافيوية ـ العسكرية- العائلية عارية، لا تملك سوى لغة وحيدة هي الايغال في دم السوريات والسوريين.
وحين يبدأ نظام بُني على الخوف ويسود الترهيب علاقات الرؤساء بالمرؤوسين فيه، بالسقوط، يظهر الارتباك، وتتحلل العلاقات، وينكشف الضعف وتسيطر البلبلة، وتسود عقلية تصفية الحسابات الداخلية. ولقد ظهرت آثار هذا الضعف في محاولة اغتيال النائب اللبناني بطرس حرب، التي بدت اشبه بلعبة زعران منها بعمل اجهزة محترفة سبق لها ان حولت لبنان الى حائط اعدام للسياسيين والمثقفين، من كمال جنبلاط الى حسين مروة وسمير قصير، مرورا برينيه معوض ورفيق الحريري وجورج حاوي…
هل فقد جهاز القتل الذي يملكه النظام السوري قدراته في لحظة بداية السقوط؟ ام أنه يتفكك ويتعفن؟ ام هناك قطبة مخفية لن تنكشف عناصرها الا بعد سقوط النظام؟
واللافت الذي يستحق وقفة خاصة، هو ان تهديدات الأسد باحراق المنطقة لم تجد آذانا في لبنان. حزب الله، القوة العسكرية الوحيدة الجدّية في لبنان، على الرغم من موقفه الداعم للنظام في محنة سقوطه، امتلك حكمة ان يقرر مع حاضنته الايرانية ان تفجير لبنان، كما يريد الأسد، سوف يدمر ما تبقى له من سمعة، وسيعرّضه لتجربة الخوض في انقلاب عسكري فاشل فات زمنه.
انه زمن الأفول، وفي لحظة الأفول تصبح الممارسة تراكما للأخطاء، الخطأ يستتبع الخطأ الى ان يسقط الجدار ويتهاوى دفعة واحدة.
في هذا السياق يكون الفخ الذي نصب لسماحة او نصبه لنفسه محكما، ويكون الرجل قد ذهب ‘فرق عملة’ صراعات حيتان المخابرات السورية والدولية، التي تتصارع في بحر ينتظر الحيتان المنتحرة على شواطئه.
السيد سماحة يتمتع بقرينة البراءة حتى صدور الحكم بادانته، ولم يكن تحليلي اعلاه سوى محاولة لقراءة تقرير صحافي نُشر في صحيفة لبنانية مقرّبة من النظام السوري، جاء قرار المدعي العام العسكري بتوقيف سماحة والادعاء عليه وعلى اللواء علي المملوك ليدعم صدقيته.
السياق الثاني هو اكثر وضوحا بالنسبة لي على الأقل، انه جزء من حكاية يمين الجيل اللبناني الذي صنع الحرب. بدأ سماحة حياته السياسية في مصلحة الطلاب في حزب الكتائب، التي كان يقودها كريم بقرادوني، في اواخر ستينيات القرن الماضي. وقد اتُهمت المصلحة آنذاك بميولها اليسارية، وبأنها خاضعة للنفوذ الفكري لموريس الجميل، وهو زعيم كتائبي اصلاحي، لم تستطع افكاره ان تزحزح البنية الفاشية للحزب الذي اسسه الصيدلي بيار الجميل تحت تأثير ‘كتائب فرانكو’ الاسبانية.
عام 1968 ظهر السيد سماحة، وكان في العشرين من عمره، على شاشة الحركة الطلابية، حين قاد الى جانب بشير الجميل مجموعة من فتيان الكتائب يحملون الجنازير، قاموا بالاعتداء على الطلاب اليساريين المعتصمين تأييدا للثورة الفلسطينية، في معهد الآداب العليا التابع للجامعة اليسوعية في بيروت.
سوف يتخلى سماحة عن الجنازير ويتحول الى مستشار لأمين الجميل ومدير لتلفزيون لبنان، قبل ان ينقلب مع ايلي حبيقة، على تاريخه الكتائبي- الاسرائيلي، ويتحول الى ‘صديق للنظام السوري’، ويبدأ صعوده في زمن الوصاية فيدخل البرلمان ويصير وزيرا…
لا ادري هل كان سماحة واضرابه يعرفون ان لا مكان في لعبة الالتحاق بالنظام الأسدي سوى للمخبرين. ففي النظام الذي صنعته شيطانية حافظ الأسد، لا مكان للسياسيين الا بوصفهم دمى في ايدي رجال المخابرات. وهذا ما اثبته ‘المتصرّف’ السوري الأول في لبنان غازي كنعان، حين حوّل مقره في عنجر الى مكان لإذلال السياسيين اللبنانيين بشكل مشين، ثم اوصله خليفته رستم غزالة الى ذروة الصفاقة الدموية.
اغلب الظن ان سماحة الذاهب الى دمشق برفقة ايلي حبيقة، رجل مخابرات بشير الجميل والاسرائيليين ومنفذ مذبحة شاتيلا وصبرا، كان يعرف ان لعبة السياسة السورية هي لعبة مخابرات. وان مخابرات النظام الأسدي تبدأ اختصاصاتها بالنهب والقتل وتنتهي باستباحة كل المحرمات.
غير ان سماحة، الذي امتلك كل عدة المستشار السياسي والاستراتيجي، حاول ان يصنع لنفسه حيثية خاصة في سياق محاولات النظام سحق الثورة السورية.
قامت حيثية الرجل على توظيف صلاته الفرنسية والغربية، في اطار ما اطلق عليه اسم ‘الخطر الذي يهدد المسيحيين في سورية’. ووجدت اللعبة صداها اللبناني مع ‘جنون العظمة’ عند ميشال عون، وفي بعض الأوساط الاكليريكية المشبوهة في سورية ولبنان، ومع بعض الاوساط الاوروبية من بقايا الفاشيين كجماعة ‘شبكة فولتير’ الفرنسية، الذين تحولوا بوقا لتحليلات السيد سماحة. هذا النوع من التحليل العُصابي كان مقدرا له، لو لقي اذانا صاغية، احداث نكبة بالمسيحيين في بلاد الشام، تكون استكمالا لنكبتهم اللبنانية التي نتجت عن التحالف الكتائبي المجنون مع الاسرائيليين عام 1982.
قصة سماحة انتهت، ونهايتها محاطة بالكثير من الأسرار، ‘الفتى الكتائبي’ الذي بدأ حياته ‘شبيحا’ يضرب الطلاب في الجامعة، اريد له ان ينهيها اليوم ‘شبيحا’ً يحمل متفجرات الموت!
نهاية تدعو الى التأمل، هذا بالطبع اذا صحت المعلومات التي تسربت من التحقيق.
وانا لم اقم سوى بتقديم عناصر لتحليل قصة نشرتها وسائل الاعلام، اما ملابسات الفخ الذي سقط فيه السيد ميشال سماحة او قادته لعبة استخبارية معقدة اليه، فلن تنكشف الا في المحكمة، وعندها يأخذ التحليل دلالاته الملموسة.

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=data\2012\08\08-13\13qpt998.htm&arc=data\2012\08\08-13\13qpt998.htm



Inscrivez-vous à notre newsletter